ولقد تحدثنا عن صفات الله تعالى بالجملة في الأبواب السابقة بل قسمناها إلى عدة أقسام من حيث معانيها ومدلولاتها، من صفات سلبية ومعنوية وثبوتية، وذاتية وصفات أفعال والصفات الخبرية.
وأخيرًا تحدثنا بالتفصيل عن عشرين صفة مختارة حيث حددنا موقف كل من السلف والخلف منها من حيث المعنى، ومن حيث التأويل وعدم التأويل. فبعد هذا كله من المستحسن جدًا أن نتحدث عن علاقات الصفات بعضها ببعض من حيث الآثار والمعاني على سبيل التقريب، فنقول وبالله التوفيق:
صفات الله تعالى صفات كمال، أسماؤه تعالى كلها حسنى لأنها متضمنة للأوصاف، فالعلاقة بين الأسماء والصفات، أن الصفات من معاني الأسماء ومأخوذة منها غالبًا، ثم إن أسماء الله تعالى كلها أوصاف كمال وصفاته كلها أسماء حسنى، وهي أعلام وأوصاف في وقت واحد. والوصف بها لا ينافي العلمية بخلاف أوصاف العباد تنافي العلمية في الغالب، إلا أسماء رسول الله ﷺ، فإنها تتضمن الأوصاف كالحاشر والعاقب والماحي، ومحمد ﷺ.
فمن أسمائه تعالى: العليم الحكيم، السميع البصير، مثلًا فهذه أعلام دالة على الذات العلية المتصفة بالعلم والحكمة والسمع والبصر، وهكذا سائر صفات الله تعالى، فصفات الله تعالى يمكن أن يقال فيها: إنها
[ ٣٤٧ ]
مترادفة كلها بالنسبة لعلاقتها بالذات حيث تتواد كلها على موصوف واحد كما يليق به وهو الله سبحانه.
وأما بالنسبة لبعضها فقد تكون مترادفة من حيث المعنى أو متقاربة مثل المحبة والرحمة والفرح والتعجب والضحك. بل نستطيع أن نقول: إن الصفات التي ذكرت بعد المحبة في هذا السياق إنما هي آثار من آثار المحبة غالبًا وما أكثر آثارها.
وهناك صفات متقابلة: كالرفع والخفض والإعزاز والإذلال، والعطاء والمنع والأولية والآخرية، والظاهرية والباطنية، والنفع والضر، والقبض والبسط، ويدل على هذا الصنف قوله ﵊ - وهو يثني على الله سبحانه -: "أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء" ١.
ومن أسماء الله تعالى التي لا تطلق إلا متقابلة: (المعطي المانع)، (النافع الضار)، (المعز المذل)، (القابض الباسط)، (العفو المنتقم) وهو لم يرد إلا مقيدًا مثل قوله تعالى: ﴿فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ﴾، ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ .
ويشهد لما ذكرنا قوله ﵊ وهو يثني على الله تعالى دبر كل صلاة: "اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد" ٢.
وهنا صفات متضادة من حيث معانيها: مثل الغضب والسخط مع الرضاء، ومثل الكراهة مع الحب، ويدل لهذا الصنف استعاذة النبي عليه
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في الدعوات ١/٣٦ مع شرح النووي. ٢ أخرجه البخاري في الدعوات ١١/١٣٣ من حديث المغيرة بن شعبة.
[ ٣٤٨ ]
الصلاة والسلام حيث يقول ﵊: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" ١.
وللإمام ابن القيم بحث لطيف في هذه النقطة وهو يتحدث عن معاني الأسماء والصفات المتقابلة إذ يقول ﵀: ومنها ما لا يطلق عليه بمفرده بل مقرونًا بمقابله كالمانع والضار، والمنتقم، فلا يجوز أن يفرد هذا عن مقابله، فإنه مقرون بالمعطي والنافع والعفو، فهو المعطي المانع، النافع الضار، العفو المنتقم، المعز المذل، لأن الكمال في اقتران كل اسم من هذه الأسماء بما يقابله لأنه يراد به التفرد بالربوبية وتدبير شئون الخلق٢ اهـ.
والتصرف فيهم عطاء ومنعًا ونفعًا وضرًا، وعفوًا وانتقامًا، حسبما تقتضيه حكمته البالغة الخافية على خلقه في الغالب.
إن اتصافه تعالى بهذه الصفات المزدوجة، المأخوذة من أسمائه المتقابلة وبالصفات المتضادة في معناها على ما تقدم، والمترادفة باعتبار الذات والمتباينة باعتبار ما بينها في الغالب الكثير، إن الاتصاف بهذه الصفات لهو الكمال الذي لا يشاركه فيه أحد، لدلالته على شمول القدرة الباهرة والحكمة البالغة، والتفرد بشئون الكون كله. لا إله غيره ولا رب سواه
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه. ٢ ابن القيم في بعض كتبه.
[ ٣٤٩ ]