وفي فتوح الشام أنه لما كان أبو عبيدة منازلًا بيت المقدس أرسل كتابًا إلى عمر مع ميسرة بن مسروق يستدعيه الحضور، فلما قدم ميسرة مدينة رسول الله ﷺ دخلها ليلًا، ودخل المسجد وسلم على قبر النبي ﷺ، وعلى قبر أبي بكر الصديق، وفيه أيضًا أن عمر لما صالح أهل بيت المقدس،وقدم عليه كعب الأحبار وأسلم وفرح عمر بإسلامه، قال عمر (له) هل لك أن تسير معي إلى المدينة،وتزور قبر النبي ﷺ وتتمتع بزيارته؟ فقال:نعم يا أمير المؤمنين، أنا أفعل ذلك، ولما قدم عمر المدينة أول ما بدأ بالمسجد وسلم على رسول الله ﷺ انتهى ما ذكره.،
وهو مطالب:أولًا بيان صحته، وثانيًا: بيان دلالته على مطلوبه، ولا سبيل له إلى واحد من الأمرين.
ومن المعلوم أن هذا من الأكاذيب والموضوعات على عمر بن الخطاب ﵁، وفتوح الشام فيه كذب كثير، وهذا لا يخفى على آحاد طلبة العلم، ولكن شأن هذا
[ ٢٤٧ ]
المعترض الاحتجاج دائمًا بما يظنه موافقًا لهواه،ولو كان من المنخنقة والموقوذة والمتردية، وليس هذا شأن العلماء،بل المستدل بحديث أو أثر عليه أن يبين صحته ودلالته على مطلوبه،وهذا المنقول عن عمر ﵁ لو كان ثابتًا عنه، لم يكنفيه دليل على محل النزاع،وقد عرف أن شيخ الإسلام لا ينكر الزيارة على الوجده المشروع ولا يكرهها، (بل يحض عليها) ويندب إلى فعلها، والله الموفق للصواب.
ثم قال المعترض
وقد ذكر المؤرخون والمحدثون منهم أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب، وأحمد بن يحيى البلاذري في تاريخ الأشراف، وابن عبد ربه في العقد أن زياد بن أبيه أراد الحج فأتاه أبو بكرة، وهو لا يكلمه فأخذ ابنه فأجلسه في حجرة ليخاطبه ويسمع زيادًا فقال:إن أباك فعل وفعل وأنه يريد الحج، وأم حبيبة زوج النبي ﷺ هناك (فإن) أذنت له فأعظم بها مصيبة وخيانة لرسول الله، وإن هي حجته فأعظم بها حجة عليه، فقال زياد: ما تدع النصيحة لأخيك، وترك الحج في تلك السنة، هكذا حكاها البلاذري.
وحكى ابن عبد البر ثلاثة أقوال.
أحدهما: أنه حج ولم يزر من أجل قول أبي بكرة.
والثاني: أنه دخل المدينة وأراد الدخول على أم حبيبة، فذكر قوله أبي بكرة فانصرف عن ذلك.
والثالث: أن أم حبيبة حجته ولم تأذن له، والقصة على كل تقدير تشهد، لأن زيارة الحاج كانت معهودة من ذلك الوقت، وإلا فكان زياد يمكنه أن يحج من غير طريق المدينة، بل هي أقرب إليه لأنه كان بالعراق، والإتيان من العراق إلى مكة أقرب، ولكن كان إتيان المدينة عندهم أمرًا لا يترك، انتهى ما ذكره.
فالجواب: أن يقال: هذا من نمط ما قبله في الاحتجاج بما ليس بثابت عند العلماء وليس فيه دليل على المطلوب، بل هو على نقيض مراد المعترض أدل منه على مطلوبة، وهذه القصة المروية في أمر أبي بكرة وزياد، مختلف فيها، وعلى كل تقدير فزياد بن أبيه،ليس ممن يحتج بقوله، ولا يعرج على فعله، وزياد الحاج لم ينكرها الشيخ ولا كرهها، بل استحبها كغيره من العلماء، وذكرها في مناسكه ومصنفاته وفتاويه وقد قال في بعض مناسكه.
