البطيخية وهو مما يعلم بالاضطرار فساده من دين الإسلام
وأما الإيمان بالرسل فقد ادعوا أن خاتم الأولياء أعلم بالله من خاتم الأنبياء وأن خاتم الأنبياء هو وسائر الأنبياء يأخذون العلم بالله من مشكاة خاتم الأولياء وهذا مناقض للعقل والدين كما يقال في قول القائل فخر عليهم السقف من تحتهم لا عقل ولا قرآن فإنه من المعلوم بالعقل أن المتأخر يستفيد من المتقدم دون العكس ومن المعلوم في الدين أن أفضل الأولياء يستفيدون من الأنبياء وأفضل الأولياء من هذه الأمة هم صالحو المؤمنين الذين صحبوا رسول الله ﷺ كما قال تعالى ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾
وأفضل هؤلاء أبو بكر وعمر باتفاق أئمة السلف والخلف والشيعة يفضلون عليا واتفق المسلمون على أن أفضل الأولياء بعد رسول الله ﷺ أما أبو بكر وأما علي وإن كان بعض الناس يحكي خلافا في غيرهما من الصحابة ومن قال من مخطئي الصوفية أنه قد يمكن أن يكون في المتأخرين من هو أفضل من أبي بكر وعمر كما ذكره الترمذي الحكيم في كتاب خاتم الأولياء واتبعه على ذلك
[ ١ / ٢٤٧ ]
ابن حمويه وأمثاله فهؤلاء مخطئون في ذلك بالكتاب والسنة والإجماع والترمذي مع فضله وعلمه لما صنف كتاب خاتم الأولياء أنكر المسلمون عليه ذلك وأخرجوه كما ذكر ذلك أبو عبد الرحمن السلمي في محنة الصوفية وقال إنهم نفوه وأخرجوه من بلدته وشهدوا عليه بالكفر وذلك بسبب تصنيف كتاب خاتم الولاية ونسبوه إلى القبائح في الدين وجاء إلى بلخ فقبله أهل بلخ بسبب موافقته إياهم على المذهب وفي هذا الكتاب من الكلام الباطل ما يعلم فساده بالاضطرار من دين الإسلام وهو الذي فتح الكلام في ختم الأولياء حتى جاءه هؤلاء المتأخرون الذين يدعي كل منهم أنه خاتم الأولياء كابن عربي وابن حمويه وغيرهما وأتى بالعظائم التي لم يسبق إليها الترمذي ولا غيره وفي كلام هؤلاء ونحوهم تفضيل بعض الأولياء على الأنبياء أو بعضهم وشيوخ الصوفية متفقون على تفضيل الأنبياء على الأولياء كما اتفق على ذلك سائر علماء المسلمين وقد ذكر أبو بكر الكلاباذي في كتابه اعتقاد الصوفية إجماع الصوفية على ذلك
[ ١ / ٢٤٨ ]
وهؤلاء الملاحدة من المتصوفة سلكوا مسلك ملاحدة الفلاسفة في تفضيل الفيلسوف الكبير على النبي ولهذا قال ابن عربي إن خاتم الأولياء يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى به إلى النبي وهذا قول من يقول من الكلابية أن جبريل أخذ القرآن عن الله إلهاما وعبر عنه بعبارته وهذا قول يخالف الكتاب والسنة والإجماع كما بسط الكلام عليه في مواضع أخر وقد يقال أن هذا مبني على أصل ملاحدة الفلاسفة وذلك أن المعدن الذي يأخذ منه النبي عندهم هو العقل الفعال والقوة العقلية التي يسمونها القوة القدسية ثم إن النفس تخيل ما يعقله الإنسان كما يتخيله النائم في منامه فيرى في نفسه صورا نورانية ويسمع أصواتا وهي في نفسه فيما يراه النبي ويسمعه عندهم هو في نفسه لا في الخارج وهذا يقع الصحيح منه لعامة المؤمنين ويقع فاسده لأهل الماخوليا ونحوهم من الممرورين والصور الخيالية التي في نفس النبي وغيره هي الملائكة عندهم فلهذا قال ابن عربي أنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى به إلى الرسول فإنه على لأصله في الإلحاد يقول يأخذ من العقل الذي هو القوة القدسية والنبي يأخذ من الصور الخيالية التي تأخذ من العقل ومن أخذ من العقل كان أكمل ممن يأخذ من الخيال الذي يأخذ من العقل ولهذا يدعي بعضهم أنه أفضل من موسى ابن عمران وأن التكليم الذي حصل لهم أعظم من التكليم الذي حصل لموسى لأن الكلام عندهم ليس خارجا عن نفس موسى بل هو فيض فاض عليه كما يفيض على غيره ولهذا يقول بعضهم كلم موسى من سماء عقله وصاحب
