المطلب الأول: تعريف الصفات.
حدود الأشياء وتفسيرها الذي يوضحها، تتقدم أحكامها، فإن الحكم على الأشياء فرع عن تصورها. فمن حكم على أمر من الأمور - قبل أن يحيط علمه بتفسيره، ويتصوره تصورًا يميزه عن غيره - أخطأ خطأً فاحشًا١.
فلابد عند الحكم على الشييء من أن يكون مسبوقًا بتصور ماهية المحكوم عليه والمحكوم به، فإن كل تصديق بشييء لابد أن يكون مسبوقًا بتصور٢.
والغرض من وضع الحدود والتعريفات هو التمييز بين المحدود وبين غيره من جهة.
وكذلك فإن من وظيفته تفصيل ما دل عليه الاسم بالإجمال، فالحدود والتعريفات تساعد على تصور حقيقة المحدود، ولذلك كان من شرطها أن تكون جامعة مانعة.
فلابد أن يكون الحد جامعًا حتى يتصور السامع حقيقة المحدود، ولابد كذلك أن يكون مانعًا ليتميز المحدود عن غيره٣.
ومن هذا المنطلق لابد من تعريف للصفات يساعد على تصور مضمون هذا اللفظ من جهة ويحدد الفروق بين الصفة والاسم من جهة، وبين الصفة والخبر
_________________
(١) ١ انظر التوضيح والبيان لشجرة الإيمان ص ٧. ٢ التصور: إدراك المفردات، كإدراك لفظ (محمد) وكذلك إدراك لفظ (رسول) . وأما التصديق: فهو إدراك نسبة الرسالة لمحمد وتصديقك لهذه النسبة. ٣ درء تعارض العقل والنقل ٣/٣١٩، ٣٢٠ (بتصرف) .
[ ١١ ]
من جهة أخرى؛ كما يحدد الفرق بين ما يضاف إلى الله إضافة صفة وما يضاف إلى الله إضافة تشريف وتكريم
والتعريف الذي سأذكره هاهنا هو تعريف الصفات الثبوتية، وأما تعريف الصفات السلبية (أي المنفية) فسيأتي عند ذكر أقسام الصفات.
ضابط الصفات: هي ما قام بالذات الإلهية مما يميزها عن غيرها، ووردت به نصوص الكتاب والسنة.
شرح مفردات التعريف:
أ- "ما قام بالذات" يخرج من هذا التقييد ما كان من إضافة المُلْك والتشريف، إذ الإضافة إلى الله نوعان:
النوع الأول: إضافة مُلْك وتشريف وضابطها: كل ما يضاف إلى الله ويكون عينًا قائمة بنفسها، أو حالًا في ذلك القائم بنفسه.
ومثال ما يضاف ويكون عينًا قائمة بنفسها قوله تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ ١.
ومثال ما يكون حالًا في ذلك القائم بنفسه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ ٢ فهذا لا يكون صفة لأن الصفة قائمة بالموصوف.
النوع الثاني: إضافة الصفة إلى الله وضابطها: ما كان صفة قائمة بغيرها ليس لها محل تقوم به٣ وهي المقصودة هنا.
فالله لا يتصف إلا بما قام به لا بما يخلقه في غيره، وهذا حقيقة الصفة، فإن كل موصوف لا يوصف إلا بما قام به لا بما هو مباين له، صفة لغيره٤.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما إضافة الوصف إلى الله فتعريفها: ما
_________________
(١) ١ الآية ١٣ من سورة الشمس. ٢ الآية ٢٩ من سورة الحجر. ٣ مجموع الفتاوى ١٧/١٥٢. ٤ مجموع الفتاوى ٦/٣١٨.
[ ١٢ ]
كان صفة قائمة بغيرها ليس لها محل تقوم به"١ أي قبل الإضافة والتخصيص.
ومن فوائد هذا التقييد الرد على زعم الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم الذين زعموا أن الصفة هي مجرد قول الواصف٢، فزعموا أن إضافة الصفات هي إضافة وصف من غير قيام معنى به٣ وهذا باطل، فإن حقيقة الصفة هي ما قام بالموصوف، فإن كل موصوف لا يوصف إلا بما قام به لا بما هو مباين له٤.
أـ "بالذات الإلهية"
لفظ "الذات" في أصل اللغة تأنيث ذو، وهذا اللفظ لا يستعمل إلا فيما كان مضافًا إلى غيره كأسماء الأجناس، ويتوصلون به إلى الوصف بذلك فيقال: فلان ذو علم وذو مال وشرف.