[ ٢٤٨ ]
باب زيارة قبر النبي ﷺ
ثم ذكر ما يقوله إذا دخل (المسجد) وقال: ثم يأتي قبر النبي ﷺ فيستقبل جدار القبر ولا يمسه، ولا يقبله، ثم يقول: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا نبي الله وخيرته من خلقه، السلام عليك يا سيد المرسلين وخاتم النبين وقائد الغر المحجلين، ثم ذكر الكلام إلى آخره، وذكر السلام على أبي بكر وعمر ﵄ فقد تبين أن الشيخ ﵀ لم ينكر زيارة الحاج قبر النبي ﷺ حتى يشنع عليه بما لم يقله، أو يضاف إليه ما لم يعتقده، وإنما ذكر نزاع العلماء في شد الرحال وأعمال المطي إلى مجرد زيارة القبور، ومال إلى النهي عن ذلك محتجًا بما ثبت عن المصطفى ﷺ أنه قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» (١) والله أعلم.
ثم قال المعترض: واختلف السلف في أن الأفضل البداءة بالمدينة قبل مكة، أو بمكة قبل المدينة، قال: وممن نص على هذه المسألة وذكر الخلاف فيها الإمام أحمد في كتاب المناسك الكبير من تأليفه، ثم ذكر أن ابن ناصر رواها بإسناد له ذكره إلى عبد الله بن أحمد عن أبيه، وقال في هذه المناسك، سئل عمن يبدأ بالمدينة قبل مكة، فذكر بإسناده عن عبد الرحمن بن يزيد وعطاء ومجاهد، قالوا: إذا أردت مكة فلا تبدأ بالمدينة وابدأ بمكة، فإذا قضيت حجتك فأمرر بالمدينة إن شئت.
قال: وذكر بإسناده عن الأسود قال: أحب أن يكون نفقتي وجهادي وسفري أن أبدأ بمكة وعن إبراهيم النخي إذا أردت مكة فاجعل كل شيء لها تبعًا، وعن مجاهد إذا أردت الحج أوالعمرة فبدأ بمكة واجعل كل شيء لها تبعًا، وعن إبراهيم قال: إذا حججت فابدأ بمكة ثم مر بالمدينة بعد.
وذكر الإمام أحمد أيضًا بإسناده عن عدي بن ثابت أن نفرًا من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يبدأون بالمدينة إذا حجوا يقولون: نهل من حيث أحرم رسول الله ﷺ وذكر ابن أبي شيبة في مصنفه هذا الأثر أيضًا، وذكر بإسناده عن علقمة والأسود، وعمر بن ميمون أنهم بدأوا بالمدينة قبل مكة، ثم قال: وقال الموفق ابن قدامة: قال: - يعني أحمد -: إذا حج الذي لم يحج فقط يعني من غير طريق الشام، لا يأخذ على طريق المدينة لأني أخاف أن يحدث به حدث فينبغي أن يقصد مكة من أقصد الطرق ولا
_________________
(١) تقدم تخريج هذا الحديث.
[ ٢٤٩ ]
يتشاغل بغيره، قال: وهذا في العمرة متجه، لأنه يمكنه فعلها متى وصل إلى مكة، وأما الحج فله وقت مخصوص، فإذا كان الوقت متسعًا لم يفت عليه بمروره بالمدينة شيء، وممن نص على هذه المسألة من الأئمة أبو حنيفة، وقال: الأحسن أن يبدأ بمكة، روى ذلك الحسن بن زياد عنه (١)، فيما حكاه أبو الليث السمرقندي، انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره في البداية بمكة ليس فيه ما يحصل مراده ومطلوب ثم قال: فانظر كلام السلف والخلف في إتيان المدينة، إما قبل مكة، وإما بعدها، ومن أعظم ما تؤتي له المدينة الزيارة، ثم أخذ في الاستدلال على هذه الدعوى المجردة بما لا يصلح أن يكون شبه فقال: ألا ترى أن بيت المقدس لا يأتيه إلا القليل من الناس، وأن كان مشهودًا له بالفضل والصلاة فيه مضاعفة فتوفر الهمم خلفًا عن سلف على إتيان المدينة، إنما هو لأجل الزيارة، وإن اتفق معها قصد عبادات أخرى فهو مغمور بالنسبة إليها.
