وقال عبد الرزاق في مصنفه (١)، باب السلام على قبر النبي ﷺ وروى فيه آثار منها بإسناد صحيح أن ابن عمر كان إذا قدم من سفر أتى قبر النبي ﷺ فقال: «السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا أبا بكر السلام عليك يا أبتاه» .
هكذا ذكره المعترض من مصنف عبد الرزاق، ولم يذكر في آخره ما رواه عبد الرزاق بن محمد، عن عبيد الله بن عمر أنه قال: ما نعلم أحدًا من أصحاب النبي ﷺ فعل ذلك إلا ابن عمر، ولو ذكر قوله عبيد الله عقيب ذكر ما روى عن ابن عمر في ذلك، كما فعله عبد الرزاق، لكان أحسن وأتم فائدة، ولكن المعني الذي ترك ذكره لأجله مفهوم وعبيد الله بن عمر هو العمري الكبير، وكان من سادات أهل المدينة وأشراف قريش فضلًا وعلمًا وعبادة، وشرفًا، وحفظًا، وإتقانًا، وكان في زمن التابعين.
وروى عن خلق منهم كسالم بن عبد الله بن عمر والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، ونافع مولى ابن عم ر وسعيد المقيري، وثابت البنائي وعبد الله بن دينار، وعطاء بن أبي رباح، ومحمد بن المنكدر، وأبي الزبير المكي، ووهب بن كيسان وأبي حازم سلمة بن دينار الأعرج وعمرو بن دينار والزهري وغيرهم.
وروى عنه مثل سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج وابن جريح، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك، والليث بن سعد ومعمر بن راشد وزائدة بن قدامة وعبد الله بن إدريس، وعيسى بن يونس، وفضيل بن عياض، ويحيى بن سعيد القطان وأشباههم وأمثالهم من الأئمة الأعلام.
_________________
(١) ٣ / ٥٧٦.
[ ٢٧٠ ]
وقد قال جعفر بن محمد بن أبي عثمان الطيالسي (١): سمعت يحيى بن معين يقول: عبيد الله بن عمر عن القاسم عن عائشة: الذهب المشبك بالدر، فلقت له هو أحب إليك أو الزهري عن عروة عن عائشة؟ فقال: هو أحب إلي.
وقال أبو حاتم (٢): سألت أحمد بن حنبل عن مالك وعبيد الله بن عمر وأيوب أيهم أثبت في نافع؟ فقال: عبد الله أثبتهم وأحفظهم وأكثرهم رواية، وقال علي بن الحسن الهسنجاني: سمعت أحمد بن صالح يقول: عبيد الله بن عمر أحب إلي من مالك في حديث نافع.
وقال قطن بن إبراهيم النيسابوري، عن الحسين بن الوليد النيسابوري: كنا عند مالك بن أنس فقال: كنا عند الزهري ومعنا عبيد الله بن عمر ومحمد بن إسحاق، فأخذ الكتاب محمد بن إسحاق فقرأ فقال: أنتسب، فقال: أنا محمد بن إسحاق بن يسار، فقال: ضع الكتاب في يدك، قال فأخذه مالك، فقال: أنتسب؟ فقال: أنا مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الاصبحي، فقال: ضع الكتاب من يدك، قال: فأخذ عبيد الله بن عمر الكتاب، فقال: أنتسب، فقال: أنا عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، فقال له، اقرأ فجميع ما سمع أهل المدينة يومئذ قراءة عبيد الله بن عمر.
وروى عن سفيان بن عيينة قال: علينا عبيد الله بن عمر الكوفة فاجتمعوا عليه فقال: شتم العلم وأذهبتم نوره، لو أدركنا عمر وإياكم، أوجعنا وإياكم ضربًا، وقال أبو حاتم بن حبان البستي (٣): عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أبو عثمان من أشراف قريش وأفاضل أهل المدينة ومتقنيهم، مات سنة أربع أو خمس وأربعين ومائة.
فقد تبين أن عبيد الله بن عمر كان من كبار علماء أهل المدينة وقد أخذ العلم عن خلق من التابعين وأتباعهم، وقد أدرك جماعة من كبار التابعين، وأدرك ما كان عليه
_________________
(١) أنظر التهذيب ٧/٣٩.
(٢) انظر الجرح والتعديل ٥/٣٢٦.
(٣) انظر الثقات ٧/١٤٩ والكلام هنا مختصر.
[ ٢٧١ ]
السلف، وهو من أقارب عبد الله بن عمر، وقد قال فيما فعله ابن عمر: ما نعلم أحدًا من أصحاب النبي ﷺ فعل ذلك إلا ابن عمر، فلو كان ما فعله ابن عمر مأثورًا عن غيره أو منقولًا عن أحد من الصحابة والتابعين لم يخف على عبيد الله بن عمر وغيره من العلماء أهل المدينة الذين هم أعلم الناس بهذا الشأن والله أعلم.