والفريق الثاني وافقوهم على القدم وعلى أنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته وأن الكلام المعين صفة لازمة لذاته وأنه ما ثم إلا قديم لازم له بعينه وأما مخلوق منفصل عنه وأما ما يتعلق بقدرته ومشيئته ويقوم بذاته فأنكروه وادعوا كما ادعى أولئك وجود الحوادث بدون سبب حادث والترجيح بمجرد الإرادة مع تماثل وقت الفعل وغيره وقالوا القادر يرجح أحد المتماثلين بلا مرجح.
ثم رأوا قول أولئك أن الكلام العربي ليس بكلام الله ولم يتكلم الله به ولا يتكلم وإنما كلامه مجرد معنى هو حقائق مختلفة قولا مخالفا للمعقول والمنقول.
قالوا: فالكلام القديم هو الحروف والأصوات ومنهم من قال الحروف دون الأصوات فهي قديمة أزلية بأعيانها لا نقول بوجود شيء بعد شيء وأنه ما زال يقول يا آدم يا نوح يا موسى من الأزل إلى الأبد ولا يزال يقول ذلك وقال هؤلاء باقتران الحروف بعضها ببعض في الأزل وأن الياء والسين موجودتان معا في الأزل والترتيب بينهما إنما هو ترتيب في ذاتهما أو في ظهورهما لا في وجودهما.
[ ٢ / ٥٧ ]
وهذا قول طائفة من أهل الكلام والحديث والفقه حكاه الأشعري في المقالات عن طائفة قالته وقد وافقهم عليه طائفة من الفقهاء من أصحاب مالك وأحمد والشافعي وغيرهم.
فأنكر الجمهور هذا القول وقالوا هذا مخالف لصريح المعقول والمنقول فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (سورة يس ٨٢) وأن تخلص الفعل المضارع للاستقبال: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (سورة البقرة ٣٠) أي واذكر إذ قال ربك للملائكة والمؤقت بظرف معين لا يكون قديما أزليا.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (سورة آل عمران ٥٩) وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى﴾ (سورة طه ١١) ومثل هذا في القرآن كثير.
قالوا والصوت كالحركة توجد شيئا بعد شيء فيستحيل اقتران أوله بآخره ووجوده كله في وقت واحد وإنما يوجد متعاقبا ثم جمهور أرباب هذا القول قالوا هذا القرآن كلام الله وليست الأصوات المسموعة من القرآن صوت الله بل صوت الله غير ذلك ولكن هذا المسموع كلام الله وهو مسموع بصوت القارىء كما قال تعالى:
[ ٢ / ٥٨ ]
﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ (سورة التوبة ٦) وقال النبي ﷺ: "زينوا القرآن بأصواتكم" فأضاف الكلام إلى الله والصوت إلى القارىء.
وقالت طائفة: بل نفس هذا الصوت المسموع هو الصوت القديم أو مشتمل على الصوت القديم وقالوا إن القديم يظهر قرين الحركات المحدثة وإن الأصوات ليست فعل العباد لأنها إنما تكون فعلا لهم إذا كانت متولدة عن أفعالهم ونحن لا نقول بالتولد بل هي مضافة إلى الله بحسب ما توجبه الإضافة فإن كان بغير القرآن كانت مخلوقة له وإن كانت بالقرآن كانت صفة له وهي الصوت القديم.
[ ٢ / ٥٩ ]
فقال جمهور الأمة: هذا قول معلوم الفساد بالضرورة مخالف للمعقول والمنقول وهي نوع من البدع الباطلة شرعا وعقلا.
وقال الفريق الثالث: أنتم وإنما أوتيتم من حيث جعلتم أن الله لا يقدر أن يتكلم ولا يتكلم بقدرته ومشيئته وأنكرتم قيام الأفعال به لذلك فإنما أقول إن الله يتكلم بمشيئته وقدرته بكلام قائم به وإن كان حادثا وأنا أقول تحله الحوادث وليس في الأدلة ما ينفي هذا لا شرعا ولا عقلا بل العقل والنص متطابقان على إثبات ذلك.
وهذا قول طوائف كأبي معاذ التومني وزهير الأثري ومحمد بن كرام وأصحابه وطوائف غير هؤلاء أظن منهم هشام بن الحكم وغيره.
