وقال: ويؤيد هذا التأويل ما جاء في الحديث نفسه لا تجعلوا بيوتكم قبورًا أي لا تتركوا الصلاة في بيوتكم حتى تجعلوا كالقبور التي لا يصلي فيها.
قلت: ويحتمل أن يكون المراد لا تتخذوا له وقتًا مخصوصًا لا تكون الزيارة إلا فيه.
_________________
(١) أخرجه مسلم ٢ /٦٦٨.
(٢) أخرجه أحمد ١/٤٠٥ وابن حبان ٨/٢٩٩، وابن خزييمة ٢/٦ رقم ٧٨٩ والطبراني في الكبير ١٠/٢٣٢ رقم ١٠٤١٣.
(٣) في كتاب السبكي: ضعيفًا بدلًا من قوله ضيفًا، وفي التهذيب: ضعيفًا كذلك وهو الصواب.
[ ٣٠٧ ]
كما ترى كثيرًا من المشاهدة لزيارتها يوم معين كالعيد وزيارة قبره ﷺ ليس لها يوم بعينه بل أي يوم كان، ويحتمل أيضًا أن يراد أن يجعل كالعبد في العكوف عليه وإظهار الزينة والاجتماع وغير ذلك مما يجعل في الأعياد، بل لا يؤتى إلا للزيارة والسلام والدعاء، ثم ينصرف عنه، والله أعلم بمراد نبيه، انتهى ما ذكره.
والجواب أن يقال: هذا الحديث الذي رواه أبو داود هو حديث حسن جيد الإسناد وله شواهد كثيرة يرتقي بها إلى درجة الصحة، وقد ذكرناه مع شواهد فيما تقدم، والمعترض قد اعترف بأن الأقرب ثبوته لكنه لم يقل بموجبه ومقتضاه، بل سلط عليه التحريف والتأويل المستنكر المردود، فأما ما حكاه عن عبد العظيم المنذري في تأويله فهو من أظهر الأشياء بطلانًا، بل هو مناقض لمقصود الحديث ومخالف له، وآخر الحديث يبطله وهو قوله صلوا علي حيثما كنتم، والتأويل الثاني باطل أيضًا، والثالث: متضمن للحق وغيره.
وقد قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم (١)، بعد أن ذكر هذا الحديث وقواه وذكر شواهده قال: ووجه الدلالة أن قبر رسول اله ﷺ أفضل قبر على وجه الأرض، وقد نهى عن اتخاذه عيدًا فقبر غيره أولى بالنهي كائنًا من كان ثم أنه قرن ذلك بقوله ﷺ: «لا تتخذوا بيوتكم قبورًا» (٢)، أي لا تعطلوها من الصلاة فيها والدعاء والقراءة فتكون بمنزلة القبور، فأمر يتحرى العبادة في البيوت، ونهى عن تحريها عند القبور عكس ما يفعله المشركون من النصارى، ومن تشبه بهم.
ثم أنه ﷺ أعقب النهي عن اتخاذها عيدًا بقوله: وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم، وفي الحديث فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم يشير بذلك ﷺ إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم منه، فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيدًا.
ثم إن أفضل التابعين من أهل بيته علي بن الحسين ﵄ نهى ذلك الرجل أن يتحرى الدعاء عند قبره ﷺ، واستدل بالحديث، وهو راوي الحديث الذي سمعه من أبيه الحسين عن جده علي، وأعلم بمعناه من غيره، فبين أن قصده للدعاء
_________________
(١) ص٣٢٣.
(٢) أخرجه أبو داود رقم ٢٠٤٢ وأحمد ٢/٣٦٧ وقد تقدم مرارًا.
[ ٣٠٨ ]
ونحوه اتخاذ له عيدًا، وكذلكم ابن عمه حسن بن حسن شيخ أهل بيته كره أن يقصد الرجل القبر للسلام عليه ونحوه عند غير دخول المسجد، ورأى أن ذلك من اتخاذه عيدًا.
فانظر هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت ﵃، الذي لهم مع رسول الله ﷺ قرب النسب وقرب الدار، لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم، فكانوا أضبط، والعيد إذا جعل أسمًا للمكان، فهو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه وانتيابه للعبادة عنده، أو لغير العبادة، كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة جعلها الله عيدًا مثابة للناس يحجون فيها، وينتابونها للدعاء والذكر والنسك، وكان للمشركين أمكنة ينتابونها للاجتماع عندها، فلما جاء الإسلام محا الله ذلك كله، وهذا النوع من الأمكنة يدخل فيه قبور الأنبياء والصالحين والقبور التي يجوز أن تكون قبورًا لهم بتقدير كونها قبورًا لهم، بل وسائر القبور أيضًا داخلة في هذا.
انتهى ما أردت نقله من كلام الشيخ رحمه الله تعالى.
وقال غيره في الكلام على قوله ﷺ: «ولا تجعلوا قبري عيدًا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني» (١)، خرج هذا الحديث منه ﷺ مخرج نهيه عن اتخاذ القبور مساجد، عن الصلاة إليها وإيقاد السرج ومخرج دعائه ربه ﵎ أن لا يجعل قبره وثنًا ومخرج أمره بتسوية القبور المشرفة ونحو ذلك.