[ ١ / ٢٤٩ ]
مشكاة الأنوار أشار إلى هذا الأصل الفاسد ولهذا بنى ابن قسي على ذلك في كتابه في خلع النعلين وادعى في خلع النعلين أن وارداته عبرانية الأصل أي أشبه فيها موسى بن عمران حيث خلع الدنيا والآخرة فوردت عليه المخاطبات الإلهية ولهذا تكلم الناس في صاحب مشكاة الأنوار بالعظائم والمتفلسفة ينتحلونه لهذا الكتاب وأمثاله وأهل الانتصار له يقولون رجع عن هذا كله كما ذكر ذلك في غير كتاب ومنهم من يقول هذه الكتب مكذوبة عليه ليست من كلامه وأنكروا عليه في الأحياء وغيره أيضا مواضع مثل هذا وأمثاله كما فعل أتباع أبي القاسم القشيري وأتباع أبي المعالي الجويني كأبي الحسن المرغيناني وغيره وكما فعل صاحبه أبو بكر بن عربي وقال شيخنا أبو حامد دخل في بطن الفلاسفة ثم أراد أن يخرج منهم فما قدر وكذلك أبو بكر الفهري الطرطوشي وأبو عبد الله المازري وأبو الوفاء بن عقيل وأبو البيان الدمشقي وأبو الفرج بن الجوزي وأبو عبد الله محمد بن حمدين القرطبي وأبو محمد المقدسي وأبو عمرو بن الصلاح وغير هؤلاء والمقصود هنا أن الذين يزعمون أن تكليم الله لموسى فيض فاض عليه منهم من يقول أنه كلم أفضل مما كلم موسى وكان في زماننا من يقول هذا ويقول أن موسى كلم من وراء حجاب الحرف والصوت وهو يكلم دون ذلك الحجاب ومقصوده أنه سمع في نفسه حروفا وأصواتا وهي التي سمعها
[ ١ / ٢٥٠ ]
فإنه ليس عند هؤلاء أنه سمع شيئا خارجا عن ما في نفسه وتلك الحروف والأصوات الخيالية هي التي تبين له المعاني العقلية قالوا ونحن خوطبنا بتلك الحقائق العقلية من غير احتياج إلى هذه الواسطة وهذا من جنس قول شيخهم الطائي أن خاتم الأولياء يأخذ من المشكاة التي يأخذ منها الملك الذي يوحى به إلى الرسول ويقول أيضا أن الولاية أفضل من النبوة وولاية النبي عنده أفضل من نبوته ورسالته لأنه بزعمه من حيث الولاية يأخذ من الله بلا واسطة ومن حيث النبوة يأخذ بواسطة
[ ١ / ٢٥١ ]
وهذا الكلام قد يقولونه مطلقا وتوجيهه على أصولهم أن النبوة هي مقام تخييل المعقولات والولاية هي المعقول الصرف فالولي ترد عليه المعقولات صرفا والنبي من جهة ولايته له هذه المعقولات لكن جهة نبوته هي تخييل هذه المعقولات فيأخذ بواسطة الخيال وجهة رسالته عندهم أنزل الدرجات وهي جهة تبليغه للناس ولهذا قالوا:
مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي
وهذا قلب للحقيقة التي اتفق عليها المسلمون وهو أن الرسول أفضل من النبي الذي ليس برسول والنبي أفضل من الولي الذي ليس بنبي والرسالة تنتظم النبوة والولاية كما ان النبوة تنتظم الولاية وأن أفضل الأولياء أكملهم تلقيا عن الأنبياء وهو أبو بكر الصديق فإنه أفضل من عمر بن الخطاب ﵄ وعمر كان كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "أنه قد كان في الأمم
[ ١ / ٢٥٢ ]
قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر" فعمر كان محدثا ملهما وهو أفضل المحدثين من هذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس وليس في أولياء هذه الأمة من يأخذ عن الله سبحانه شيئا بلا واسطة نبي أفضل من عمر ومع هذا فكل ما يرد عليه بدون واسطة النبي عليه أن يعتبره بما جاء به النبي ﷺ فإن وافقه قبله وإن خالفه رده كما كان عمر بن الخطاب يفعل فإنه كان إذا وقع له شيء وجاءت السنة بخلافه ترك ما عنده لما جاءت به السنة حتى كانت المرأة إذا نازعته فيما قاله بآية من كتاب الله ترك ما رآه لما دل عليه النص
وهذا هو الواجب عليه وعلى كل من آمن بالله ورسوله فإن ما جاء به الرسول معصوم أن يستقر فيه خطأ قد فرض الله على خلقه تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر وأما ما يرد على قلوب الأولياء فليس معصوما وليس عليهم تصديقه بل وليس لهم العمل بشيء منه إذا خالف الكتاب والسنة
قال الشيخ أبو سليمان الداراني أنه ليقع بقلبي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين اثنين من الكتاب والسنة وقال أيضا: ليس لمن ألهم شيئا من الخير
[ ١ / ٢٥٣ ]
أن يفعله حتى يسمع فيه بأثر فإذا سمع فيه بأثر كان نورا على نور وقال الجنيد بن محمد علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدي به في هذا والمقصود أن عمر بن الخطاب إذا كان هو أفضل الأولياء الذين لهم من الله تحديث إلهي بغير واسطة نبي وقد روى الترمذي عن النبي ﷺ أنه قال: "لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر" وهذا حاله فكيف يكون غيره من الأولياء وكيف يكون ما يأخذه الولي بدون واسطة نبي أفضل مما يأخذه بواسطة النبي وذاك شيء لا يوثق به بمجرده ولا يعمل به إلاأن يعتبر بالكتاب والسنة وما جاء به الكتاب والسنة معصوم يجب تصديقه والعمل به ومع هذا فأبو بكر الصديق أفضل من عمر وأبو بكر لم يكن محدثا مثل عمر بل كان ياخذ من مشكاة النبوة ما يأخذه غيره عن التحديث
[ ١ / ٢٥٤ ]
وهذا أفضل وأكمل فإن من كان الرسول واسطة بينه وبين الله في كل شيء فهو أكمل وأفضل ممن الواسطة بينه وبين الله قلبه وإن كان ما يحدثه به قلبه عن ربه موافقا للكتاب والسنة كفضيلة أبي بكر على عمر ولهذا كان أفضل أولياء الله هم الصديقون الآخذون عن الأنبياء ﵈ فالأولياء تبع للأنبياء وإنما يقرنهم بهم فيجعل لهم طريقا إلى الله غير طريق الأنبياء ملاحدة الصوفية ونحوهم كما أن ملاحدة الفلاسفة يقرنون الفلاسفة بالأنبياء ويقولون اتفقت الأنبياء والحكماء وقالت الأنبياء والحكماء كما يفعل ذلك أصحاب رسائل إخوان الصفاء وأمثالهم وهذا كله من فعل من لم يؤمن بالرسل والنبيين الإيمان الذي يستحقونه وجعلهم من جنس غيرهم فيما يخبرون به ويأمرون به وجعل ما يأتون به من جنس ما يأتي به الذين سماهم هو أولياء وحكماء وهذا بناء على الأصل الفاسد وهو أن النبوة هي هذه الخصائص الثلاثة وهذه الخصائض مشتركة توجد لكثير من آحاد الناس
ومما يبين الفرق بين النبيين وغيرهم أن الله سبحانه أوجب الإيمان بما أوتيه كل نبي من غير استثناء كما قال تعالى ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ الآية وقال ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ
[ ١ / ٢٥٥ ]
الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ وأيضا فإنه أخبر بعضمة ما جاءت به الأنبياء ونسخ ما يلقيه الشيطان من الباطل في أمنياتهم قال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾
فإن قيل ففي قراءة ابن عباس أو محدث وبهذا احتج الحكيم الترمذي وغيره
قيل أولا هذه القراءة إذا ثبت أنها قراءة فلا يعرف
[ ١ / ٢٥٦ ]
لفظ بقية سائر الكلام معها كيف كان فإنها بتقدير صحتها إما من الحروف السبعة وإما مما نسخت تلاوته وعلى التقديرين فيجوز أن يكون نظم سائر الآية كان على وجه لا يدل على عصمة المحدث بل فيها نسخ ما يلقيه في أمينته النبي والرسول دون المحدث وإن ثبت أن الله تعالى كان ينسخ ما يلقى الشيطان في قلوب المحدثين قبلنا فلا يقتضي أن ذلك بوحي يأتيه بل يكون ذلك بعرضه ذلك على نبوات الأنبياء فإن خالف ذلك كان مردودا
وحينئذ فيكون حفظ الولي بمتابعة الكتاب والسنة ولا ريب أن السنة كما كان الزهري يذكر عمن مضى من سلف المؤمنين قال كان من مضى من علمائنا يقولون الاعتصام بالسنة نجاة وقال مالك السنة سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق
وإن قدر أن المحدث ممن قبلنا كان ينسح ما يلقيه الشيطان فيما يلقي إليه من غير استدلال بالنبوة فيكون من كان قبلنا كانوا مأمورين باتباع المحدث مطلقا لعصمة الله إياه ونحن لم نؤمر بذلك وسبب ذلك أن من كان قبلنا لم يكن يكفيهم نبوة واحدة بل كانوا يأخذون بعض الدين عن هذا النبي وبعضه عن هذا النبي بتصديق الآخر له كما كان أنبياء بني إسرائيل مأمورين باتباع التوراة وكما ان المسيح أحل لهم بعض ما حرم عليهم وأحالهم في أكثر الأحكام على التوارة
وأما نبوة محمد ﷺ فهي كافية لأمته كما قال تعالى ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
[ ١ / ٢٥٧ ]
وفي النسائي وغيره أن النبي ﷺ رأى بيد عمر بن الخطاب ورقة من التوراة فقال: "أمتهوكون يا ابن الخطاب كما تهوكت اليهود والنصارى لقد جئتكم بها بيضاء نقية لو كان موسى حيا ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم" وفي مراسيل أبي داود كفى بقوم ضلالة أن يتبعوا كتابا غير كتابهم أنزل إلى نبي غير نبيهم ونحن نعلم يقينا بالاضطرار من دين الإسلام أن محمدا رسول الله ﷺ أوجب الله تعالى علينا طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر ولم يأمر بطاعة غيره إلا إذا وافق طاعته لا نبيا ولا غير نبي ونحن إذا قلنا شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه فإنما ذاك لكونه مشروعا على لسان محمد بالأدلة الدالة على ذلك وقد علمنا بالاضطرار من دينه أن من أطاعه دخل الجنة فلا يحتاج مع ذلك إلى طاعة غيره لا نبي ولا محدث فلم يكن المتبعون لنبوته محتاجين إلى اتباع نبي غيره فضلا عن محدث قال تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
[ ١ / ٢٥٨ ]
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِينًا﴾ فقد أكمل الله الدين لأمته على لسانه فلا يحتاجون إلا إلى من يبلغ الدين الكامل لا يحتاجون إلى محدث ولهذا قال ﷺ: "أنه قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي فعمر" فلم يجزم بأن في أمته محدثا كما جزم أنه قد كان في الأمم قبلنا مع أن أمتنا أفضل الأمم وأكمل ممن كان قبلهم وذلك لأن أمتنا مستغنية عن المحدثين كما استغنوا عن نبي يأخذون عنه سوى محمد وما علموه من أمور الأنبياء فبواسطة محمد هو الذي بلغهم ما بلغهم من أمور الأنبياء وما لم يبلغهم إياه من أمور الأنبياء فلا حاجة لأمته به ولهذا لم يحجب عليهم معرفة ذلك حتى يميزوا بين صدقه وكذبه كما ثبت في صحيح البخاري عن رسول الله ﷺ قال: "إذا حدثكم أهل الكتاب بشيء فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم" فأمر بالإيمان العام المتناول لجميع
