فإن الإسلام وسط في الملل بين الأطراف المتجاذبة والسنة في الإسلام كالإسلام في الملل فالمسلمون في صفات الله تعالى وسط بين اليهود الذين شبهوا الخالق بالمخلوق فوصفوا الخالق بالصفات التي تختص بالمخلوق وهي صفات النقص فقالوا إن الله فقير وإن الله بخيل وإن الله تعب لما خلق العالم فاستراح وبين النصارى الذين شبهوا المخلوق بالخالق فوصفوه بالصفات المختصة بالخالق فقالوا هو الله.
والمسلمون وصفوا الخالق بصفات الكمال ونزهوه عن صفات النقص ونزهوه أن يكون شيء كفوا له في شيء من صفات الكمال فهو منزه عن صفات النقص مطلقا ومنزه في صفات الكمال أن يماثله فيها شيء من المخلوقات.
[ ٢ / ٣١٠ ]
وكذلك هم في الأنبياء وسط فإن اليهود كما قال فيهم: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ (سورة البقرة ٨٧) وكذلك كانوا يقتلون الأنبياء ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس.
والنصارى غلوا فأشركوا بهم ومن هو دونهم قال الله فيهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (سورة التوبة ٣١) .
والمسلمون آمنوا بهم كلهم ولم يفرقوا بين أحد منهم فإن الإيمان بجميع النبيين فرض واجب ومن كفر بواحد منهم فقد كفر بهم كلهم ومن سب نبيا من الأنبياء فهو كافر يجب قتله باتفاق العلماء وفي استتابته نزاع قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (سورة البقرة ١٣٦) .
وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ (سورة البقرة ١٧٧) .
وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا
[ ٢ / ٣١١ ]
إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (سورة البقرة ٢٨٥-٢٨٦) والآية الأخرى وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: " من قرأ الآيتين في آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه " وقد ثبت عنه في الصحيح "أنه كان يقرأ في ركعتي الفجر بسورتي الإخلاص ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وتارة يقرأ في الأولى بآية الإيمان التي في البقرة: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية وفي الثانية بآية الإسلام في آل عمران: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (سورة آل عمران ٦٤) .
وكذلك المسلمون وسط في النسخ فإن اليهود قالوا ليس لرب العالمين أن يأمر ثانيا بخلاف ما أمر به أولا والنصارى جوزوا لرؤوسهم أن
[ ٢ / ٣١٢ ]
يغيروا شريعة المسيح فيحللوا ما شاءوا ويحرموا ما شاؤوا والمسلمون قالوا رب العالمين يأمر بما يشاء له الخلق والأمر وليس لأحد من الخلق أن يغير دينه ولا يبدل شرعه ولكن هو يحدث من أمره ما يشاء فينسخ ما يشاء.
ويثبت ما يشاء وكذلك في الشرائع كالحلال والحرام فإن اليهود حرمت عليهم طيبات أحلت لهم عقوبة لهم وعليهم تشديد في النجاسات يجتنبون أشياء كثيرة طاهرة مع اجتناب النجاسة والنصارى لا يحرمون ما حرمه الله ورسوله بل يستحلون الخبائث ويباشرون النجاسات وكلما كان الراهب أكثر ملابسة للنجاسات والخبائث كان أفضل عندهم والمسلمون أباح الله لهم الطيبات وحرم عليهم الخبائث وهم وسط في سائر الأمور وليس هذا موضع بسط ذلك.
وكذلك أهل السنة في الإسلام فهم في الصحابة وسط بين الرافضة التي يغلون في على فيجعلونه معصوما أو نبيا أو إلها وبين الخوارج الذين يكفرونه.
وهم وسط في الوعيد بين الوعيدية من الخوارج والمعتزلة وبين المرجئة الذين لا يجزمون بتعذيب أحد من فساق الأمة.
وهم في القدر وسط بين النفاة للقدر من المعتزلة وغيرهم وبين الجهمية المثبتة الذين ينكرون حكمة الله في خلقه وأمره.
وهم في الصفات وسط بين المعطلة الذين ينفون صفات الله أو بعضها ويشبهونه بالجماد والمعدوم وبين الممثلة الذين يمثلون صفاته
[ ٢ / ٣١٣ ]
بصفات خلقه فيصفون الله بصفات خلقه فيصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تعطيل ولا تمثيل ومن غير تكييف ولا تحريف.