وحيث جاء لفظ ذو في القرآن أو لغة العرب وكذا لفظ "ذات" لم يجىء مقرونا إلا بالإضافة كقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ ٥ وقوله: ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ٦، وقول خُبيب ﵁ الذي في صحيح البخاري
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع٧
فاسم الذات في كلام النبي ﷺ، والصحابة، والعربية المحضة بهذا المعنى.
_________________
(١) ١ رسالة العقل والروح مطبوعة ضمن الرسائل المنيرية ٢/٣٨، ٣٩. ٢ انظر مجموع الفتاوى ٦/٣١٨، ٣٤١. ٣ انظر مجموع الفتاوى ٦/١٤٧، ١٤٨. ٤ انظر مجموع الفتاوى ٦/٣١٨. ٥ الآية ١ من سورة الأنفال. ٦ الآية ٧ من سورة المائدة. ٧ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، ما يذكر في الذات والنعوت وأسامي الله ﷿ ح ٧٤٠٢
[ ١٣ ]
ثم أطلقه المتكلمون وغيرهم على النَّفْس، فإنهم لما وجدوا الله في القرآن قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ ١، ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَه﴾ ٢ وصفوها فقالوا: نفس ذات علم، وقدرة، ورحمة، ومشيئة، ونحو ذلك. ثم حذفوا الموصوف وعرفوا الصفة فقالوا: الذات. وهي كلمة مولدة ليست من العربية العرباء.
فهذا لفظ يقتضي وجود صفات تضاف الذات إليها٣، فأطلق بإزاء النفس٤.
ب - "مما يميزها عن غيرها"
في هذا إشارة إلى وظيفة الصفة، فالله ﷿ وصف نفسه بصفات كثيرة، تَعَرَّفَ بها إلى عباده، وهذه الصفات هي التي تميز الخالق ﷿ عما سواه وتُظْهِرُ للعباد كمال الرب ﷿ وعظمة شأنه، وجلال قدرته، وتزيد العبد معرفة بالله ﷿، ولا شك أن حاجة الناس إلى معرفة ربهم هي أعظم الحاجات، ولذلك تَعَرَّفَ الله لعباده بصفاته، ليكون ذكرهم له أعظم وأكثر، "وكلما كانت حاجة الناس إلى معرفة الشييء وذكره أشد وأكثر، كانت معرفتهم به وذكرهم له أعظم وأكثر، وكانت طرق معرفته أكثر وأظهر، وكانت الأسماء المعرِّفة له أكثر، وكانت على معانيه أدل"٥.
وهذا الشأن حاصل في باب أسماء الله وصفاته، فالله هو أجل معلوم
_________________
(١) ١ الآية ١١٦ من سورة المائدة. ٢ الآية ٢٨ من سورة آل عمران. ٣مجموع الفتاوى ٦/٩٨، ٣٤١ (بتصرف) . ٤ وانظر درء تعارض العقل والنقل ٤/١٤٠، ١٤١. ٥ درء تعارض العقل والنقل ٣/٣٣٠.
[ ١٤ ]
وأعظمه وأكبره. ولذلك كان العلم بأسماء الله وصفاته وأفعاله أجل العلوم وأشرفها وأعظمها، فمن عرف الله عرف ما سواه ومن جهل ربه فهو لما سواه أجهل، فالعلم بالله أصل كل علم وهو أصل علم العبد بسعادته وكماله ومصالح دنياه وآخرته، والجهل به مستلزم للجهل بنفسه ومصالحها وكمالها وما تزكو به وتفلح به، فالعلم به سعادة العبد والجهل به أصل شقاوته١.
وعلى أساس العلم الصحيح بالله وأسمائه وصفاته يقوم الإيمان الصحيح والتوحيد الخالص، وتنبني مطالب الرسالة جميعها.
فالمعرفة لله تَلْزَمُ العبد المؤمن لينعقد بها أصل الإيمان ولتجعله في سلامة من الكفر والشرك المخرجين من الإيمان.
جـ - "ووردت به نصوص الكتاب والسنة"
أي يجب الوقوف في هذا الباب على ما جاءت به نصوص الكتاب والسنة الصحيحة، فلا نثبت لله تعالى من الصفات إلا ما دل الكتاب والسنة على ثبوته.
قال الإمام أحمد: "لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ لا يُتَجاوز القرآن والحديث"٢.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "القول الشامل في جميع هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، وبما وصفه به السابقون الأولون لا يُتَجاوز القرآن والحديث"٣.