[ ١ / ٢٥٩ ]
ما جاءت به الأنبياء وما لم يعلم أن ناقلها عنهم صدق أو كذب لا تصدق ولا تكذب
وإذا كانت أمتنا مستغنية عن أن تأخذ من نبوة غير نبوة محمد فاستغناؤها عن المحدثين أولى ومن كانوا قبلنا كانوا محتاجين إلى الأنبياء فكذلك ربما احتاجوا إلى المحدثين وما احتاجت الأمم إليه من الأخبار الإلهية فلا بد أن يكون محفوظا معصوما لتقوم به الحجة ويحصل به مقصود الدعوة وهذا مما دل على وجوب عصمة ما جاءت به الأنبياء وعصمة ما جاء به نبينا بعد موته فحفظ الله الذكر الذي أنزله وقد أنزل عليه الكتاب والحكمة والحكمة هي السنة فحفظ الله هذا وهذا ولله الحمد والمنة
ومن وجد من هذه الأمة محتاجا إلى شيء غير ما جاء به الرسول فلضعف معرفته واتباعه لما جاء به الرسول مثل كثير منهم من يقول أنه يحتاج إلى الإسرائيليات وغيرها من أحوال أهل الكتاب وآخرون منهم من يقول أنهم محتاجون إلى حكمة فارس والروم والهند واليونان وغيرهم من الأمم وآخرون يقولون أنهم محتاجون إلى ذوقهم أو عقلهم أو رأيهم بدون اعتبار ذلك بالكتاب والسنة
ولا تجد من يقول أنه محتاج إلى غير آثار الرسول إلا من هو ضعيف المعرفة والاتباع لآثاره وإلا فمن قام بما جاء به الكتاب والسنة أشرف على علم الأولين والآخرين وأغناه الله بالنور الذي بعث به محمدا عما سواه
[ ١ / ٢٦٠ ]
قال الله تعالى ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وقال تعالى ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾
وأيضا فإنه أخبر أن وحي محمد كوحي النبيين كما في قوله ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾
وأيضا فمن خصائص الأنبياء أن من سب نبيا من الأنبياء قتل باتفاق الأئمة وكان مرتدا كما أن من كفر به وبما جاء
[ ١ / ٢٦١ ]
به كان مرتدا فإن الإيمان لا يتم إلا بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله
وأما الولي الذي ليس بنبي فلا يجب القتل بمجرد سبه ولا يكون مرتدا عن الإسلام من لم يؤمن به فمن غلا في الأولياء أو من يسميهم أولياء الله أو يسميهم أهل الله أو يسميهم الحكماء أو الفلاسفة أو غير ذلك من الأسماء التي يقرنها بأسماء الأنبياء وجعلهم مثل الأنبياء أو أفضل من الأنبياء فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل
فكيف بمن جعل الأنبياء يستفيدون من المسمى بخاتم الأولياء وجعل هذا المسمى بخاتم الأولياء هو بمنزلة منتظر الرافضة وبمنزلة غوث الغلاة من الصوفية وأمثالهم ممن يعتقد ما لا حقيقة له في الخارج جعله يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى به إلى الرسول فكيف بمن جعل النبي يأخذ من الصور الخيالية التي في نفسه المطابقة للعقل فيجعله يأخذ من العقل كما يأخذ ذوو العقول من الناس ويجعل النبوة حاصلها خلاصة العقل كما يقوله الطوسي شارح الإشارات وأمثاله من المتفلسفة الباطنية