فمن حيث بعث محمد ﷺ لم يكن الإسلام إلا ما أمر به لأن الإسلام أن يستسلم العبد لله رب العالمين لا لغيره فمن استسلم له ولغيره فجعل له ندا فهو مشرك قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ (سورة البقرة ١٦٥) .
ومن استكبر عن عبادة الله فلم يستسلم له فهو معطل لعبادته وهو شر من المشركين كفرعون وغيره قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (سورة غافر ٦٠) .
والإسلام إنما يكون بأن تعبد الله وحده لا شريك له وإنما يعبد بما أمر به فكل ما أمر به فهو حين أمر به من دين الإسلام وحين نهى عنه لم يبق من دين الإسلام كما كانت الصخرة أولا من دين الإسلام ثم لما نهى عنها لم تبق من دين الإسلام فلهذا صار المتمسك بالسبت وغيره من الشرائع المنسوخة ليس من دين الإسلام فكيف بالمبدل.
والله تعالى قط لم يرض له دينا غير الإسلام ولا أحد من رسله لا سيما خاتم الأنبياء فإنه لم يرض من أحد إلا بدين الإسلام لا من
[ ٢ / ٣١٤ ]
المشركين ولا من الذين أوتوا الكتاب وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ إلى آخرها وهي كلمة تقتضي براءته من دينهم وأن ديني لي وأنتم بريئون منه ودينكم لكم وأنا بريء منه.
كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (سورة يونس ٤١) فقوله: ﴿لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ هو نظير قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ وقرنه بمقتضاه وموجبه فقال: ﴿أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ .
ولهذا قال النبي ﷺ في هذه السورة: "هي براءة من الشرك" ولهذا كان يقرأها كثيرا مع ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في ركعتي الفجر وركعتي الطواف وغيرهما لأن فيهما التوحيد هذه فيها توحيد العمل والإرادة وتلك فيها توحيد القول والعلم وإذا قال في تلك ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أحد فأمره أن
[ ٢ / ٣١٥ ]
يقول ما هو خبر عن الله بأنه الأحد الصمد وقال في هذه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ فأمره أن يقول أنه لا يعبد ما يعبدون من دون الله إذ لا يعبد إلا الله وحده.
ومثل هذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ (سورة الشورى ١٥) أي لا خصومة والحجة هي ما يحتج به الخصم وإن كان باطلا فليس من شرط لفظ الحجة أن تكون حقا بل إذا كانت حقا سميت بينة وبرهانا ودليلا ولهذا قال تعالى: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (سورة النساء ١٦٥): ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (سورة البقرة ١٥٠) وهم المشركون يحتجون عليكم بحجة باطلة فيقولون قد رجع إلى قبلتنا فيوشك أن يرجع إلى ديننا وبهذا فسر الآية علماء الصحابة والتابعين لهم بإحسان ومن قال من المتأخرين إن إلا بمعنى الواو وقالوا إن المراد لئلا يكون للناس عليكم حجة والذين ظلموا منهم قولهم من الباطل الذي يظهر فساده من وجوه كثيرة.
[ ٢ / ٣١٦ ]
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ (سورة الشورى ١٦) وقال في الحق: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ (سورة الأنعام ٨٣) .
وقد قال ﷺ في الحديث المتفق على صحته: "إنكم تختصمون إليَّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو مما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعا من النار".
وقد قال طائفة من المفسرين أن هذه السورة منسوخة أي فيما ظنوها دلت عليه من ترك القتال فإنهم ظنوا أن قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ يتضمن ترك القتال ومعلوم أن الله لم يأمر نبيه بمكة بالقتال بل إنما أمره بالقتال بالمدينة وأول آية نزلت في القتال قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (سورة الحج ٣٩) فأذن الله لهم أولا فيه ثم كتب عليهم ثانيا فقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ (سورة البقرة ٢١٦) .
[ ٢ / ٣١٧ ]
وكتب عليهم قتال من لم يسالمهم فأما من سالمهم فلم يؤمروا بقتاله كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (سورة الأنفال ٦١) وقال: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ (سورة النساء ٩٠) .
