المطلب الأول: التعريف بالنوعين
يجب التفريق بين نوعين من الإضافة وردا في النصوص هما:
الأول: إضافة ملك.
الثاني: إضافة وصف.
١- أما إضافة الملك فتعريفها: هي كل ما يضاف إلى الله ويكون عينًا قائمة بنفسها، أو حالًا في ذلك القائم بنفسه ومن أمثلتها:
١- قوله تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ ١، فإضافة الناقة إلى الله هنا من إضافة الملك والتشريف فالناقة عين قائمة بنفسها.
٢-قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ ٢، فالروح هنا هو جبريل ﵇.
٣-قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ ٣.
٤-وقوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ ٤.
٥-وقوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ ٥.
٦-وقوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُول﴾ ٦.
_________________
(١) ١ الآية ١٣ من سورة الشمس. ٢ الآيات ١٧-١٨-١٩ من سورة مريم. ٣ الآية ٢٩ من سورة الحجر. ٤ الآيات ٧-٨-٩ من سورة السجدة. ٥ الآية ٢٦ من سورة الحج. ٦ الآية ٧ من سورة الحشر.
[ ٢٥ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن المضاف إن كان شيئا قائمًا بنفسه أو حالًاّ في ذلك القائم بنفسه، فهذا لا يكون صفة لله، لأن الصفة قائمة بالموصوف.
فالأعيان التي خلقها الله قائمة بأنفسها، وصفاتها القائمة بها تمتنع أن تكون صفات لله، فإضافتها إليه تتضمن كونها مخلوقة مملوكة، لكن أضيفت لنوع من الاختصاص المقتضي للإضافة لا لكونها صفة، والروح الذي هو جبريل من هذا الباب، كما أن الكعبة والناقة من هذا الباب، ومال الله من هذا الباب، وروح بني آدم من هذا"١.
وأما إضافة الوصف إلى الله فتعريفها: ما كان صفة قائمة بغيرها ليس لها محل تقوم به٢.
فإذا كان المضاف إليه لا يقوم بنفسه، بل لا يكون إلا صفة كالعلم، والقدرة، والكلام، والرضا، والغضب، فهذا لا يكون إلا إضافة صفة إليه فتكون قائمة به سبحانه٣.
ومن أمثلة هذا القسم:
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ٤، فالكلام لا يقوم بنفسه إلا بالمتكلم فإضافته إلى المتكلم إضافة صفة إلى موصوفها.
وقوله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِه﴾ ٥، فإضافة العلم إلى الله إضافة صفة إلى موصوفها.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ١٧/١٥١. ٢ رسالة العقل والروح (مطبوعة ضمن الرسائل المنبرية ٢/٣٨،٣٩) . ٣ مجموع الفتاوى ١٧/١٥٢. ٤ الآية ٦ من سورة التوبة. ٥ الآية ١٦٦ من سورة النساء.
[ ٢٦ ]
وفي الحديث: "اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك" ١، فعلمه صفة قائمة به وقدرته صفة قائمة به.
وفي الحديث: " أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك" ٢، فرضاه وسخطه قائم به، وكذلك عفوه وعقوبته.
وأما أثر ذلك وهو ما يحصل للعبد من النعمة واندفاع النقمة فذلك مخلوق منفصل عنه ليس صفة له٣.
تنبيه:
وقد يعبر بلفظ المصدر عن المفعول به فيسمى المعلوم علمًا والمقدور قدرة والمأمور أمرًا والمخلوق بالكلمة كلمة فيكون ذلك مخلوقًا ومن أمثلة ذلك:
قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ ٤ والمراد بالأمر هنا المخلوق المكوَّن بالأمر.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ ٥.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ ٦ فإذا قيل المسيح "كلمة الله" فمعناه المخلوق بالكلمة، إذ المسيح نفسه ليس كلامًا٧.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التهجد، باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى، ح ١١٦٢. ٢ أخرجه مسلم في صحيحه ١/٣٥٢. ٣ مجموع الفتاوى ١٧/١٥٢. ٤ الآية ١ من سورة النحل. ٥ الآية ٤٥ من سورة آل عمران. ٦ الآية ١٧١ من سورة النساء. ٧ مجموع الفتاوى ١٧/١٥٢
[ ٢٧ ]
وكقوله في الحديث الصحيح للجنة: "أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي" كما قال للنار: "أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ولكل واحدة منكما ملؤها"١.
فالرحمة هنا عين قائمة بنفسها لا يمكن أن تكون صفة لغيرها٢.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب قوله: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ ح ٤٨٥. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء ٨/١٥١، طبعة دار المعرفة. ٢ مجموع الفتاوى ١٧/١٥٢
[ ٢٨ ]