والمقصود هنا بيان أن هؤلاء الذين يدعون التحقيق والمعرفة والولاية القائلين بوحدة الوجود أصل قولهم قول الباطنية من الفلاسفة والقرامطة وأمثالهم وأن هؤلاء من جنس فرعون لكن هؤلاء أجهل من فرعون وفرعون أعظم عنادا منهم فإن فرعون كان في الباطن مقرا بالصانع المباين للأفلاك ولكن أظهر الإنكار طلبا للعلو والفساد وأظهر أن ما قاله موسى لا حقيقة له قال تعالى ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ
[ ١ / ٢٦٢ ]
أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ وأما هؤلاء فإنهم عند أنفسهم مقرون بالصانع مثبتون له لكن لم يثبتوه مباينا للعالم بل جعلوا وجوده وجود العالم أو جعلوه حالا في العالم وقولهم مضطرب متناقض فإنهم مترددون بين الإتحاد والحلول وأصل ضلالهم إنكارهم مباينة الصانع للعالم وصارت قلوبهم تطلب موجودا وهي تأبى أن يكون مباينا للعالم فصاروا يطلبونه في العالم أو يجعلون وجوده هو وجود العالم فيجعلونه إما العالم وإما جزءا منه وإما صفة له وإما أن يقولوا هو العالم وليس هو العالم فيجمعوا بين المتناقضين وهو حقيقة قول ابن عربي فإنه يجعل وجوده وجود العالم ويقول إن ذات الشيء غير وجوده كما يقول من يقول أن المعدوم شيء فيفرق ين الوجود والثبوت وهذا فرق باطل فلهذا كان قوله متناقضا
وهكذا كثير من الناس يقولون بشيء من الحلول والاتحاد مع تناقضهم في ذلك كما يوجد شيء من ذلك في كلام كثير من الصوفية
والناس في هذا الباب على أربعة
أقوال فالقول الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه وكان عليه سلف الأمة وأئمتها هو القول بإثبات الصانع وأنه مباين للعالم عال عليه وأما الجهمية ونحوهم فصاروا على ثلاثة أقوال أحدها قول النفاة وهم أكثر متكلمي الجهمية ونظارهم الذين ينفون
[ ١ / ٢٦٣ ]
المتقابلين ويجمعون في قولهم بين سلب النقيضين فغلاتهم يقولون ليس بموجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت ونحو ذلك ومقتصدوهم يقولون لا مباين للعالم ولا داخل فيه ولا يقرب من شيء ولا بقرب إليه شيء ولا يصعد إليه شيء ولا يشار إليه ونحو ذلك
وهؤلاء النفاة قولهم مستلزم للتعطيل وإنكار الصانع كما صرح به فرعون أما المعطلة فلهذا صار عبادهم وصوفيتهم وعامتهم ومحققوهم إلى القول بالوحدة والحلول والإتحاد لأن القلب العابد يطلب موجودا يقصده ويسأله بخلاف النظر والبحث والكلام فإنه يتعلق بالموجود والمعدوم وأما العبادة والطلب والسؤال فلا يكون إلا لموجود فصار هؤلاء ينظرون فيما ذكره أولئك من سلب المتقابلين فلا تقبله قلوبهم وهم قد شاركوهم في نفي مباينة الله لخلقه وعلوه عليهم فصاروا يطلبون الإله الموجود في العالم لا مباينا للعالم فيترددون بين الحلول والإتحاد وأشباه ذلك من أنواع الإلحاد
وفيهم صنف ثالث أمثل من هذين يجمعون بين الحلول والمباينة وهو قول طائفة من الناس كأبي معاذ التومني وغيره وقد يوجد في كلام أبي طالب المكي
[ ١ / ٢٦٤ ]
وابن برجان من الكلام الذي أنكره طائفة من الشيوخ كالشيخ أبي البيان الدمشقي وغيره ما يقال أن فيه ما يشبه هذا وعامة هؤلاء يتكلمون بكلام متناقض أو بكلام لا حقيقة له إذ كان الأصل الذي بنوا كلامهم عليه أصلا باطلا والكلام في هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضع لكن شيوخ أهل العلم الذين لهم لسان صدق وإن وقع في كلام بعضهم ما هو خطأ منكر فأصل الإيمان بالله ورسوله إذا كان ثابتا غفر لأحدهم خطأه الذي أخطأه بعد اجتهاده
[ ١ / ٢٦٥ ]