ولهذا كان بين النبي ﷺ وبين كثير من المشركين عهود مطلقة ومؤقتة فالمؤقتة كانت لازمة والمطلقة لم تكن لازمة بل لكل منهما فسخها فلما فتح الله مكة وغزا النبي ﷺ تبوك سنة تسع من الهجرة وهي آخر غزواته أمر فيها بغزو أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون بقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (سورة التوبة ٢٩) .
ولما رجع من غزوة تبوك أنزل الله سورة براءة وذكر أحوال المنافقين بقوله (ومنهم)، (ومنهم) ولهذا تسمى الكاشفة والمبعثرة والفاضحة وأمر بنبذ العهود المطلقة وتحريم الحرم على الكفار
[ ٢ / ٣١٨ ]
فأرسل النبي ﷺ أبا بكر أميرا على الموسم وأمره أن ينهى عن طواف العراة بالبيت وأن ينهى المشركين عن الحج ولهذا كان ينادي في الموسم ولا يحجن بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان وأتبعه بعلي بن أبي طالب لأجل نبذ العهود إلى المشركين الذين كانت لهم عهود مطلقة وكان أبو بكر هو الأمير على الموسم وعلي معه يصلي خلفه ويأتمر بأمره لكن أرسله النبي ﷺ لأنه كان من عادة العرب أن العهود لا يعقدها ولا يحلها إلا المطاع أو رجل من أهل بيته فخاف إن لم يبعث واحدا من أهل بيته أن لا يقبلوا نبذ العهود ولم يرجع أبو بكر إلى المدينة ولا عزله عن شيء كان ولاه وما روى من ذلك فهو من الكذب المعلوم أنه كذب.
وكان تأميره على علي بعد قوله لعلي في غزوة تبوك أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى كما قد بسط في موضعه فقال
[ ٢ / ٣١٩ ]
الله تعالى في براءة: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (سورة التوبة ١) إلى قوله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (سورة التوبة ٤) إلى قوله: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (سورة التوبة ٤) .
وقد ظن طائفة من الفقهاء أنه لا يجوز أن يعاهد الكفار إلا إلى أجل مسمى ثم اضطربوا فقال بعضهم يجوز نقضه ولا يكون لازما وقال بعضهم بل يكون لازما لا ينقضي واضطربوا في نبذ النبي ﷺ العهد والصحيح أنه يجوز العهد مطلقا ومؤجلا فإن كان مؤجلا كان لازما لا يجوز نقضه لقوله: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ (سورة التوبة ٤) وإن كان مطلقا لم يكن لازما فإن العقود اللازمة لا تكون مؤبدة كالشركة والوكالة وغير ذلك وقد بسط هذا في غير هذا الموضع وسمي من قال كل قول.
والمقصود أن الله لما أنزل براءة وقال فيها: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (سورة التوبة ٥) وهي الأربعة التي قال الله فيها: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ (سورة التوبة ٢) ليست الحرم التي هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب وقد قال بعضهم هي هذه وغلط في ذلك قال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ
[ ٢ / ٣٢٠ ]
وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (التوبة ٥) وهذه تسمى آية السيف فأمر الله فيها بقتال المشركين وأهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
ولهذا قال في آية الفتح: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ (سورة الفتح ١٦) وهم الروم وفارس كانوا أشد بأسا من العرب ولا بد من مقاتلتهم أو إسلامهم وإذا قوتلوا فإنهم يقاتلون حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون بخلاف ما كان قبل آية الجزية فإنهم كانوا تارة يقاتلون وتارة يعاهدون بلا جزية كما عاهد النبي ﷺ اليهود والمشركين بلا جزية وكانوا قد دعوا عام الحديبية إلى قتال من يقاتل أو يعاهد وبعد ذلك يدعون إلى قتال من يقاتلون أو يسلمون ولم يقل أو يسلموا فإنه كان يكون المعنى حتى يسلموا وقتالهم لا يجب إلى هذه الغاية بل إذا أعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فقد قوتلوا القتال المأمور به.
