الحديث الثاني عشر: «ما من أحد من أمتي له سعة ثم لم يزرني فليس له عذر» قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود بن النجار في كتاب «الدرة الثمينة في فضائل المدينة أنبأنا أبو محمد بن علي، أنبأنا أبو يعلي الأزدي، أنبأنا أبو إسحاق البجلي أنبأنا سعيد بن أبي سعيد النيسابوري، أنبأنا إبراهيم بن محمد المؤدب، أنبأنا إبراهيم بن
_________________
(١) ٤ /٤٢ رقم ١٩٠٥.
[ ١٧٦ ]
محمد، حدثنا محمد بن محمد، حدثنا محمد بن مقاتل، حدثنا جعفر بن هارون، سمعان بن المهدي، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «من زارني ميتًا فكأنما زارني حيًا ومن زار قبري وجبت له شفاعتي يوم القيامة وما من أحد من أمتي له سعة ثم لم يزرني وليس له عذر» .
هكذا ذكر المعترض هذا الحديث وخرس بعد ذكره فلم ينطق بكلمة، وهو حديث موضوع مكذوب مختلف مفتعل مصنوع من النسخة الموضوعة المكذوبة الملصقة بسمعان المهدي قبح الله واضعها، وإسنادها إلى سمعان ظلمات بعضها فوق بعض، وأما سمعان فهو من الحيوانات التي لا تدري هل أوجدت أم لا، وهذا المعترض إن كان لا يدري أن هذا الحديث من أقبح الموضوعات، فهو من أجل الناس، وإن كان يعلم إنه موضوع ثم يذكره في معرض الاحتجاج ويتكثر به ولا يبين حاله، فهو داخل في قوله ﷺ: «من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين» (١) فهو إما جاهل مفرط في الجهل، أو معاند صاحب هوى متبع لهواه، نعوذ الله من الخذلان.
قال أبو حاتم بن حبان البستي: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، حدثنا النضر بن شميل، حدثنا شعبة عن حبيب بن أبي ثابت قال: سمعت ميمون بن أبي شبيب يحدث عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله ﷺ قال: «من روى عني حديثًا وهو يرى أنه كاذب فهو أحد الكاذبين» .
حدثنا عمران بن موسى بن مجاشع، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا وكيع حدثنا شعبة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ: «من حدث عني حدثنا وهوع يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» قال أبو حاتم: في هذا الخبر دليل على صحة ما ذكرنا أن المحدث إذا روى، لم يصح عن النبي ﷺ مما تقول عليه، وهو يعلم ذلك يكون كأحد الكاذبين، على أن ظاهر الخبر ما هو أشد، وذلك أنه قال ﷺ: «من روى عني حديثًا وهو يرى أنه كذب» ولم يقل إنه يتيقن أنه كذب، فكل شاك فيما يروي أنه صحيح، أو غير صحيح داخل في ظاهر خطاب
_________________
(١) رواه مسلم في المقدمة ١/٩ متن من حديث سمرة وابن ماجه في المقدمة رقم ٣٩وأحمد ٥/٢٠ وابن حبان ١/١١٧، ورواه ابن ماجه رقم ٣٨،، ٤٠ من حديث علي وبرقم ٤١ من حديث المغيرة بن شعبة وأحمد ٤/٢٥٢، ٢٥٥ والحديث متواتر عن النبي ﵊ بضع وستون صحابيًا وجاء هذا الحديث من أكثر من مائة طريق.
[ ١٧٧ ]
هذا الخبر، ولو لم يتعلم التاريخ، وأسماء الثقات والضعفاء ومن يجوز الاحتجاج بأخبارهم ممن لا يجوز إلا لهذا الخبر الواحد لكان الواجب على كل من ينتحل السنن أن لا يقصر في حفظ التاريخ حتى لا يدخل في جملة الكذبة على رسول الله ﷺ.
وقد ذكر ابن حبان قبل هذا حديث جبير بن معطم، عن النبي ﷺ قال: «نصر الله عبدًا سمع مقالتي فوعاها ثم أرادها إلى من لم يسمعها» (١) .
وحديث عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله: «بلغوا عني ولو آية وحدثوا عني بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» (٢) .
ثم قال ابن حبان في أمر رسول الله أمته بالتبليغ عنه من بعدهم مع ذكر إيجاب النار للكاذب عليه دليل على أنه إنما أمر بالتبليغ عنه ما قاله ﷺ، أو ماكان من سننه فعلًا أوة سكوتا عند المشاهدة لا إنه يدخل في قوله: «نضر الله امرأ» المحدثون بأسرهم، بل لا يدخل في ظاهر هذا الخطاب إلا من أدى صحيح حديث رسول الله دون سقيمة، وإني خائف على من روي ما سمع من الصحيح والسقيم أن يدخل في جملة الكذبة على رسول الله ﷺ إذا كان عالمًا بما يروي.
ثم قال ابن حبان: حدثنا أحمد بن يحيى بن زهير بتستر، حدثنا محمد بن الحسين بن أشكاب، حدثنا علي بن حفص المدائني، حدثنا شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة قال: قال رسول ﷺ: «كفى بالمرء إثمًا أن يحدث بكل ما سمع» (٣) .
قال أبو حاتم: في هذا الخبر زجر للمرء أن يحدث بكل ما سمع حتى يعلم على اليقين صحته، ثم يحدث به دون ما لا يصح على حسب ما ذكرناه قبل.
_________________
(١) انظر ١/١٤٣-١٤٤، ٢/٣٥ والحديث أيضًا متواتر وللشيخ العباد كتاب في تخريج هذا الحديث وشرحه.
(٢) أخرجه البخاري ٦/٤٩٦ والترمذي ٥/٤٠ وابن حبان ٨/٥١، وأحمد ٢/١٥٩-٢٠٢-٢١٤ من حديث عبد الله بن عمر ﵄.
(٣) رواه مسلم في المقدمة مسندًا ومرسلًا وأبو داود ٥/٢٦٥-٢٦٦ وابن حبان ١/١١٨ مسندًا، وقد رجح الدارقطني إرساله.
[ ١٧٨ ]