لكن هؤلاء قالوا: ليس الكلام ولا شيء منه قديما وإنه يتكلم بعد أن لم يكن متكلما كما يقول إنه فعل بعد أن لم يكن فعل لئلا يلزم وجود حوادث لا أول لها ويبطل الدليل الدال على حدوث العالم.
قالوا: ولكن هو يقول قادر على الكلام في الأزل كما قلتم أنتم
[ ٢ / ٦٠ ]
ونحن إنه قادر على الفعل في الأزل مع اتفاقنا جميعا على أن الفعل في الأزل ممتنع.
فهذه أربعة طوائف بل خمسة ممن يقول القرآن غير مخلوق والأخرى هم الخلقية.
وأما الفلاسفة القائلون بقدم العالم ومن دخل معهم من ملاحدة أهل الكلام والتصوف فعندهم ليس لله كلام منفصل عن نفوس الأنبياء وغيرهم وإنما كلامه أوجد فيها.
ومن العجب أنهم فروا من قدم صفاته وجعلوا فعله المنفصل عنه قديما لازما له ومن المعلوم أن قدم الصفات أقرب إلى المعقول من قدم المفعولات فإذا جاز أن يكون مفعوله المنفصل عنه لازما لذاته لا يفارقها ويكون واجب الوجود بذاته ملزوما للأجسام المنفصلة عنه فلم لا يكون ملزوما لصفاته القديمة.
ويقال لهؤلاء أنتم عندكم لا يمتنع قيام الحوادث بالقديم فإن الفلك قديم عندكم وهو محل الحوادث ولا يمتنع قدم الأجسام عندكم فإن الفلك جسم قديم عندكم ولا يمتنع قدم الموصوف والصفة عندكم فإن الفلك قديم عندكم بصفته اللازمة له فلماذا أنكرتم أن يكون القديم الواجب بنفسه متصفا بهذه الصفات.
فإن قلتم قيام الصفات تركيب والواجب لا يكون مركبا.
[ ٢ / ٦١ ]
قيل: قد قدمنا أن لفظ التركيب لفظ مجمل وأنه إن أريد ما ركبه غيره أو ما كان مفترقا فاجتمع أو ما يمكن انفصال بعضه عن بعض فهذا منتف وذلك غير لازم من اتصافه بالصفات والأفعال.
وهم لم يريدوا هذا وإنما أرادوا تعدد المعاني التي يتصف بها وهذا لا دليل على نفيه بل الأدلة تستلزم ثبوته وقيل لكم معنى قولكم لا يكون مركبا أي لا يكون موصوفا بصفات ولا يكون ملزوما لصفاته وأنتم عندكم هو ملزوم لمفعولاته ويقال أنتم عندكم أن الفلك واجب بوجوبه قديم بقدمه ومع هذا فهو متصف بهذا.
فإذا قلتم: هذا واجب بغيره وذاك واجب بنفسه.
قيل: ما ذكرتم من الفرق يقتضي أن أحدهما له موجب أبدعه والآخر ليس له مبدع أوجبه وهذا لا يتعلق بالصفات والأجزاء وغير ذلك فإنكم إذا قلتم لو كان موصوفا لكان مفتقرا إلى غيره والواجب لا يفتقر إلى غيره وإن أردتم بالافتقار إلى الغير المبدع فليس في ذلك افتقار إلى مبدع وإن أردتم أنه مستلزم لصفاته وأبعاضه ونحو ذلك فليس فيما ذكرتموه ما يوجب الفرق في ذلك بين ما له مبدع وما لا مبدع له وقد قال كثير منكم بأن الفلك واجب بذاته كانت هذه الحجة التي احتججتم بها عليهم حجة فاسدة كما قد بسط الكلام عليها في غير هذا الموضع.
