وأما السنة فما ذكرناه في الباب الأول والثاني من الأحاديث،وهي أدلة على زيارة قبره ﷺ بخصوصه، وفي السنة الصحية المتفق عليها الأمر بزيارة القبور وقال ﷺ «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزروها» (٤) وقال ﷺ «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة» .
وقال الحافظ أبو موسى الأصبهاني في كتابه آداب زيارة القبور: ورد الأمر بزيارة القبور من حديث بريدة وأنس وعلي وابن عباس، وابن مسعود وأبي هريرة وعائشة وأبي بن كعب، وأبي ذر رضي الله عنههم، انتهى كلام أبي موسى الأصبهاني، فقبر النبي ﷺ سيد القبور داخل في عموم القبور المأمور بزيارتها، انتهى ما ذكره المعترض.
وقد تقدم الكلام على ذكره من الأحاديث مستوفى وبين أن الزيارة المتضمنة ترك مأمور، أو فعل محظور ليست بمشروعه، وقد قال شيخ الإسلام في أثناء كلامه في الجواب الباهر لمن سأل من ولاة الأمر عما أفتى به في زيارة المقابر، وقد تنازع المسلمون في زيارة القبور فقال طائفة من السلف: إن ذلك كله منهي عنه لم ينسخ، فإن أحاديث النسخ لم يروها البخاري، ولم تشتهر، ولما ذكر البخاري باب زيارة القبور احتج بحديث المرأة التي بكت على القبر.
ونقل ابن بطال عن الشعبي قال: لولا أن رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور لزرت قبر ابنتي (٥)، وقال النخعي كانوا يكرهون زيارة القبور، وعن ابن سيرين مثله قال ابن
_________________
(١) انظر الكامل ٧/٢٥٦٣
(٢) انظر المجروحين ٣/٩٢، وانظر أيضًا المغني ٢/٧١٧، ولسان الميزان ٦/٢٠٩ والضعفاء للعقيلي ٤/٢٥٢ وتاريخ بغداد ١٤/٥٣.
(٣) انظر تاريخ ابن معين رقم ١٧٦٨.
(٤) تقدم.
(٥) سيأتي هو وأثر النخعي بإسناديهما إن شاء الله.
[ ٣٢٢ ]
بطال: وقد سئل مالك عن زيارة القبور، فقال: قد كان نهي عنه ﵇، أذن فلو فعل ذلك إنسان ولم يقل إلا خيرًا لما بذلك بأسًا، من عمل الناس، وروي عنه أنه كان يضعف زيارتها وكان النبي ﷺ قد نهى أولًا عن زيارة القبور، باتفاق العلماء، فقيل: لأن ذلك يقضي إلى الشرك،وقيل لأجل الناحية عندها، وقيل: لأنهم كانوا يتفاخرون بها، وقد ذكر طائفة من العلماء في قوله: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ () حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ (التكاثر ٠٠١-٠٠٢) أنهم كانوا يتكاثرون بقبور الموتى، وممن ذكره ابن عطية في تفسيره قال: وهذا ت|أنيب على الإكثار من زيارة القبور، أي حتى جعلتم أشغالكم القاطعة لكم العبادة والعلم زيارة القبور تكثرًا بمن سلف وإشادة بذكره، ثم قال النبي ﷺ: «كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور فزروها ولا تقولوا هجرًا» (١) فكان نهيه عن معنى الآية، ثم أباح الزيارة بعد لمعنى اتعاظ لا لمعنى المباهاة والتفاخر وتسنيمها بالحجارة الرخام وتلوينها سرفًا وبنيان النواويس عليها، هذا لفظ ابن عطية.
والمقصود أن العلماء متفقون على أنه كان نهي عن زيارة البور،ونهي عن الانتباذ في الدباء والحنتم والمزفت والنقير، واختلفوا هل نسخ ذلك، فقالت طائفة: لم ينسخ ذلك لأن أحاديث النسخ ليست مشهورة ولهذا لم يخرج البخاري ما فيه نسخ عام، وقال الأكثرون، بل نسخ ذلك، ثم قالت طائفة منهم: إنما نسخ إلى الإباحة فزيارة القبور مباحة لا مستحبة، وهذا قول في مذهب مالك وأحمد وقالوا: لأن صيغة افعل بعد الحظر، إنما تفيد الإباحة، كما قال في الحديث، «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزروها وكنت نهيتكم عن الانتباذ في الأوعية فانتبذوا ولا تشربوا مسكرًا» (٢) .
وقد روى ولا تقولوا هجرًا وهذا يدل على أن النهي كان لما يقال عندها من الأقوال المنكرة سدًا للذريعة كالنهي عن الانتباذ في الأوعية كان لأن الشدة المطربة تذب فيها ولا يدري بذلك فيشرب الشارب الخمر وهو لا يدري.
وقال الأكثرون: زيارة قبور المؤمنين مستحبة للدعاء للموتى مع السلام عليهم، كما كان النبي ﷺ يخرج إلى البقيع فيدعو لهم، وكما ثبت عنه في الصحيحين أنه خرج إلى شهداء أحد فصلى عليهم صلاته على الموتى كالمودع للأحياء والأموات (٣)، وثبت في
_________________
(١) تقدم.
