وحديث آخر من رواية ابن عمر ذكره الدارقطني في العلل في مسند ابن عمر في حديث: «من استطاع أن يموت بالمدينة فليفعل» قال: حدثنا جعفر بن محمد الواسطي حدثنا موسى بن هارون، حدثنا محمد بن الحسن الختلي، حدثنا عبد الرحمن بن المبارك، حدثنا عون بن موسى، عن أيوب، عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «من زارني إلى المدينة كنت له شفيعًا وشهيدًا» قيل للختلي إنما هو سفيان بن موسى، قال: اجعلوه عن ابن موسى، قال موسى بن هارون: ورواه إبراهيم بن الحجاج عن وهيب، عن أيوب، عن نافع مرسلًا عن النبي فلا أدري سمعه من إبراهيم بن الحجاج أم لا
[ ٩٤ ]
وإنما لم أفرد الحديث بترجمة، لأن نسخة العلل للدارقطني التي نقلت منها سقيمة انتهى ما ذكره المعترض على هذا الحديث.
والجواب أن يقال: هذا اللفظ المذكور غلط في هذا الحديث، حديث نافع عن ابن عمر ولفظ الزيارة فيه غير محفوظة (١)، ولو كان محفوظًا لم يكن فيه حجة على محل النزاع، والمحفوظ في هذا عن أيوب السختياني ما رواه هشام الدستوائي وسفيان بن موسى عنه، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت فإنه من مات بها كنت له شفيعًا أو شهيدًا» هذا هو حديث أيوب عن نافع ليس فيه ذكر الزيارة أصلًا، وكذلك رواه الحسن بن أبي جعفر الجعفري، وهو ضعيف عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ورواه وهيب عن أيوب، عن نافع مرسلًا عن النبي ﷺ، ورواه إسماعيل بن علية عن أيوب قال: نبئت عن نافع قال: قال رسول الله ﷺ، قال موسى بن هارون، ووهيب وابن علية أثبت من الدستوائي، ومن الجعفري، ومن سفيان بن موسى، وقد ذكرنا ألفاظ هذا الحديث فيما تقدم، وذكرنا من رواه عن نافع من أصحابه، وحكينا ما ذكره الدارقطني وغيره في ذلك.
وقد وقف على هذا المعترض على ما ذكره الدارقطني في كتاب العلل من الاختلاف في إسناد الحديث ومتنه، ولم ينقل منه إلا طريقًا واحدة أخطأ فيه الراوي ولفظًا واحداص وهم فيه الناقل وأعرض عن ذكر الطرق الواضحة والألفاظ الصحيحة، وهل هذا إلا عين الخذلان أن ينظر الرجل في ألفاظ الحديث، وطرقه في موضع واحد، فينقل منها الضعيف السقيم، ويدع القوي الصحيح من غير بيان لذلك، ثم يعتل بأن النسخة التي نقل منها سقيمة، وهذا الحديث الذي نقله المعترض من كتاب العلل للدارقطني أخطأ رواية في إسناده ووهم في متنه.
أما خطؤه في إسناده فقوله عن عون بن موسى: وإنما هو سفيان بن موسى وهو شيخ من أهل البصرة، روى له مسلم في صحيح حديثًا واحدًا متابعة يرويه عن أيوب، عن نافع عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: إذا أقيمت الصلاة ووضع العشاء فابدوا بالعشاء، وقد
_________________
(١) انظر ترجمة عون بن موسى في لسان الميزان لابن حجر لزامًا.
[ ٩٥ ]
ذكر ابن أبي حاتم أنه سأل عنه أباه فقال: مجهول (١)، وذكره ابن حبان في كتاب (٢) الثقات.
وأما وهمه في متنه فقوله: من زارني إلى المدينة، ولفظ الزيارة في حديث أيوب عن نافع ليس بصحيح، والمعروف من حديثه عنه: من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليفعل، وأصح منه اللفظ الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر قال:سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد إلا كنت له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة، وقد سبق هذا الحديث وذكر ألفاظه والكلام على معناه بما فيه كفاية وبالله تعالى التوفيق.