كل هذا لئلا يحصل الافتتان بها ويتخذ العكوف عليها وإيقاد السرج والصلاة فيها وإليها وجعلها عيدًا ذريعة إلى الشرك لا سيما أصل الشرك وعبادة الأصنام في الأمم السابقة، إنما هو من الأفتتان بالقبور وتعظيمها، فاتخاذه القبر عيدًا هو مثل اتخاذه مسجدًا والصلاة وإليه، بل أبلغ وأحق بالنهي، فإن اتخاذه مسجدًا يصلى فيه لله ليس فيه من المفسدة ما في اتخاذ نفسه عيدًا بحيث يعتاد انتيابه والاختلاف إليه والازدحام عنده، كما يحصل في أمكنة الأعياد وأزمنتها، فإن العيد يقال في لسان الشارع على الزمان والمكان كما في حديث الذي نذر أن ينحر ببوانه وقول النبي ﷺ: «هل كان فيها وثن، هل كان فيها عيد؟» قالوا: لا قال: «أوف بنذرك» وهو حديث حسن صحيح، رواه أبو داود في سننه، فقال: حدثنا داود بن رشيد، حدثنا شعيب بن إسحاق عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو قلابة، قال: حدثني ثابت بن الضحاك قال: نذر رجل على عهد رسول الله ﷺ أن ينحر إبلًا ببوانه، فأتى النبي ﷺ: إني نذرت أن أنحر إبلًا
_________________
(١) هو من تمام الحديث الذي قبله.
[ ٣٠٩ ]
ببوانة، فقال النبي ﷺ: «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية بعيد؟» قالوا: لا. قال: «هل كان فيها عيد من أعيادهم؟» قالوا: لا. قال رسول الله ﷺ: «أوف بنذرك، فإن لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم» (١) .
وفي هذا الحديث دلالة على أن تعظيم المكان المتخذ عيدًا بالذبح عنده لا يجوز كما ذبح عند الوثن، كل هذا سد للذريعة المفضية إلى الشرك وحماية وصيانة لجانب التوحيد، فإذا كان ﷺ قد منع الذبح عند المكان المتخذ عيدًا سواء كان قبرًا أو غيره فنهيه عن اتخاذ القبر عيدًا أولى وأحرى: إذا المفسدة في اتخاذ القبر عيدًا أعظم بكثير من مفسدة الذبح عند المكان الذي اتخذه عيدًا.
وهذه الأحاديث تدل كلها على تحريم تخصيص القبور بما يوجب انتيابها وكثرة الاختلاف إليها من الصلاة عندها واتخاذها مساجد، واتخاذها عيدًا، وإيقاد السرج عليه والصلاة إليها والذبح عندها، ولا يخفى مقاصد هذه الأحاديث وما اشتركت فيه على من شم رائحة التوحيد المحض.
وبهذا يعلم بطلان تأويل من تأول قوله ﷺ: «لا تجعلوا قبري عيدًا» أي لا تجعلوه في قلة الاختلاف إليه وانتيابه ومتابعة قصده بمنزلة العيد الذي إنما يكون في السنة مرتين، بل اقصدوه في كل وقت واحتشدوا للمجيء إليه وواظبوا على إتيانه من القرب والبعد، واجعلوا ذلك دأبكم وعادتكم، ومعلوم أن هذا مناقض لما علم من سننه في قبره الكريم، وغيره أشد مناقضة وترغيب للنفوس في الوقوع فيما حذر منه أمته، وخاف عليهم منه ومعاكسة له في قصده، ومن المعلوم أن من أراد هذا المعنى الذي ذكره المتأول بقوله: «لا تتخذوا قبري عيدًا» فهو إلى الألغاز ضد البيان أقرب منه إلى الإرشاد والبيان كيف والسنة المعلومة تناقضه أبين مناقضة، بل نفس هذا الحديث يرد هذا التأويل ويبطله، وهو قوله: «وصلوا علي حيثما كنتم» .
ثم لو كان هذا مراده وحاشاه من ذلك لأني بلفظ صريح أو ظاهر في الترغيب في قصده ن وكثرة الاختلاف إليه كما جاء عنه الترغيب في كثرة الاختلاف إلى المساجد كقوله في الحديث المتفق على صحته: «من عذر إلى المسجد، أو راح أعد الله له نزلًا
_________________
(١) أخرجه أبو داود ٣/٦٠٧ رقم ٣٣١٣.
[ ٣١٠ ]
في الجنة كلما غدا أو راح» (١) وقوله في الحديث الصحيح: «من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطواته إحداهما تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة» (٢) وقوله في الحديث المخرج في السنن: «بشر المشائين في الظلم إلى المسجد بالنور التام يوم القيامة» (٣)، وقوله في الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه وابن خزيمة، وأبن حبان في صحيحيهما، «إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان» (٤) قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ (التوبة ٠١٨)
إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على الترغيب في انتياب أمكنة المساجد والحث عليها، فمن تأملها وتأمل الأحاديث الواردة في القبر تبين له الفرق المبين بين الهدى والضلال والغي والرشاد والشك واليقين.