ثم العلماء مختلفون بعد نزول آية الجزية هل تؤخذ من أهل
[ ٢ / ٣٢١ ]
الكتاب ومن له شبهة كتاب دون غيره أو تؤخذ من كل كافر جازت معاهدته والنبي ﷺ إنما لم يأخذها من العرب لأن قتالهم كان قبل نزول آية الجزية أو يستثنى مشركو العرب فيها ثلاثة أقوال للعلماء مشهورة والجمهور يجوزون أخذها من مشركي الهند والترك وغيرهم من أصناف العجم كما يجوز الجميع معاهدة هؤلاء عند الحاجة أو المصلحة وهل يجوز أن يعاهدوا عهدا مطلقا أو لا يكون إلا مؤقتا على قولين.
فلهذا يوجد كثير من المفسرين يقول في آيات يظن معناها النهي عن القتال إنها منسوخة بآية السيف فالذين قالوا: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ منسوخة هذا مأخذهم والصواب أن هذه الآية لم تتعرض للقتال لا بأمر ولا بنهي بل مضمونها البراءة من دين الكفار وهذا أمر محكم لا ينسخ أبدا وأما أن يقال فيها أو في غيرها رضي الرسول بدين كافر فهذا لم يقله أحد من علماء المسلمين أصلا ولا أحد من سلف الأمة ولا من الأولين ولا من الآخرين ولا يقول ذلك إلا من هو مفتقر
[ ٢ / ٣٢٢ ]
على الله ورسوله لم يرض الله بغير دين الإسلام وهو الذي بعث الله به محمدا ﷺ لم يرض الله ولا رسوله من أحد من الخلق بغير هذا الدين قط وإن كان لم يأمر بجهادهم في أول الأمر لعجز المسلمين وقلتهم.
ولهذا لما استأذن الأنصار النبي ﷺ ليلة العقبة لما بايعوه في الجهاد قال إني لم أومر بذلك بعد ثم لما كتب القتال كرهه بعضهم فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (سورة النساء ٧٧) وهذه الآية لبسطها موضع آخر.
والمقصود هنا ذكر ما يتعلق بالفلاسفة والفلسفة لفظ يوناني ومعناها محبة الحكمة والفيلسوف في لغتهم محب الحكمة ولهذا يقولون سوفستيا أي حكمة مموهة ثم كثرت في الألسنة فقيل سفسطة أي حكمة مموهة وأما ما يقوله طائفة ممن يحكي مقالات الناس إن في العام رجلا كان اسمه سوفسطا وأنه كان هو شيعته ينكرون الحقائق كلها وجعلوا هذه أربع فرق فرقة تجزم بنفي الحقائق وطائفة تجزم بنفي العلم بها وتقول ليس عند أحد منهم علم بشيء وطائفة واقفة يقولون لا ندري تسمى المتجاهلة وتسمى اللاأدرية وطائفة تجعل الحقائق تتبع العقائد فكل من اعتقد شيئا فهو في نفس الأمر على ما اعتقد فهذا النقل على ظاهره باطل ليس في العالم طائفة معروفة تقول بشيء من هذه الأقوال في كل شيء ولا رجل اسمه سوفسطا.
[ ٢ / ٣٢٣ ]
ولكن كل من هذه الأقوال قد يعرض لكثير من الناس في بعض الأمور فيكون قد سفسط في ذلك الأمر كالكفار الذين جحدوا ما علموا أنه الحق.
قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (سورة النمل ١٤) وقال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (سورة البقرة ١٤٦) وقال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (سورة الأنعام ٣٣) .
فإن في العالم من يكذب فيخبر بخلاف ما يعلم في كثير من الأمور ليس في العالم من يكذب في كل ما يقول وكذلك في العالم من كذب بكثير من الحق الذي يعلمه لكن لا يكذب بكل ما يقال له من الحسيات وغيرها فمن نفى الحقائق مع علمه بها ونفى العلم مع ثبوته فهو من الكاذبين ومن تجاهل وقال لا أدري فهو من الكاتمين ما معه من الحق مثل كاتم الشهادة ومن جعل الحقائق تتبع العقائد كما يظن طائفة من النظار أن ليس في الحوادث التي ليس فيها نص قاطع عندهم حكم معين يطلب بالاجتهاد بل الحكم فيها يتبع الإعتقاد ولهذا قيل في هذا المذهب أوله سفسطة ولكن هو سفسطة حدثت على طائفة من النظار الأذكياء فإن هذا قول أبي الهذيل وأبي
[ ٢ / ٣٢٤ ]
علي وأبي هاشم والأشعري في أظهر قوليه وقول القاضي أبي بكر وأبي حامد الغزالي وغيرهم.