ولا يخفى على من له أدنى فهم ومعرفة بالمعلم أن ما زعمه المعترض من الحكم ودليله في هذا المحل دعوي مجردة عن دليل، فتقابل بالمنع وعدم القبول، وقد ذكر قريبًا عن النفر عن أصحاب النبي ﷺ أنهم كانوا إذا حجوا يبدأون بالمدينة وأنهم عللوا ذلك بما زعمه وادعاه.
ثم ذكر المعترض في هذا المكان كلامًا عليه فيه مؤاخذات ومناقشات يطول الكتاب بذكرها، ثم ذكر كلام الأجري في الشريعة، وابن بطة في الإبانة المتضمن للرد على بعض الملحدة في إنكاره دفن أبي بكر وعمر مع النبي ﷺ واشتمل كلامهما على ذكر زيارة قبر النبي ﷺ فزعم المعترض أنه استفيد منه السفر للزيارة، وأن ذلك لم يزل في السلف والخلف.
وهذا الذي زعمه غير مقبول منه، وليس في كلامهما ذكر السفر للزيارة، وإنما فيه ذكر الزيارة فقط والسلام على النبي ﷺ وعلى أبي بكر وعمر ﵄، وهذا المعترض لا يفرق بين السفر لزيارة القبور، وبين زيارتها بلا سفر، بل كل منهما مندوب مستحب، والعلماء قد فرقوا بين الحكمين وميزوا بين المسألتين.
_________________
(١) انظر ترجمته في الضعفاء والمجروحين ٣٥ والجرح والتعديل ٣/١٥ وتاريخ بغداد ٧/٣١٤ وميزان الاعتدال ١/٤٩١ واللسان ٢/٢٠٨ وشذرات الذهب ٢/١٢ وأخبار القضاء ٣/١٨٨ وسير أعلام النبلاء ٩/٥٤٣ وغيرها.
[ ٢٥٠ ]
وابن بطه الذي ألزم المعترض كلامه مالا يلزمه، قد ذكر الزيارة وصفتها فيما حكاه عنه من العلم بأنه أحد القائلين بالنهي عن السفر إلى القبور.
وقد ذكر ذلك في الإبانة الصغرى التي يذكر فيها جمل أقوال أهل السنة وما خالفها من البدع فقال: ومن البدع البناء على القبور وتحصينها، وشد الرحال إلى زيارتها، فأبن بطه (١) يستحب الزيارة مع نهيه عن شد الرحل لمجردها، فعلم أنه يفرق بين السفر، وبين الزيارة بلا سفر لا كما زعمه المعترض.
ثم قال: قال القاضي عياض: قال إسحاق بن إبراهيم الفقيه، مما لم يزل من شأن من حج المرور بالمدينة والقصد إلى الصلاة في مسجد رسول الله ﷺ والتربك برؤية روضته ومنبره ومجلسه وملامس يديه ومواطئ قدميه والعمود الذي كان يستند إليه، وينزل جبريل بالوحي فيه عليه،وبمن عمره وقصده من الصحابة وأئمة المسلمين والاعتبار بذلك كله، ثم قال: وسنذكر في الباب الرابع من كلام العبدي المالكي في شرح الرسالة أن المشي إلى المدينة لزيارة قبر النبي ﷺ أفضل من الكعبة ومن بيت المقدس.
وقال في الباب الرابع: وقال العبدي في شرح الرسالة: وأما النذر بالمشي إلى المسجد الحرام،والمشي إلى مكة فله اصل في الشرع وهو الحج والعمرة وإلى المدينة لزيارة قبر النبي ﷺ أفضل من الكعبة ومن بيت المقدس، وليس عنده حج ولا عمره، فإذا نذر المشي إلى هذه الثلاث لزمه فالكعبة متفق عليها، ويختلف أصحابنا وغيرهم في المسجدين الآخرين.