وقال القاضي عياض: قال أين حبيب: ويقول: إذا دخل مسجد الرسول ﷺ بسم الله وسلام على رسول الله، السلام علينا من ربنا وصلى الله وملائكته على محمد اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك وجنتك واحفظني من الشيطان الرجيم ثم أقصد إلى الروضة وهي ما بين القبر والمنبر فأركع فيها ركعتين قبل وقوفك بالقبر، ثم تقف بالقبر متواضعًا متوقرًا فتصلي عليه وتثني عليه، بما يحضرك وتسلم على أبي بكر وعمر وتدعو لهما، ولا تدع أن تأتي مسجد قباء وقبور الشهداء.
ثم ذكر ما تقدم ذكره غير مرة مما حكاه القاضي عياض في الشفا عن مالك وبعض أصحابه في الصلاة والسلام عليه، ثم قال فهذه نقول المذاهب الأربعة، وكذلك غيرهم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، فقد صح من وجوه كثيرة عن عبد الله بن عمر أنه كان يأتي القبر فيسلم على النبي ﷺ ثم روى بإسناده إلى دعلج قال: أنبأنا محمد بن علي بن
_________________
(١) تقدم الكلام على بعض أحاديث الزيارة صفحة ٣١ حاشية (١) .
(٢) أخرجه أبو داود ٣/٥٥٠ رقم ٣٢٢١ من حديث عثمان بإسناد جيد.
[ ٢٦٧ ]
زيد الصائغ، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يأتي البر فيسلم على النبي ﷺ وعلى أبي بكر وعمر، قال دعلج: هذا الحديث في الموطأ عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر.
قلت: وما ذكره المعترض من نقول المذاهب الأربعة وغيرهم هو في غير المحل الذي ذكر الشيخ فيه النزاع بين العلماء كما بيناه غير مرة، وما نقله عن ابن عمر ﵄ من التسليم وإتيان القبر، فهو عند القدوم من سفر، كما تقدم ذكره مرارًا وقد روى عبد الرزاق في مصنفه (١)، عن معمر، عن أيوب عن نافع قال: كان ابن عمر إذا قدم من سفر أتى قبر النبي ﷺ فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبتاه.
قال معمر: فذكرت ذلك لعبيد الله بن عمر فقال: ما نعلم أحدًا من أصحاب النبي ﷺ فعل ذلك إلا ابن عمر. وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي في كتاب الصلاة على النبي ﷺ: حدثنا علي، حدثنا سفيان قال: حدثني عبد الله بن دينار قال: رأيت ابن عمر إذا قدم من سفر دخل المسجد فقال: السلام عليك يا رسول الله السلام على أبي بكر على أبي ويصلي ركعتين (٢) .
حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان إذا قدم من سفر دخل المسجد، ثم أتى القبر فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه وهذا إنما يعرف عن ابن عمر وحده كما قاله عبيد الله بن عمر وغيره.
قال شيخ الإسلام (٣): وروى الشيخ الصالح شيخ العراق في زمنه عند الخاصة والعامة أبو الحسن علي بن عمر القزويني في أماليه عن عبد الله الزهري، عن أبيه عن عبد الله بن أحمد عن أبيه عن نوح بن يزيد قال: حدثنا أبو إسحاق، يعني إبراهيم بن سعد - قال: ما رأيت أبي قط يأتي قبر النبي ﷺ وكان يكره إتيانه، قال الشيخ نوح بن
_________________
(١) انظر المصنف ٣/٥٧٦
(٢) أخرجه إسماعيل القاضي ص٨١-٨٢ رقم ٩٩ وسنده صحيح.
(٣) انظر الرد على الأخنائي ص١٧٠
[ ٢٦٨ ]
يزيد بن يسار المؤدب: هذا الراوي عن إبراهيم بن سعد هو ثقة معروف بصحة إبراهيم وله اختصاص به، روى عنه أحمد بن حنبل (١) .
قلت: وروى أبو داود عن محمد بن يحيى الذهلي عنه، قال أبو بكر الأثرم: ذكر لي أبو عبد الله نوح بن يزيد المؤدب فقال: هذا شيخ كيس أخرج إلى كتاب إبراهيم بن سعد فرأيت فيه ألفاظًا.
قال أبو عبد الله: نوح لم يكن به بأس كان مستثبتًا، وقال محمد بن المثنى البزار: سألت أحمد بن حنبل عنه فقال: أكتب عنه فإنه ثقة حج مع إبراهيم بن سعد، وكان يؤدب ولده (٢)، وقال محمد بن سعد (٣)، كان ثقة فيه عسر، وقال النسائي (٤): ثقة وذكر ابن حبان في كتاب الثقات (٥)، قال: وأما إبراهيم بن سعد فإنه من أكابر علماء المدينة وأكثرهم علمًا وأوثقهم، وكان قد خرج إلى بغداد روى عنه الشافعي وأحمد بن حنبل وطبقتها (٦)، ومن سعة علمه روى عنه الليث بن سعد وهو أقدم وأجل منه.
وأما أبوه سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري الذي ذكر عنه ابنه إبراهيم أنه قال: مارأيت أبي قط يأتي قبر النبي ﷺ، وكان يكره إتيانه، فهو من أفضل أهل المدينة في زمن التابعين (٧) ومن أصلحهم وأعبدهم، وكان قاضي المدينة في زمن التابعين، وقد أدرك بناء الوليد بن عبد الملك للمسجد وإدخال الحجرة فيه، وأدرك ما كان عليه السلف قبل ذلك من الصحابة والتابعين
قال أبو حاتم بن حبان البستي (٨): هو من جلة أهل المدينة وقدماء شيوخهم، كان على القضاء بها، وقد ذكروا أنه رأى عبد الله بن عمر، وروى عن عبد الله بن حفر، وقد خرج من المدينة غير مرة، تارة إلى الحج، وتارة كان قد استعمل على الصدقات، ومرة
_________________
(١) في الرد على الأخنائي زيادة (وأبو داود وغيرهما) .
(٢) كلام أحمد انظره في التهذيب ١٠/٤٨٩.
(٣) انظر الطبقات ٧/٣٦٢
(٤) انظر التهذيب ١٠/٤٨٩.
(٥) لم أقل على كلامه في الثقات.
(٦) في الرد على الأخنائي (روى عنه الناس أحمد بن حنبل وطبقتهما) .
(٧) في الرد على الأخنائي بعد قوله: في زمن التابعين ما لفظه: (في زمن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وأمثاله) .
(٨) في الرد على الأخنائي الرازي بدلًا من البستي ولم أقف على كلامه في الثقات.
[ ٢٦٩ ]
خرج على العراق، وروى عنه سفيان الثوري وشعبة والعراقيون، وقد أدرك المدينة جابر بن عبد الله، وسهل بن سعد وغيرهما من الصحابة، ورأى أكابر التابعين مثل سعيد بن المسيب، وسائر الفقهاء السبعة وغيرهم، ومعلوم أنه لم يكن ليخالفهم فيما اتفقوا عليه، بل لقد يخالف ابن عمر، فإن ما نقله عنه ابنه يقتضي أنه لا يأتيه لا عند السفر ولا غيره بل يكره إتيانه مطلقًا، كما كان جمهور الصحابة على ذلك لما فهموا من نهيه عن ذلك وأنه أمر بالصلاة عليه والسلام في كل زمان ومكان، وقال: «لا تتخذوا قبري عيدًا» وقال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد» كما قد بين هذا في مواضع والله أعلم.