وهو وإن كان قولا ضعيفا مخالفا للكتاب والسنة وإجماع السلف باطل شرعا وعقلا فالقائلون به قوم فضلاء قصدهم الحق لم يكن غرضهم أن يقولوا ما يعلمون أنه باطل وقد بسط الكلام على هذه المسألة في مواضع.
والمقصود أن الفلاسفة هم حكماء اليونان وكل أمة من أهل الكتب المنزلة وغيرهم فلهم حكماء بحسب دينهم كما للهند المشركين حكماء وكان للفرس المجوس حكماء وحكماء المسلمين هم أهل العلم بما بعث الله به رسوله وأهل العمل به قال مالك الحكمة معرفة الدين والعمل وقال ابن قتيبة وغيره الحكمة في اللغة هي العلم والعمل فمن علم ما أخبرت به الرسل فآمن به وصدق بعلم ومعرفة وعلم ما أمر به فسمع وأطاع فقد أوتي الحكمة ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا.
فلما كان هذا أصل لفظ الفلسفة صار هذا مطلقا على كل من سلك سبيل أولئك اليونان واتبعهم في حكمتهم والذين اتبعوهم من المتأخرين فصرحوا فيها بأشياء وقربوها إلى الملل وإلا فإذا ذكرت على وجهها ظهر فيها من الباطل ما ينفر عنها كل عاقل عرف دين الرسل فإن الرسل فد جاءوا من العلم والبيان في الأمور الإلهية ما يكون في حكمة اليونان معه من جنس نسبة طب العجائز إلى طب أبقراط أو من جنس نسبة ملحة الإعراب إلى كتاب سيبويه.
[ ٢ / ٣٢٥ ]
وإذا كان كذلك فلاسفة اليونان وفلاسفة العرب والفرس والهند وسائر الأمم الذين لا كتاب لهم ليسوا في الأمور الإلهية بمنزلة علماء أهل الكتاب من اليهود والنصارى بل هؤلاء أعلم منهم بالأمور الإلهية ثم هؤلاء كلهم إذا جاءهم رسول وكذبوه فهم كفار وإن كانوا على شريعة رسول يعملون بها بلا تبديل فهم مؤمنون مسلمون من أهل الجنة وإن لم يكونوا على شريعة ولا جاءهم رسول فهم من أهل الجاهلية كأمثالهم من أهل الفترات وقد بسط الكلام عليهم في غير هذا الموضع.
والفلاسفة الذين بلغتهم دعوة محمد ﷺ بعضهم من المتظاهرين بالإسلام وبعضهم من اليهود وبعضهم من النصارى وكل من خالف ما جاءت به الرسل فهو ضال من أي الطوائف كان فإن الله بعثهم بالحق والمعقول الصريح دائما يوافق ما جاءت به الرسل لم يخالف العقل الصريح شيئا مما جاءت به الرسل وقد بسط هذا في الكتاب المصنف في درء تعارض العقل والنقل.
والفلاسفة المتظاهرون بالإسلام يقولون إنهم متبعون للرسول لكن إذا كشف حقيقة ما يقولونه في الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر تبين لمن يعرف ما جاء به الرسول وما يقولونه في نفس الأمر أن قولهم ليس هو قول المؤمنين بالله ورسوله والمسلمين بل فيه من أقوال الكفار والمنافقين شيء كثير.
وفرق أهل الكلام مع بدعهم وضلالهم أقرب إلى الرسول وإلى دين الإسلام خارجيهم وشيعيهم ومعتزليهم وكراميهم لكن غالب
[ ٢ / ٣٢٦ ]
هؤلاء ناظروهم مناظرة فاسدة سمعا وعقلا فلا هم عرفوا دين الإسلام في كثير من المسائل التي نازعوهم فيها بل صاروا يضيفون إلى دين الإسلام ما ليس منه ولا قالوا في الاستدلال والجواب عن معارضيهم ما هو حق بل ردوا باطلا بباطل وقابلوا بدعة ببدعة.