ومما يبين بطلان هذا التأويل الذي لم يعرف عن أحد من السلف والخلف قبل هذا المتأول، إنه لو كان هو المراد لكان أصحاب رسول الله ﷺ والتابعيون لهم بإحسان أحق الناس بالعكوف على قبره، وكثر انتيابه والازدحام عنده وتقبيله والتمسح به، وكانوا أشد الناس ترغيبًا للأمة في ذلك، بل المحفوظ عنهم الزجر عن مثل ذلك والنهي عنه.
وقد روى عبد الرزاق في مصنفه عن الثوري عن ابن عجلان عن رجل يقال له سهيل، عن الحسن بن الحسن بن علي أنه رأى قومًا عند القبر فنهاهم وقال: إن النبي ﷺ قال: «لا تتخذوا قبري عيدًا ولا تتخذوًا بيوتكم قبورًا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني» (٥) .
وروى سعيد بن منصور في سننه عن عبد العزيز بن محمد فقال: أخبرني سهيل بن
_________________
(١) أخرجه البخاري ٢/١٤٨ رقم ٦٦٢ ومسلم ١/٤٦٣.
(٢) رواه مسلم ١/٤٦٢ وابن حبان ٣/٢٤٥. رواه مسلم ١/٤٦٢ وابن حبان ٣/٢٤٥، وأخرج ابن ماجه نجوه ١/٧٨١ من حديث أنس.
(٣) أخرجه أبو داود ١/٣٧٩ رقم ٥٦١ وأخرج الترمذي رقم ٢٢٣، وأخرج ابن ماجه نجوه ١/٧٨١ من حديث أنس.
(٤) أخرجه الترمذي ٥/١٢ رقم ٢٦١٧ وابن ماجه ١/٨٠٢ وأحمد ٣/٦٨ و٧٥-٧٦ وابن حبان ٣/١١٠ جميعًا من طريق دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري والحديث ضعيف من أجل دراج
(٥) تقدم.
[ ٣١١ ]
أبي سهيل قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة بتعشى، فقال: هلم إلى العشاء فقال: فقلت: لا أريده، فقال: مالي رأيتك عند القبر، فقلت: سلمت على النبي ﷺ فقال: إذا دخلت المسجد فسلم، ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: «لا تتخذوا بيتي عيدًا ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني، حيثما كنتم، ما أنتم من بالأندلس إلا سواء» (١) .
وروى أبو يعلي الموصلي في مسنده عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن زيد بن الحباب، عن جعفر بن إبراهيم من ولد ذي الجناحين عن علي بن عمر، عن أبيه، عن علي بن الحسين أنه رأى رجلًا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعوا فنهاه فقال: ألا أحدثكم حديثًا سمعته من أبي عن جدي، عن رسول الله ﷺ قال: «لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم» (٢) .
وروى نوح بن يزيد المؤدب عن أبي إسحاق يعني إبراهيم بن سعد قال: ما رأيت أبي قط يأتي قبر النبي ﷺ وكان يكره إتيانه، وابو إبراهيم سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري التابعي أحد الأئمة الأعلام، وكان قاضي المدينة في زمان التابعين.
قال الإمام أحمد بن حنبل (٣): ولي قضاء المدينة وكان فاضلًا، وقال يعقوب بن إبراهيم بن سعد (٤): سرد سعد الصوم قبل أن يموت بأربعين سنة وقال حجاج بن محمد: كان شعبة إذا ذكر سعد بن إبراهيم، قال: حدثني حبيبي سعد بن إبراهيم يصوم الدهر ويختم القرآن في كل يوم وليلة (٥) .
فهذا سعد بن إبراهيم من سادات أهل المدينة وعلمائهم وقضائهم، وكان لا يأتي
_________________
(١) تقدم.
(٢) تقدم.
(٣) انظر كلامه في سير الأعلام ٥/٤١٩.
(٤) انظر السير ٥/٤١٩.
(٥) انظر السير ٥/٤١٩ وانظر ترجمته في التاريخ الكبير ٤/٥١ والصغير ١/٣٢٤ وتاريخ الفسوي ١/٤١١ وتاريخ الطبري ٧/٢٢٧ والجرح والتعديل ٤/٧٩ وتهذيب التهذيب ٣/٤٦٣ وشذرات الذهب ١/١٧٣.
[ ٣١٢ ]
القبر ويكره إتيانه، وقد قال مالك في المبسوط، لا بأس لمن قدم من سفر، أو أخرج إلى سفر أن يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر، فقيل له: فإن ناسًا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة، أو أكثر، وربما وقفوا في الجمعة، أو في الأيام المرة أو المرتين، أو أكثر عند القبر فيسلمون ويدعون ساعة، فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا وتركه واسح، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده والله أعلم.
[ ٣١٣ ]