الحديث الرابع عشر: «من لم يزر قبري فقد جفاني» قال أبو الحسن يحيى بن الحسن بن جعفر الحسيني في كتاب أخبار المدينة، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني أبو أحمد الهمداني، حدثنا النعمان بن شبل،حدثنا محمد بن الفضل المديني سنة ست وسبعين عن جابر عن محمد بن علي، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من زار قبري بعد موتي فكأنما زارني في حياتي ولم يزرني فقد جفاني» .
وقال الحافظ أبو عبد الله بن النجار في الدرة الثمينة: روى عن علي ﵁ أنه قال: رسول الله: ﷺ: «من لم يزر قبري فقد جفاني»،وقال أبو سعيد عبد الملك بن محمد بن إبراهيم بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من زار قبري بعد موتي فكأنما زارني في حياتي، ومن لم يزر قبري فقد جفاني» وهذا الكتاب في ثمان مجلدات،ومصنفه عبد الملك النيسابوري، صنف في علوم الشريعة كتابًا، توفي سنة ست وأربعمائة بنيسابور وقبره بها مشهور يزار ويترك به (١)، وشيخه في الفقه أبو الحسن الماسرجسي. انتهى ما ذكره المعترض.
والجواب: أن يقال: هذا الحديث من الموضوعات المكذوبة على علي بن أبي طالب ﵁، والنعمان بن شبل [ليس] بشيء، ولا يعتمد عليه (٢)، ومحمد بن الفضل بن عطية (٣)، كذاب مشهور بالكذب ووضع الحديث، وجابر هو الجعفي ولم يكن بثقة (٤)
_________________
(١) صزابه (وتبرك به)
(٢) تقدم الكلام عليه عند ذكر المعترض للحديث الخامس.
(٣) انظر ترجمته في العلل لأحمد ٣/٣٩٦ برقم ٥٧٤٤ وفي ٢/٥٤٩ رقم ٣٦٠١ قال فيه: حديثه حديث أهل الكذب. وقال البخاري فيه سكتوا عنه: انظر الضعفاء ص٢١٧ وقال الذهبي: تركوه انظر الكشاف ٣/٧٩ وقال الميزان ٤/٦: مناكير هذا الرجل كثيرة لأنه صاحب حديث، وقال ابن معين ليس بشيء، انظر التاريخ ٤/٣٥٥ وقال ابن أبي حاتم، ذاهب الحديث ترك حديثه، انظر الجرح والتعديل ٨/٥٧. وقال الحافظ ابن حجر في التقريب: كذبوه ٢/٢٠٠. قال فيه البخاري في الضعفاء الصغير: تركه يحيى بن مهدي قال: وقال بيان سمعت يحيى بن سعيد يقول: تركنا جابرًا قبل أن يقدم عليها الثوري وقال أبو سعيد الحر: سمعت يحيى بن سعيد عن إسماعيل بن أبي خالد قال: قال الشعبي: يا جابر لا تموت حتى تكذب على رسول الله ﷺ،وقال إسماعيل: فما مضت الأيام والليالي حتى اتهم بالكذب. وقال النسائي في الضعفاء: متروك وانظر التاريخ الكبير للبخاري ٢/٢١٠ والمجروحين لابن حبان ١/٢٠٨ والكاشف للذهبي ١/١٢٢ والميزان ١/٣٧٩ والتهذيب ٢/٤٦.
[ ١٨١ ]
ومحمد علي أبو جعفر الباقر (١)، ولم يدرك جد أبيه علي بن أبي طالب، فلو كان الإسناد صحيحًا إليه كانت روايته عن علي منقطعة، فكيف والإسناد إليه ساقط مظلم، وقد تقدم ذكر هذا الحديث وبيان حاله، وكلام الأئمة في رواية بما فيه كفاية والله أعلم.