لكن باطل الفلاسفة أكثر وهم أعظم مخالفة للحق المعلوم بالأدلة الشرعية والعقلية في الأمور الإلهية والدينية من أولئك المبتدعين من أهل الكلام ولكن ضعف معرفة هؤلاء المتكلمين بالحق وأدلته سلطت أولئك كالجند الفساق إذا قاتلوا عسكر الكفار قتالا لم يكونوا فيه بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء وكان ذلك مما يسلط الكفار عليهم وإن غلبوهم بالفجور والظلم أديلوا عليهم فإن البغي مصرعه وخيم والعدل واجب لكل أحد على كل أحد في كل حال وإنما أرسل الله الرسل وأنزل الكتب ليقوم الناس بالقسط.
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (سورة الحديد ٢٥) وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ (سورة الشورى ١٧) وقال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (سورة الرحمن ٧) .
[ ٢ / ٣٢٧ ]
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (سورة المائدة ٨) فأمر الله المؤمنين بالعدل على الكفار وإن كانوا يبغضونهم بغضة أمر الله بها ورسوله قال تعالى: ﴿إِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ (سورة المائدة ٤٢) وقال: ﴿وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (سورة البقرة ١٩٠) .
وقد تكلم أهل البدع معهم في مسألة حدوث العالم والمعاد والصفات والنبوات بما أضافوا إلى دين المسلمين من الأقوال التي ليست في كتاب الله ولا في حديث عن رسول الله ولا قالها أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا أحد من أئمة المسلمين وإنما هي مأخوذة عن أهل الكلام المبتدع المحدث المذموم عند السلف والأئمة الذي أصله مأخوذ عن الجهمية والمعتزلة فصارت الأصول التي يذكرها أهل البدع وأتباعهم التي هي يضاف بعضها إلى الله ورسوله ودين الإسلام ويناظر عليها عند من لم يعرف إلا أقوال أهل البدع والمتكلمين والفلاسفة الملحدين بل ومنها ما يظن بل يحكى أنها إجماع المسلمين وأن من خالفها فقد خرج عن دين الإسلام وتكون تلك الأصول من البدع المحدثة في الإسلام المخالفة لقول الله ورسوله والصحابة والتابعين بإحسان.
وقد بسطنا في غير هذا الموضع الكلام في خلق الله للسموات والأرض في ستة أيام وما جاء به القرآن والحديث الصحيح وما قاله الصحابة والتابعون وما أخبر به أيضا في المعاد من انشقاق السماء
[ ٢ / ٣٢٨ ]
وانفطارها وتسيير الجبال وسجر البحار وتكوير الشمس والقمر وغير ذلك مما فيه استحالة أجزاء هذا العام من حال إلى حال ليس في شيء من ذلك أن العالم كله بعدم ولا يبقى شيء موجود إلا الله كما يقوله من يقوله من أهل الكلام الذين تلقوا ذلك عن الجهمية.
فإن الجهم أصل قوله أن الله لا يقدر على فعل ما لا يتناهى بل جعل لفعله مبدأ ومنتهى وجعله معطلا في الأزل والأبد ولهذا قال إن الجنة والنار يفنيان ويفنى كل شيء وهذا من بدعه التي أنكرها عليه السلف والأئمة وادعى هو وغيره من المعتزلة وغيرهم أن العالم يعدم كله ثم يعاد كله بعد عدمه كله وهذا مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف كما قد بسط في موضعه.
وكذلك خلق السموات والأرض قد أخبر أنه كان قبل ذلك عرشه على الماء وقد بسطنا القول في هذه المواضع وبينا ما جاء به السمع وهو مطابق للعقل من أن الله خالق كل شيء وكل ما سواه محدث مسبوق بالعدم وذلك غير تعطله سبحانه عن القول والعمل بمشيئته فإن هذا ليس هو قول السلف وأئمة السنة بل الثابت عنهم خلاف ذلك كما قد بسط في موضعه.
ولهذا تكلم الجهمية والقدرية ومن تبعهم في مسألة قدرة الرب بكلام ناقص جدا ومن نظر في بحوث الرازي وأمثاله معهم في مسألة القادر رأى عجائب ورأى أن الواحد من هؤلاء كأنه يبطن خلاف ما يظهر، يظهر الانتصار لقوله وكلامه يدل على نقيضه فإن كان مع ظهور رجحان أحد القولين لا يشعر برجحانه فهذا جهل عظيم.
