وأما الإجماع فقد حكاه القاضي عياض على ما سبق في الباب الرابع، وأعلم أن العلماء مجمعون على أن يستحب للرجال زيارة القبور، بل قال بعض الظاهرية بوجوبها للحديث المذكور، ومن حكى إجمال المسلمين على الاستحباب أبو زكريا النووي وقد رأيت في مصنف ابن أبي شيبة عن الشعبي، قال: لولا رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور لزرت قبر ابنتي، وهذا إن صح يحمل مع أن الشعبي لم يبلغ الناسخ من أن
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) تقدم تخريجه
(٣) تقدم تخريجه وهو صحيح.
[ ٣٢٧ ]
الشعبي لم يصرح بقول له ومثل هذا لا يقدح، وكذلك رأيت فيه عن إبراهيم قال: كانون يكرهون زيارة القبور، وهذا لم يثبت عندنا ولم يبين إبراهيم الكراهة عمن ولا كيف هي.
فقد تكون محمولة على نوع من الزيارة مكروة، ولم أجد شيئًا يمكن أن يتعلق به الخصم غير هذين الأثرين ومثلهما لا يعارض الأحاديث الصريحة والسنن المستفيضة والمعلومة من سير الصحابة والتابعين ومن بعدهم، بل لو صح عن الشعبي والنخي التصريح بالكراهة، لكان ذلك من الأقوال الشاذة التي لا يجوز اتباعها والتعويل عليها. انتهى كلامه.
والجواب: من وجوه؛ أحدها: أن يقال شيخ الإسلام لم يذهب إلى ما نقل عن الشعبي والنخعي في هذا الباب ولم يقل أن زيارة القبور محرمة، ولا مكروهة،بل ذكر أنها على أنواع كما تقدم ذكره قريبًا، وقال: إن زيارة قبور المؤمنين مستحبة للدعاء للموتى مع السلام عليهم، فقول المعترض: ولم أجد شيئًا يمكن أن يتعلق به الخصم غير هذين الأثرين، كلام في نهاية السقوط.
الوجه الثاني: وهذا لم يثبت عندنا فيما رواه ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي كلام ساقط أيضًا، وذلك أن هذا الأثر المذكور عن إبراهيم، رواه عن منصور بن المعتمر وهو من أثبت الناس في إبراهيم أو أثبتهم ورواه عن منصور سفيان الثوري وهو أثبت الناس فيه بلا خلاف، ورواه عن الثوري عبد الرزاق وغيره، فقول المعترض: «هذا لم يثبت عندنا» بعد إطلاعه على إسناده ووقوفه عليه يقينًا يدل على أنه في غاية الجهالة، وفي نهاية العناد واتباع الهوى، وقد علم المبتدئون في هذا العلم القاصرون فيه أن ما رواه سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعي من أثبت الروايات وأصح الأسانيد، بل أصح أسانيد أهل الكوفة على الإطلاق الثوري عن منصور عن إبراهيم، فإذا قال القائل فيما نقل بهذا الإسناد، وهذا لم يثبت عندنا دل على فرط جهله، وعمى بصيرته أو على شدة معاندته ومتابعته هواه نسأل الله التوفيق.
الوجه الثالث: أنه ليس في المسألة إجماع لتحقيق ثبوت الخلاف فيها عن بعض المجتهدين، وإن كان قوله ضعيفًا من حيث الدليل، قال شيخ الإسلام في أثناء كلامه (١)، مع أن نفس زيارة القبور مختلف في جوازها قال ابن بطال في شرح البخاري: كره قوم زيارة القبور، لأنه روي عن النبي ﷺ أحاديث في النهي عنها وقال الشعبي: لولا أن
_________________
(١) انظر الرد على الأخنائي ص٧٧.
[ ٣٢٨ ]
رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور لزرت قبر ابنتي، وقال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون زيارة القبور، وعن أبن سيرين مثله، قال: وفي مجموعة قال علي بن زياد: سئل مالك عن زيارة القبور، فقال: كان قد نهى عنه ﵊ ثم أذن فيه، فلو فعل ذلك إنسان،ولم يقل إلا خيرًا لم أر بذلك بأسًا وليس من عمل الناس، وروي عنه أنه كان يضعف زيارتها.
فهذا قول طائفة من السلف، ومالك في القول الذي رخص فيها يقول: ليس من عمل الناس، وفي الآخر ضعفها، فلم يستحبها إلا في هذا، ولا في هذا انتهى ما حكاه الشيخ.
وما رواه ابن |أبي شيبة في مصنفه (١) عن الشعبي قد رواه عبد الرزاق في مصنفه أيضًا عنه، فروى الثوري، عن مجالد بن سعيد (٢)، قال: سمعت الشعبي يقول: لولا أن
_________________
(١) انظر المصنف ٣/٥٦٩ باب زيارة القبور.