ثم قال المعترض: وقد روى حديث علي ﵁ من طريق أخرى ليس فيه تصريح بالرفع، ذكر هذا ابن عساكر، أنبأنا عبد المؤمن وآخرون عن ابن الشيرازي، أنبأنا ابن عساكر، حدثنا أبو العز أحمد بن عبد الله، أنبأنا أبو محمد الجوهري، أنبأنا علي بن محمد بن أحمد بن نصير بن عرفة، حدثنا محمد بن إبراهيم الصلحي، حدثنا منصور بن قدامة الواسطي، حدثنا المضاء بن الجارود، حدثنا عبد الملك بن هارون بن عسرة عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: من سأل لرسول الله ﷺ الدرجة الوسيلة حلت له الشفاعة يوم القيامة، ومن زار قبر رسول الله ﷺ كان في جوار رسول الله ﷺ.
قلت: وهذا من المكذوبات أيضًا على علي ﵁، وعبد الملك بن هارون بن عسرة متهم بالكذب ووضع الحديث.
قال أبو حاتم بن حباب (٢) في كتاب المجروحين (٣): كان ممن يضع الحديث لا يحل كتب حديثه إلا على جهة الاعتبار، وهو الذي روى عن أبيه عن جده عن علي قال
_________________
(١) قال الحافظ في التقريب: ثقة فاضل، وانظره في التهذيب ٩/٣٥٠ والثقات للعجلي ص٤١٠ رقم ١٤٨٦.
(٢) صوابه ابن حبان
(٣) ٢/١٣٣.
[ ١٨٢ ]
: قال رسول الله ﷺ: «أربعة أبواب من أبواب الجنة مفتحة في الدنيا أولها، الإسكندرية وعسقلان وقزوين، وعبدان، وفضل جدة على هؤلاء كفضل بيت الله الحرام على سائر البيوت» .
قال البخاري في تاريخه (١): عبد الملك بن هارون بن عنترة بن عبد الرحمن الشيباني منكر الحديث، وهكذا قال في كتاب الضعفاء (٢)، ثم روي له حديث: «من حفظ على أمتي أربعين حديثًا من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة فقيهًا شافعًا وشهيدًا»
وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل سمعت أبي يقول (٣): عبد الملك بن هارون بن عنترة ضعيف الحديث، وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين (٤) عبد الملك بن هارون بن عنترة كذاب، وقال أبو حاتم الرازي (٥): متروك الحديث ذاهب الحديث، وقال الجوزجاني (٦): دجال، كذاب، وقال أبو عبد الرحمن النسائي (٧)، وأبو بشر الدولابي (٨): متروك الحديث، وقال الحاكم: روي عن أبيه أحاديث موضوعة.
وقال أبو بكر البرقاني: سألت الدارقطني (٩) عن عبد الملك بن هارون بن عنترة قال: متروك يكذب، وأبوه يحتج به وجده يعتبر به حدث عن علي، وقال ابن عدي (١٠) في ترجمة عبد الملك بن هارون: حدثنا محمد بن أبي علي الخوارزمي، حدثنا الحسن بن محمد بن رافع البغدادي عن عبد الملك بن هارون بن عنترة، عن سفيان الثوري، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من قال للمسكين أبشر فقد وجبت له الجنة» قال ابن عدي، وهذا حديث باطل بهذا الإسناد، قال: وعبد الملك بن هارون له أحاديث، عن أبيه، عن جده، عن الصحابة لا يتابعه عليها
_________________
(١) ٥/٤٣٨٦ رقم ١٤٣٣.
(٢) ص ١٤٨ رقم ٢١٨،
(٣) انظر في العلل ٢/٣٧١ رقم ٢٦٤٨ بتحقيق وصي الله عباس.
(٤) انظر برقم ١٦٨٨ من تاريخ ابن معين.
(٥) ٥/٣٧٤.
(٦) ص٦٨ رقم ٧٧.
(٧) ص١٦٦ رقم ٤٠٥.
(٨) وانظر أيضًا الميزان ٢/٦٦٦ واللسان ٤/٧١ والمغني ٢/٤٠٩.
(٩) في الضعفاء والمتروكين له ص١٢٥ رقم ٣٦٢ قال يروي عن أبيه وأبوه أيضًا متروك.
(١٠) انظر الكامل ٥/١٩٤٢.
[ ١٨٣ ]
أحد فقد تبين أن ما روي عن علي في هذا الباب مرفوعًا وموقوفًا ليس له أصل، بل هو من الكذب المفترى عليه والله أعلم.