[ ٢ / ٣٢٩ ]
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
وأولئك أثبتوا موجبا بالذات مستلزما لمعلوله مجردا عن الصفات وهذا فاسد من وجوه كثيرة قد بينا بعضها وهؤلاء أثبتوا قادرا يرجح أحد المتماثلين بلا مرجح أصلا وقالوا القادر من يفعل مع جواز أن لا يفعل وهذا إنما هو قول القدرية الذين يقولون إن العبد يرجح أحد مقدوريه بلا مرجح وهو قول الجهمية والقدرية في فعل الرب فأما أهل السنة فعندهم القادر لا يرجح أحد مقدوريه إلا بمرجح وهذا من حججهم على القدرية.
يقول أهل السنة إن الله خص المطيعين بما به رجحوا الطاعة على المعصية دون العصاة ولولا تفضله عليهم بما به رجحوا لم يطيعوه كما قد بسط هذا في موضعه والقادر إذا كان له إرادة تامة لزم وجود مقدوره فهو يوجب بقدرته ومشيئته ما يريده وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وكل ما شاءه الرب فواجب كونه وما لم يشأ فيمتنع كونه لكن وجوب لوجود مشيئته وامتناع لعدم مشيئته وإذا فسر القادر المختار بمثل هذا بطلت شبه الفلاسفة النافية للقادر المختار وكذلك الجهم بن صفوان ومن اتبعه يزعمون أن القادر المختار يرجح أحد المتماثلين على الآخر بلا سبب ولا حكمة فأنكروا ما في الأجسام من الطبائع وما في خلق الله وأمره من الحكمة وما في المخلوقات والشرائع من الأسباب.
[ ٢ / ٣٣٠ ]
والأشعري ومن وافقه اتبعوا جهما على قوله في القدر وإن كانوا يثبتون قدرة وكسبا لكن ما أثبتوه لا حقيقة له في المعنى بل قولهم هو قول جهم وإن نازعوه في إثبات القدرة والكسب ولهذا كان قولهم في نفي ما في الشريعة من الحكم والأسباب خلاف إجماع السلف والفقهاء فإن من أصولهم أن الله لا يخلق لحكمة ولا يأمر لحكمة بل ليس عندهم في القرآن لام تعليل في خلقه وأمره وإذا تكلموا معهم في الأمور الطبيعية أحالوا جميع ذلك على مجرد ترجيح القادر بلا سبب وأن ما وجد من الاقتران فهو عادة محضة لا لارتباط بين هذا وهذا ثم قد يضيفون هذا القول إلى السنة.
وهذا القول لم يقله قط أحد من سلف الأئمة ولا أئمة المسلمين لا الأربعة ولا غيرهم بل المنصوص عنهم وعن غيرهم خلاف هذا القول وإن كان قد قاله طوائف من أصحابهم المتأخرين متابعة لمن قال ذلك من أهل الكلام المتبعين لجهم.
ولهذا لما تكلموا في العقل لم يجعلوه غريزة إذ كان عندهم ليس في الوجود غريزة ولا طبيعة ولا قوة يكون لها أثر أو تكون سببا في غيرها لا قدرة ابن آدم ولا غيرها فاحتاجوا إلى أن جعلوه نوعا من العلوم الضرورية وأتموا الأمر فيه.
والمنصوص عن أئمة الدين أن العقل غريزة كما ذكر ذلك أحمد بن حنبل والحارث المحاسبي وغيرهما.
[ ٢ / ٣٣١ ]
وليس هذا موضع بسط هذه المسائل وإنما المقصود التنبيه على أن الإنسان ينبغي له أن يعرف دين الإسلام الذي بعث الله به رسوله وما كان عليه الصحابة والتابعون وسلف الأمة وأن ذلك الأمر لا يمكن أن يخالفه معقول صحيح قط بل كل ما خالفه فهو باطل وأن المتكلمين الذين تلقوا أصل كلامهم عن الجهمية والقدرية ونحوهم في كلامهم باطل كثير أدخلوه في دين الإسلام وليس من دين الإسلام ولم يكن أحد منهم ممن يجزم بسعادته في الأولين والآخرين إلا من المؤمنين المسلمين كما دل القرآن على ذلك في غير موضع.
[ ٢ / ٣٣٢ ]