ولدلالة الكتاب والسنة على ثبوت الصفات ثلاثة أوجه:
_________________
(١) ١ مفتاح دار السعادة ١/٨٦. ٢ مجموع الفتاوى ٥/٢٦. ٣ الفتوى الحموية ص ٦١.
[ ١٥ ]
الوجه الأول: التصريح بالصفة.
كالعزة في قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ ١.
وقوله ﷺ: "أعوذ بعزتك الذي لا إله إلا أنت"٢.
والقوة في قوله تعالى: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ ٣.
والرحمة في قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ ٤.
واليدين في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ٥.
والبطش في قوله تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ ٦.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إضافة الصفة إلى الموصوف كقوله تعالى: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه﴾ ٧، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ﴾ ٨، وفي حديث الاستخارة "اللهم إني أستخيرك بعلمك، واستقدرك بقدرتك" ٩، وفي الحديث الآخر "اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق" ١٠، فهذا في الإضافة الاسمية.
وأما بصيغة الفعل فكقوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ ١١، وقوله
﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ ١٢.
أما الخبر الذي هو جملة اسمية فمثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ١٣، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١٤.
_________________
(١) ١ الآية ١٠ من سورة البقرة. ٢ أخرجه البخاري ٤/١٩٤، ومسلم ٤/٢٠٨٦. ٣ الآية ١٦٥ من سورة البقرة. ٤ الآية ١٣٣ من سورة الأنعام. ٥ الآية ٦٤ من سورة المائدة. ٦ الآية ١٢ من سورة البروج. ٧ الآية ٢٥٥ من سورة البقرة.
[ ١٦ ]
وذلك لأن الكلام الذي توصف به الذوات:
١- إما جملة ٢- أو مفرد
فالجملة إما اسمية: كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
أو فعلية: كقوله: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوه﴾ .
أما المفرد فلا بد فيه من:
١ـ إضافة الصفة لفظًا أو معنى كقوله: ﴿بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ وقوله: ﴿هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّة﴾ ١.
٢ـ أو إضافة الموصوف كقوله: ﴿ذُو الْقُوَّة﴾ ٢"٣.
الوجه الثاني: تضمن الاسم للصفة.
فمن الأمور المتقررة في عقيدة أهل السنة والجماعة أن أسماء الله الحسنى متضمنة للصفات، فكل اسم يدل على معنى من صفاته ليس هو المعنى الذي دل عليه الاسم الآخر.
فالعزيز متضمن لصفة العزة وهو مشتق منها.
والخالق متضمن لصفة الخلق وهو مشتق منها.
والرحيم متضمن لصفة الرحمة وهو مشتق منها.
فأسماء الله مشتقة من صفاته.
وترجع أسماء الله الحسنى من حيث معانيها إلى أحد الأمور التالية:
١- إلى صفات معنوية: كالعليم، والقدير، والسميع، والبصير.
٢- ما يرجع إلى أفعاله: كالخالق، والرازق، والبارئ، والمصور.
٣- ما يرجع إلى التنزيه المحض ولا بد من تضمنه ثبوتًا إذ لا كمال في العدم
_________________
(١) ١ الآية ١٥ من سورة فصلت. ٢ الآية ٥٨ من سورة الذاريات. ٣ مجموع الفتاوى ٦/١٤٤، ١٤٥.
[ ١٧ ]
المحض: كالقدوس، والسلام، والأحد.
٤- ما دل على جملة أوصاف عديدة ولم يختص بصفة معينة بل هو دال على معنى مفرد نحو: المجيد، العظيم، الصمد١
الوجه الثالث: التصريح بفعل أو وصف دال عليها أي ما فيها معنى الصفة والفعل مثل قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ٢.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٣.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ ٤.
وقوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ ٥.
وقوله تعالى: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ ٦.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَه﴾ ٧.
وقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ٨.
وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ﴾ ٩.
وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ ١٠.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش﴾ ١١.
وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ ١٢.
وبما تقدم من شرح لمفردات التعريف أرى أنه هذا التعريف هو المناسب لتعريف الصفات والله أعلم.
_________________
(١) ١ بدائع الفوائد ١/١٥٩، ١٦٠ (بتصرف) . ٢ الآية ١٦٤ من سورة النساء. ٣ الآية ٨٢ من سورة يس. ٤ الآية ١ من سورة المائدة. ٥ الآية ١٤ من سورة الحج. ٦ الآية ٩٣ من سورة النساء. ٧ الآية ٢٨ من سورة محمد. ٨ الآية ١١٩ من سورة المائدة.
[ ١٨ ]