فإنا نقطع ونتحقق من الشريعة بجواز زيارة القبور للرجال وقبر النبي ﷺ داخل في هذا العموم ولكن مقصودنا إثبات الاستحباب له بخصوصه للأدلة الخاصة بخلاف غيره ممن لا يستحب زيارة قبره لخصوصه، بل لعموم زيارة القبور، وبين المعنيين فرق لما لا يخفى، فزيارته ﷺ مطلوبة بالعموم والخصوص بل أقول: إنه لو ثبت خلاف في زيارة قبر غير النبي ﷺ لم يلزم من ذلك إثبات خلاف في زيارته، لأن زيارة القبر تعظيم، وتعظيم النبي ﷺ واجب وأما غيره فليس كذلك، ولهذا المعنى أقول والله أعلم: أنه لا فرق في زيارته ﷺ بين الرجال والنساء لذلك ولعدم المحذور في خروج النساء إليه،وأما سائر القبور فمحل الإجماع على استحباب زيارتها للرجال، وأما النساء ففي زيارتهن للقبور أربعة أوجه في مذهبنا أشهرها، أنها مكروهة جزم بهالشيخ أبو حامد
_________________
(١) انظر مصنف عبد الرزاق ٣/٥٦٩.
(٢) انظر مصنف عبد الرزاق ٣/٥٦٩ وإسناده صحيح.
[ ٣٣٠ ]
والمحاملي وابن الصباغ والجرجاني ونصر المقدسي، وابن أبي عصرون وغيرهم.
وقال الرافعي: إن الأأكثرين لم يذكروا سواه، وقال النووي: قطع به الجمهور وصرح بأنها كراهة تنزيه.
والثاني: أنها لا تجوز قال صاحب المذهب وصاحب البيان.
والثالث: لا تستحب ولا تكره، بل تباع قاله الروياني.
والرابع: إن كانت لتجديد الحزن والبكاء بالتعديد والنوح على ما جرت به عادتهم فهو حرام، وعليه يحمل الخبر، وإن كانت للاعتبار بغير تعديد ولا نياحة كره إلا أن تكون عجوزًا لا تشتهي فلا يكره كحضور الجماعة في المساجد، قاله الشاشي، وفرق بين الرجل والمرأة بأن الرجل معه من الضبط والقوة بحيث لا يبكي ولا يجزع بخلاف المرأة.
واحتج المانعون بقوله ﷺ: «لعن زوارات القبور» (١) رواه الترمذي من حديث أبي هريرة، وقال: حسن صحيح، ورواه ابن ماجه من حديث حسان بن ثابت.
واحتج المجوزون بأحاديث منها قوله ﷺ: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزروها» وأجاب المانعون بأن هذا خطاب الذكور، ومنها قوله ﷺ للمرأة التي رآها عند قبر تبكي: «اتقي الله واصبري ولم ينهها عن الزيارة» (٢) وهو استدلال صحيح، ومنه قول عائشة، كيف أقول يا رسول الله قال: «قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين» (٣)،وسنذكره في خروج النبي ﷺ للبقيع وهو استدلال صحيح. انتهى ما ذكره.
والجواب: أن يقال: هذا المعترض لو نوقش على جميع ما يقع في كلامه من الدعاوي والخلل واللفظ المجمل لطال الخطاب، ولكن التنبيه على بعض ذلك كاف لمن له أدنى فهم وعنده أدنى علم، وقوله: زيارة القبور تعظيم، وتعظيم النبي ﷺ و(٣) الكلام عليه من وجوه
_________________
(١) أخرجه البخاري ٣/٣٧١ رقم ١٠٥٦ وابن ماجة ١/٥٠٢ بإسناد صحيح، وأخرجه ابن ماجة ١/٥٠٢ رقم ١٥٧٤ من حديث حسان بن ثابت ورقم ١٥٧٥ من حديث ابن عباس. أما حديث حسان فضعيف في إسناده عبد الرحمن بن يهمان وهو مقبول كما في التقريب لكن يشهد له حديثًا أبي هريرة وابن عباس، فهو حسن لغيره وحديث ابن عباس حسن إن شاء الله تعالى.
(٢) أخرجه البخاري ٣/١٤٨ رقم ١٢٨٣ من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٣) رواه مسلم وقد تقدم تخريجه.