(٢) انظر صحيح مسلم ٣/١٥٨٤ - ١٥٨٥.
(٣) أخرجه البخاري ٣/٢٠٩ رقم ١٣٤٤ وانظره برقم ٣٥٩٦، ٤٠٤٢، ٤٠٨٥، ٦٤٢٦، ٦٥٩٠ ومسلم ٤/١٧٩٥، ١٧٩٦ وأبو داود ٣/٥٥١ رقم ٣٢٢٣ و٣٢٢٤ والنسائي ٤/٦١ رقم ١٩٥٤ جميعًا من حديث عقبة بن عامر.
[ ٣٢٣ ]
الصحيحين أنه كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لا حقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكن العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم (١)، وهذا في زيارة قبور المؤمنين، وأما زيارة قبر الكافر فرخص فيه لأجل تذكار الآخرة، ولا يجوز الاستغفار لهم، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، وقال: «استأذنت ربي في أن أزور فبرها فأذن لي واستأذنته في أن أستغفر لها فلم يأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة (٢) .
والعلماء المتنازعون كل منهم يحتج بدليل شرعي،ويكون عند بعضهم من العلم ما ليس عند الآخر، فإن العلماء ورثة الأنبياء، قال الله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ () فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (الأنبياء ٠٧٨-٠٧٩) والأقوال الثلاثة صحيحة باعتبار، فإن الزيارة إذا تضمنت أمرًا محرمًا من شرك،أو كذب، أو ندب، أو نياحة، وقول هجر، فهي محرمة بالإجماع كزيارة المشركين بالله والساخطين لحكم الله، وفإن هؤلاء زيارتهم محرمة، فإن لا يقبل دين إلا الإسلام وهو الاستسلام لخلقه، وأمره، فنسلم لما قدره الله وقضاه، ونسلم لما يأمر به ويحبه، وهذا نفعله وندعو إليه وذلك نسلمه ونتوكل فيه عليه، فنرضى بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا،ونقول في صلاتنا (إياك نعبد وإياك نستعين) مثل قوله (فأعبده وتوكل عليه) وقوله: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (البقرة ٠٤٥) ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ () وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (هود ١١٤-١١٥)
والنوع الثاني: زيارة القبور لمجرد الحزن على الميت لقرابته، أو صداقته فهذه مباحة كما يباح البكاء على الميت بلا ندب، ولا نياحة، كما زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، وقال: «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة» فهذه الزيارة كان ينهي عنها لما كانوا يصنعون من المنكر، فلما عرفوا الإسلام أذن فيها لأن فيها مصلحة وهو تذكر الموت، فكثير من الناس إذا رأى قريبة وهو مقبور ذكر الموت واستعد للآخرة وقد يحصل منه جزع فيتعارض الأمران، ونفس الجنس مباح أن قصد به طاعة كان طاعة وإن عمل معصية كان معصية.
_________________
(١) تقدم، وانظر صحيح مسلم ١/٢١٨ و٢/٦٩، ٦٧٠، +٦٧١.
(٢) تقدم تخريجه.
[ ٣٢٤ ]
وأما النوع الثالث: فهو زيارتها للدعاء لها كالصلاة على الجنازة، فهذا هو المستحب الذي دلت السنة على استحبابه، لأن النبي ﷺ فعله، وكان يعلم أصحابه ما يقولون إذا زاروا القبور، وأما زيارة قباء فيستحب لمن أتى المدينة أن يأتي قباء فيصلي فيه مسجدها، وكذلك يستحب له عند الجمهور أن يأتي البقيع وشهداء أحد، كما كان النبي ﷺ يفعل، فزيارة القبور للدعاء للميت من جنس الصلاة على الجنائز يقصد فيها الدعاء لهم، لا يقصد فيها أن يدعو مخلوقًا من دون الله، ولا يجوز أن تتخذ مساجد، ولا تقصد لكون الدعاء عندها أو بها أفضل من الدعاء في المساجد والبيوت والصة على الجنائز أفضل باتفاق المسلمين من الدعاء للموتى، عند قبورهم، وهذا مشروع، بلهو فرض على الكفاية متواتر متفق عليه بين المسلمين.
ولو جاء إنسان إلى سرير الميت يدعوه من دعوه من دون الله ويستغيث به، كان هذا شركًا محرمًا بإجماع المسلمين، ولو ندبه وناح لكان أيضًا محرمًا، وهو دون الأول، فمن احتج بزيارة النبي ﷺ لأهل البقيع وأهل أحد، على الزيارة التي يفعلها أهل الشرك وأهل النياحة، فهو أعظم ضلالًا ممن يحتج بصلاته على الجنازة، على أنه يجوز أن يشرك بالميت ويدعي من دون الله ويندب ويناح عليه، كما يفعل ذلك من يستدل بهذا اذلي فعله الرسول وهو عبادة الله وطاعة له يثاب عليه الفاعل، وينتفع المدعو له ويرضى به الرب على أنه يجوز أن يفعل ما هو شرك بالله وإيذاء الميت وظلم من العبد لنفسه، كزيارة المشركين وأهل الجزع لا يخلصون لله الذين، ولا يسلمون لما حكم به ﷾.
