المطلب الأول: أقسام الصفات عند من ينكر جميع الصفات الثبوتية:
وهم الفلاسفة بشتى أصنافهم، والجهمية، والمعتزلة ومن وافقهم كالزيدية، والرافضة الإمامية، والنجارية، والضرارية، والإباضية، وابن حزم، وهؤلاء ليس عندهم تقسيم للصفات الثبوتية، لأنهم لا يثبتونها أصلًا فضلًا عن كونهم يقسمونها.
أما في جانب النفي - عند من يقول به منهم فإن ابن سينا١ وهو من الفلاسفة الإسماعيلية الباطنية يجعل الصفات إما سلبية محضة وإما إضافية محضة وإما مؤلفة من سلب وإضافة والسلوب والإضافات لا توجب كثرة في الذات٢.
١- صفات سلبية محضة:
وهذا النوع إذا وصف به واجب الوجود - على حد تعبيرهم ـ، أفاد أن المقصود به نفس وجوده مع سلب ما يؤدي إليه عنه، وهو ما يستلزمه مفهوم واجب الوجود٣.
فإذا قيل جوهر: لم يعن به إلا هذا الوجود الواجب مع سلب الكون في
_________________
(١) ١ انظر كتاب: علاقة صفات الله تعالى بالذات لراجح الكردي ص ١١٩-١٢٠ ط دار العدوي، عمان، الأردن. ٢ انظر: نهاية الإقدام في علم الكلام للشهرستاني ص ١٨٢. ٣ الجانب الإلهي لمحمد البهي ٢/٥٤٨
[ ٧٥ ]
موضع عنه.
وإذا قيل واحد: لم يعن به إلا الوجود الواجب وسلب الشريك عنه أو سلب الكثرة من كل وجه.
وإذا قيل قديم: لم يعن به إلا هذا الوجود الواجب مع سلب العدم عنه أولًا.
وإذا قيل باق: لم يعن به إلا هذا الوجود الواجب مع سلب العدم عنه آخرًا١.
٢- صفات إضافية محضة:
وضابطها: هي الأمور المتضايفة التي لا يعقل الواحد منها إلا بتعقل مقابله٢.
ومن أمثلتها: كونه أولًا مبدأ، خالقًا، قديرًا، مريدًا، صانعًا، مبدعًا، حكيمًا، جوادًا، كريمًا٣.
"مثلًا صفة كونه (أولًا): هي نفس وجود واجب الوجود لكن مع الوجود إضافة إذا نسب الله تعالى إلى الموجودات غيره، أي لم يعن إلا إضافة هذا الوجود الواجب إلى الكل.
وكونه تعالى (مبدأ): إضافة له إلى معلوماته بمعنى إشارة إلى وجوده وإلى أن وجود غيره إنما هو منه.
_________________
(١) ١ علاقة صفات الله تعالى بذاته ص ١٢١ ٢ التحفة المهدية شرح الرسالة التدمرية ١/٤٤. أي هي عبارة عن ماهيتين تَعَقُّل كل واحدة لا يتم إلا مع تعقل الأخرى، كالأبوة والبنوة ونحو ذلك، ومن خواص الإضافة أنه إذا عرف أحد المضافين عرف الآخر أيضاَ. انظر: المبين في شرح معاني ألفاظ الحكماء والمتكلمين ص ١١٢، الفتاوى ١٧/١٤٨-١٥٠، المواقف في علم الكلام ص ١٧٩-١٨٠، المعجم الفلسفي ص ١٥. ٣ انظر: نهاية الإقدام في علم الكلام للشهرستاني ص ١٨١.
[ ٧٦ ]
وصفة كونه (خالقًا): هي نفس وجود الله تعالى مع إضافة لأن علة الإيجاد هي علم واجب الوجود أو تعقله للنظام الفائض منه على مقتضى علمه"١.
٣- صفات مركبة من سلب وإضافة:
وهذا النوع من الصفات إذا وصف به واجب الوجود أفاد أن ذلك له على وجه السلب وعلى وجه النسبة والإضافة أيضا، وهو ما يستتبعه الاعتقاد بأنه خالق ومدبر للكون.
فإذا قيل واجب الوجود: أي موجود لا علة له وهذا سلب، وهو علة لغيره وهذه إضافة فالسلب والإضافة مجتمعان معًا.
وإذا قيل خالق: فهم منه أن وجوده شريف يفيض عنه وجود الكل فيضًا لازمًا، وأن وجود غيره حاصل منه بالتبع.
وإذا قيل عالم: فهم أنه لا يعلم ذاته ما لم يعلم أنه مبدأ للكل.
وإذا قيل جواد: فهم أنه لا ينحو غرضا لذاته وهذا سلب، وأنه يفيض الجود على غيره لأنه مبدأ لكل جود٢.
قال الشهرستاني: "قالت الفلاسفة: واجب الوجود بذاته لن يتصور إلا واحدًا من كل وجه فلا صفة ولا حال ولا اعتبار ولا حيث ولا وجه لذات واجب الوجود بحيث يكون أحد الوجهين والاعتبارين غير الآخر بذاته، أو يدل لفظ على شييء هو غير الآخر بذاته ولا يجوز أن يكون نوع واجب
١ علاقة صفات الله تعالى بذاته ص١٢٠
٢ علاقة صفات الله تعالى بذاته ص ١٢١-١٢٢، وانظر: نهاية الإقدام في علم الكلام للشهرستاني ص ١٨٢.
[ ٧٧ ]
الوجود لغير ذاته لأن وجود نوعه له لعينه ولا يشاركه شييء ما صفة أو موصوفًا في واجب الوجود والأزلية ولا ينقسم هو ولا يتكثر لا بالكم ولا بالمباديء المقومة ولا بأجزاء الحقيقة والحد. ثم له صفات سلبية: مثل تقدسه عن الكثرة من كل وجه، فيسمى لذلك واحدًا حقًا أحدًا صمدًا١.
ومثل تنزهه عن المادة وتجرده عن طبيعة الإمكان والعدم، ويسمى ذلك عقلًا وواجبًا.
وله صفات إضافية: مثل كونه صانعًا مبدعًا حكيمًا قديرًا جوادًا كريمًا
وصفات مركبة من سلب وإضافة: مثل (كونه مريدًا): أي هو مع عقليته ووجوبه بذاته مبدأ لنظام الخير كله من غير كراهية لما يصدر عنه؛ (وجوادًا) أي هو بهذه الصفة وزيادة سلب أي لا ينحو غرضًا لذاته وأولًا: أي هو مسلوب عنه الحدوث مع إضافة وجود الكل إليه.
وصفاته عندهم إما سلبية محضة، وإما إضافية محضة، وإما مؤلفة من سلب وإضافة، والسلوب والإضافات لاتوجب كثرة في الذات"٢.
_________________
(١) ١ استدل الفلاسفة باسمه تعالى (الأحد)، واسمه (الصمد) على نفي الصفات عنه جل وعلا، واستدلالهم هذا باطل، وهو يدل على نقيض قولهم، فإن اسم (الصمد) يدل على استحقاق الله تعالى لجميع صفات الكمال، واسم (الأحد) يدل على نفي المشاركة والمماثلة، انظر مجموع الفتاوى ١٧/١٠٧، ١٠/٥٤، شرح حديث النزول ص ٧٤، منهاج السنة ٢/١٨٦-١٨٧، ٥٢٩-٥٣٠. ٢ نهاية الإقدام في علم الكلام ص ١٨١
[ ٧٨ ]