وروى عبد الرزاق في هذا الباب أيضًا أن سعيد بن المسيب رأى قومًا يسلمون على النبي ﷺ، فقال: ما مكث نبي في الأرض أكثر من أربعين يومًا، ثم روى عبد الرزاق فيه قوله: «مررت بموسى ليلة أسري بي وهو قائم يصلي في قبره» كأنه قصد بذلك رد ما روي عن سعيد بن المسيب، وهو رد صحيح، وما ورد عن ابن المسيب ورد فيه حديث نذكره في باب حياة الأنبياء، وقد روي عثمان بن عفان أنه لما حصر أشار بعض الصحابة عليه بأن يلحق بالشام فقال:لن أفارق دار هجرتي، ومجاورة رسول الله ﷺ فيما وهو مخالف لما قال ابن المسيب وهو الصحيح، وكذلك ما ذكرناه عن ابن عمر ثم لو صح قول ابن المسيب لم يمنع من استحباب زيارة القبر لشرفه بحلوله فيه ونسبته إليه كما قال الشاعر:
أمر على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا
قلت: هذا الذي رواه عبد الرزاق عن ابن المسيب لم يتابع عليه ابن المسيب، بل في صحته عنه نظر، وما بناه المعترض عليه على تقدير صحته عنه، ليس بمقبول منه، بل هو بناء ضعيف على ضعيف، ولم يذكر البيهقي في الجزء الذي جمعه في حياة الأنبياء بعد وفاتهم قول ابن المسيب هذا وإنما روى بإسناد ضعيف غير ثابت عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الأنبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة، ولكنهم يصلون بين يدي الله ﷿ حتى ينفخ في الصور، وسنذكر علة هذا الحديث وسبب ضعفه فيما بعد إن شاء الله تعالى وقد روى نحو هذا الحديث من وجه آخر بزيادة يختلف بها المعنى.
قال: أبو حاتم بن حبان البستي في كتاب المجروحين (١): أخبرنا الحسن بن سفيان
_________________
(١) انظر المجروحين لابن حبان ١/٢٣٥.
[ ٢٧٢ ]
حدثنا هشام بن خالد الأزرق، حدثنا الحسن بن يحيى الخشني، عن سعيد بن عبد العزيز، عن يزيد بن أبي مالك، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من نبي يموت فيقيم في قبره إلا أربعين صباحًا حتى ترد إليه روحه» .
هكذا رواه بهذه الزيادة، وقال هذا خبر باطل موضوع، والحسن بن يحيى الخشني منكر الحديث جدًا؛ يروي عن الثقات ما لا أصل له، وعن المتقنين ما لا يتابع عليه، وقال النسائي (١): الحسن بن يحيى الخشني ليس بثقة، وقال الدارقطني (٢): متروك، وقال عبد الغني بن سعيد المصري (٣): ليس بشيء، وذكر أبو الحسن بن الزاغوني في بعض كتبه حديثًا متنه: «إن الله لا يترك نبيًا في قبره أكثر من نصف يوم» .
وحكى عن بعضهم أنه قال: أراد به نصف يوم من أيام الدنيا، ثم يعيد أرواحهم إلى أجسادهم فيكونون أحياء في قبورهم،وعن بعضهم أن المراد به نصف يوم من أيام الآخرة، وهذا الحديث الذي ذكره الزاغوني حديث منكر غير صحيح، وسنذكر ما ورد في هذا الباب، والكلام عليه فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وسعيد بن المسيب ﵁، وإن كامن من سادات التابعين علمًا وعملًا وزهدًا وورعًا، فهذا الذي رواه عبد الرزاق عنه لا يعرف عن غيره من الصحابة والتابعين وأتباعهم، وعبد الرزاق يرويه عن الثوري عن أبي المقدام عنه، ولم يذكر الثوري السماع في روايته، وأبو المقدام هو ثابت بن هرمز (٤) الكوفي الحداد والد عمرو بن أبي المقدام، وهو شيخ صالح لكن ما تفرد به ولم يتابعه غير عليه لا ينبغي أن يقبل منه، والله أعلم.