فكل زيادة تتضمن فعل ما نهى عنه وترك ما أمر به كالتي تتضمن الجزع وقول الهجرة، وترك الصبر، أو تتضمن الشرك أو دعاء وترك إخلاص الدين لله فهي منهي عنها، وهذه الثانية أعظم إثمًا من الأولى، ولا يجوز أن يصلي إليها، بل ولا عندها، بل ذلك مما نهى عنه النبي ﷺ فقال: «لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها» رواه مسلم في صحيحه (١) .
فزيارة القبور على وجهين: وجه نهى عنه رسول الله ﷺ واتفق العلماء على أنه غير مشروع، وهو أن يتخذها مساجد ويتخذها وثنًا ويتخذها عيدًا فلا يجوز أن تقصد
_________________
(١) رواه مسلم ٢/٦٨ وقد تقدم أيضًا.
[ ٣٢٥ ]
للصلاة الشرعية، ولا أن تعبد كما تعبد الأوثان، ولا أن تتخذ عيدًا يجتمع إليها في وقت معين، كما يجتمع المسلمون في عرفة ومنى.
وأما الزيارة الشرعية فهي مستحبة عند الأكثرين، وقيل:كلها منهي عنها كما تقدم والذي تدل عليه الأدلة الشرعية أن يحمل المطلق من كلام العلماء على المقيد.
وتفصيل الزيارة على ثلاثة أنواع: منهي عنه،ومباح، ومستحب،وهو الصواب قال مالك وغيره: لا تأت إلا هذه الآثار، مسجد النبي ﷺ ومسجد قباء، وأهل البقيع، وأحد فإن النبي ﷺ لم يكن يقصد إلا هذين المسجدين وهاتيتن المقبرتين، كان يصلي يوم الجمعة في مسجده،ويوم السبت يذهب إلى قباء كما في الصحيحين عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان يأتي قباء كل سبت راكبًا وماشيًا، فيصلي فيه ركعتين (١) .
وأما أحاديث النهي فكثيرة ومشهورة في الصحيحين وغيرهما: كقوله ﷺ: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٢) ثم ذكر الأحاديث الواردة في ذلك، وقد سبق ذكرها غير مرة، ومنه قوله ﷺ فيما رواه ابن مسعود: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد» (٣)، ورواه الإمام أحمد في مسنده، وأبو حاتم في صحيحه، وفي سنن أبي داود عنه ﷺ أنه قال: «لا تتخذوا قبري عيدًا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني» (٤)، وفي موطأ مالك عن النبي ﷺ أنه قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٥) .
ثم ذكر الأثر المشهور في سنن سعيد بن منصور، وقال (٦): فلما أراد الأئمة اتباع سننه في زيارة قبره والسلام طلبوا ما يعتمدون عليه من سننه، فاعتمد الإمام أحمد على الحديث الذي في السنن عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما من رجل يسلم على إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇» (٧)، وعنه أخذ أبو داود
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) تقدم تخريجه،
(٤) تقدم تخريجه
(٥) تقدم
(٦) انظر الجواب الباهر ص٤٩-٥٠.
(٧) تقدم.
[ ٣٢٦ ]
ذلك، فلم يذكر في زيارة قبره غير هذا الحديث، وترجم عليه (باب زيارة القبر) مع أن دلالة الحديث على المقصود فيها نزاع وتفصيل، فإنه لا يدل على كل ما يسميه الناس زيارة باتفاق المسلمين.
ويبقى الكلام المذكور فيه، هل هو السلام عند القبر، كما كان من دخل عليه عائشة يسلم عليه، أو يتبادل هذا والسلام عليه من خارج الجرة، فاذلين استدلوا به جعلوه متناولًا لهذا، وهذا هوغاية ما كان عندهم في هذا الباب عنه ﷺ وهو ﷺ يسمع السلام من القرب، وتبلغه الملائكة عن أمتي السلام» (١)، وفي السنن عن أوس بن أوس أن النبي ﷺ قال: «وأكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة وليلة الجمعة، فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت فقال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء» صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا (٢) .
وذكر مالك في موطئه أن عبد الله بن عمر كان يأتي فيقول: السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت (٣)، ثم ينصرف، وفي رواية كان إذا قدم من سفر، وعلى هذا اعتمد مالك ﵀ فيما يفعل عند الحجرة إذ لم يكن عنده إلا أثر ابن عمر، وأما ما زاد على ذلك مثل الوقوف للدعاء للنبي ﷺ، ومع كثرة الصلاة والسلام عليه، فقد كره مالك،وذكر أنه بدعة لم يفعلها السلف ولا يصلح آخر هذه الأمة، إلا ما أصلح أولها والله تعالى أعلم.