[ ٣٣١ ]
أحدهما أن يقال: هاتان المقدمتان إن أخذتا على إطلاقهما أنتجتا أن زيارة قبره واجبه وهو إنتاج لازم للمقدمتين لزومًا بينًا (١)، فإن الضرب الأول من الشكل الأول والحد الأوسط فيه محمول في الأولى موضوع في الثانية، فتكون النتيجة موضوع الأولى ومحمول الثانية، وهي زيارة قبره واجبة، ثم يلزم على هذا لوازم منها أن تارك زيارة قبره عاص آثم مستحق للعقوبة منتفي العدالة لا تصح شهادته، ولا تقبل روايته ولا فتواه، وفي هذا تفسيق جميع الصحابة إلا من صح عنه منهم الزيارة، ولا ريب أن هذا شر من قول الرافضة الذين فسوقا جمهورهم بتركهم توليه علي، بل هو من جنس قول الخوارج الذين يكفرون بالذنب.
لأن تارك هذه الزيارة عنده تارك لتعظيمه، وترك تعظيمه كفر أو ملزوم للكفر، فإن تعظيم الرسول ﷺ من لوازم الإيمان فعدمه مستلزم للكفر، وعلى هذا فكل من لم يزر قبره فهو كافر، لأنه تارك لتعظيمه ﷺ ولا ريب أن الرافضة والخوارج لم يصلوا إلى هذا الجهل والكذب على الله ورسوله وعلى الأمة.
يوضحه الوجه الثاني: أن الخوارج إنما كفروا الأمة بمخالفة أمره ومعصيته وتمسكوا بنصوص متشابهة لم يردوها إلى المحكم، وأما عباد القبور فكفروا بموافقة الرسول في نفس مقصوده، وجعلوا تجريد التوحيد كفرًا وتنقصًا فأين المكفر بالذنب إلى المكفر بموافقة الرسول وتجريد التوحيد؟
يوضحه الوجه الثالث: أن زيارة قبره لو كانت تعظيمًا له لكانت مما لا يتم الإيمان إلا بها، ولكان فرضًا معينًا على كل من استطاع إليها سبيلًا، من قرب أو بعد، ولما أضاع السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان هذا الفرض قام به الخلف الذين خلفوا من بعدهم يزعمون أنهم بذلك أولياء الرسول وحزبه القائمون بحقوقه، وما كانوا أولياء إن أولياؤه إلا أهل طاعته والقيام بما جاء به علمًا ومعرفة وعملًا وإرشادًا وجهادًا، والذين جردوا التوحيد الخالق وعرفوا للرسول حقه، ووافقواه في تنفيذ ما جاء به والدعوة إليه والذب عنه.
الوجه الرابع: أنه إذا كان زيارة قبره واجبة على الأعيان كانت الهجرة إلى القبر أكد من الهجرة إليه في حياته، فإن الهجرة إلى المدينة انقطعت بعد الفتح كما قال
_________________
(١) قلت: وهكذا يقال لأصحاب بدعة الموالد فإنهم يقولون: المولد تعظيم للنبي ﷺ وعلى آله وسلم وتعظيمه واجبه. فيجاب عليهم بنفس الجواب الذي أجاب به الحافظ ابن عبد الهادي ها هنا.
[ ٣٣٢ ]
النبي ﷺ: «لا هجرة بعد الفتح» (١) .وعند عباد القبور أن الهجرة إلى القبر فرض معين على من استطاع إليه سبيلًا، وليس بخاف أن هذا مراغمة صريحة لما جاء به الرسول وإحداث في دينه ما لم يأذن به،وكذب عليه وعلى الله، هذا من أقبح التنقص.
وقد ذكر المعترض في موضع من كتابه أنه رأس فتيا بخط شيخ الإسلام وفيها: ولهذا كانت زيارة القبور على وجهين: زيارة شرعية،وزيارة بعدية.
فالزيارة الشرعية: مقصودها السلام على الميت والدعاء له إن كان مؤمنًا وتذكر الموت سواء كان الميت مؤمنًا أم كافرًا، قال: وبعد ذلك: فالزيارة لقرب المؤمن نبيًا كان أو غير نبي من جنس الصلاة على جنازته يدعي كما يدعي إذا صلى على جنازته.
وأما الزيارة البدعية: فمن جنس زيارة النصارى مقصودها الإشراك بالميت مثل: طلب الحوائج منه أو به، أو التمسح بقبره وتقبيله، أو السجود له ونحو ذلك، فهذا كله لم يأمر اله به، ولا رسوله، ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين ولا أحد من السلف يفعله لا عند قبر النبي ﷺ ولا غيره.