(٢) قال فيه البخاري: كان يحيى بن سعيد يضعفه وكان ابن مهدي لا يروي عنه وكان أحمد بن حنبل لا يراه شيئًا، وقال ابن المديني قلت ليحيى بن سعيد مجالد قال في نفسي منه شيء وقال أحمد بن سنان القطان سمعت ابن مهدي يقول: حديث مجالد عند الأحداث أبي أسامة وغيره: ليس بشيء..يعني أنه تغير حفظه في آخر عمره. وقال أبو طالب عن أحمد:ليس بشيء يرفع حديثًا كثيرًا لا يرفعه الناس وقد احتمله الناس وقال الدوري عن ابن معين: لا يحتج بحديثه وقال ابن أبي خثيمة عن ابن معين: ضعيف واهي الحديث. كان يحيى بن سعيد يقول لو أردت أن يرفع لي مجالد حديثه كله رفعه، قلت ولو يرفعه قال للضعف وقال ابن أبي حاتم سئل أبي يحتج بمجالد قال: لا وهو أحب إلي من بشر بن حرب وأبي هارون العبدي وشهر بن حوشب وعيسى الخياط ودجاود الأودي وليس مجالد بقوي في الحديث. وقال النسائي: ليس بالقوي ووثقه مرة وقال ابن عدي له عن الشعبي عن جابر أحاديث صالحة وعن غير جابر وعامة ما يروه غير محفوظ، وقال عمرو بن علي وغيره مات سنة أربع وأربعين ومائة في ذي الحجة حديثه عند مسلم مقرون قلت: وقال يعقوب بن سفيان تكلم الناس فيه وهو صدوق وقال الدارقطني يزيد بن أبي زياد أرجح منه ومجالد لا يعتبر به وقال الساحي قال محمد بن المثنى يحتمل حديثه أصدقه، وقال ابن سعد كان ضعيفًا في الحديث وقال العجيلي جائز الحديث إلا أن ابن المهدي كان يقول أشعث بن سوار كان أقرأ منه قال المجلي بن مجالد أرفع من أشعث وكان يحيى بن سعيد يقول: كان مجالد يلقن في الحديث إذا لقن وقال البخاري صدوق وقال ابن حبان لا يجوز الاحتجاج به وقال الذهبي أورد البخاري في كتاب الضعفاء في ترجمة مجالد حديثًا من طريق عن الشعبي عن ابن عباس في فضل فاطمة،وهو موضوع صريح ما كان ينبغي أن يذكر في ترجمة مجالد فإن المتهم به رواة واه عن عبد الله بن نمير والآفة من الراوي المذكور فيه أهـ. من تهذيب التهذيب ١٠/٣٩-٤١ انظر التاريخ الكبير للبخاري ٨/٩ والصغير ص١١٢ والميزان ٣/٤٣٨ والمغني ٢/٥٤٢ والكاشف ٣/١٠٦ ولسان الميزان ٧/٣٤٩ والجرح والتعديل ٨/٣٦٠ وطبقات ابن سعد ٦/٣٤٩ والضعفاء للعقيلي ٤/٢٣٢ والكامل لابن عدي ٦/٢٤١٤ - ٢٤١٧ والعبر وشذرات الذهب ١/٢١٦ وتاريخ خليفة ٤٢٠ وطبقاته ١٦ والكامل في التاريخ ٥/٥١٢.
[ ٣٢٩ ]
رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور لزرت قبر ابنتي، ومجالد من أصحاب الشعبي، وفيه مقال لبعض أهل العلم من قبل حفظه، وكان الشعبي سمع النهي عن زيارة القبور، ولم يبلغه الناسخ، وروى عبد الرزاق أيضًا عن معمر، عن قتادة أن رسول الله ﷺ قال: «من زار القبور فليس منا» (١) وهذا مرسل من مراسيل قتادة وهو منسوخ.
وروى عبد الرزاق (٢)، عن الثوري، عن منصور عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون زيارة القبور، وهذا صحيح ثابت إلى إبراهيم وهو الذي ضعفه المعترض عنه بلا علم، وكثيرًا ما يقول إبراهيم النخعي: كانوا يفعلون كذا، وكانون يكرهون كذا، والظاهر أنه يريد بهم شيوخه، ومن يحمل عنه العلم من أصحاب علي وابن مسعود وغيرهما.
والمقصود أن الإجماع المذكور في هذه المسألة غير محقق، وإن كان قوله من خالف الجمهور فيها ضعيفًا، وشيخ الإسلام لم يذهب إلى هذا القول المخالف لقول الجمهور، وإنما حكاه غيره من أهل العلم والله أعلم.