وأما السلف والأئمة ﵃ فلم يقولوا شيئا من هذه الأقوال ولا بنوا على شيء من تلك الأصول المزلزلة بل كلامهم
[ ٢ / ٦٢ ]
مضمونه أن الله سبحانه لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات الكمال لم يزل قديرا ولم يزل عليما ولم يزل متكلما إذا شاء ولم يزل فاعلا لما شاء وأنه ﷾ لم يعدم كمالا ممكنا بل هو المستحق لأنواع الكمال الممكن الوجود وذلك واجب له ولا يقدر العباد أن يعلموا ما يستحقه الرب من الحمد والثناء بل قد قال أعلمهم بالله لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك.
والحمد والثناء إنما يكون بالأمور الوجودية أو ما يستلزم الأمور الوجودية فأما العدم المحض فلا مدح فيه ولا ثناء فإن المعدوم المحض لا يثنى عليه ولهذا لا يثني ﷾ على نفسه إلا بالصفات الثبوتية أو ما يستلزم ذلك كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (سورة البقرة ٢٥٥)
[ ٢ / ٦٣ ]
وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أن هذه الآية أعظم آية في القرآن كتاب الله وقد وصف نفسه فيها بالصفات الثبوتية وذكر فيها خمسة سلوب.
الأول: قوله: ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ فإنه يقتضي انفراده بالألوهية وذلك يتضمن انفراده بالربوبية وأن ما سواه عبد له مفتقر إليه وأنه خالق ما سواه ومعبوده وذلك صفة إثبات.
الثاني: قوله: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ وهذا يتضمن كمال الحياة والقيومية فإن السنة والنوم نقص في الحياة والقيومية والنوم أخ الموت ومن نام لم يمكنه حفظ الأمور فهو سبحانه منزه عن السنة والنوم تنزيها يستلزم كمال حياته وقيوميته والحياة والقيومية من الإثبات.
الثالث: قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ فإن هذا متضمن أنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه وهذا يتضمن كمال قدرته وخلقه وربوبيته وأن غيره لا يؤثر فيه بوجه من الوجوه كما يؤثر في المخلوقين من يشفع عندهم فيحملهم على الفعل بعد أن لم يكونوا فاعلين وإنما
[ ٢ / ٦٤ ]
الشفاعة عنده بإذنه فهو الذي يأذن للشفيع وهو الذي يجعله شفيعا ثم يقبل شفاعته فلا شريك له ولا عون بوجه من الوجوه وذلك يتضمن كمال القدرة والخلق والربوبية والغنى والصمدية.
الرابع: قوله: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾ فإن هذا يقتضي أنه الذي يعلم العباد ما شاء من علمه وأنه لا علم لهم إلا ما علمهم فبين أنه المنفرد بالتعليم والهداية لا يعلم أحد شيئا إن لم يعلمه إياه كما أنه المنفرد بالخلق والإحداث فهو الذي خلق فسوى وهو الذي قدر فهدى وأول ما نزل من القرآن: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (سورة العلق ١ ٥) .
الخامس: قوله: ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ أي لا يكرثه ولا يثقل عليه وهذا يقتضي كمال القدرة وتمامها وأنه لا تلحقه مشقة ولا حرج ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ (سورة ق ٣٨) فإن نفي اللغوب يقتضي كمال قدرته وانتفاء ما يضادها من اللغوب.
كذلك قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ (سورة الأنعام ١٠٣) نفى الإدراك الذي هو الإحاطة وذلك يقتضي كمال عظمته وأنه بحيث لا تدركه الأبصار فهو يدل على أنه إذا رئي لا تدركه الأبصار وهو يقتضي إمكان رؤيته ونفى إدراك الأبصار إياه لا نفي رؤيته فهو دليل على إثبات الرؤية ونفي إحاطة الأبصار به
[ ٢ / ٦٥ ]
وهذا يناقض قول النفاة وأما مجرد الرؤية فليست صفة مدح فإن المعدوم لا يرى ولهذا نظائر في القرآن.
والمقصود أن المدح والثناء لا يكون إلا في الإثبات فإنه إنما يكون بصفات الكمال والكمال إنما يكون في الأمور الوجودية فأما العدم فلا كمال فيه فمن لم يصفه إلا بالسلوب وقال إنه الوجود المقيد بالسلوب كما قال ابن سينا وأمثاله من الباطنية فهو لم يثبته ولم يجعله موجودا فضلا عن أن يكون موصوفا بالكمال ممدوحا مثنيا عليه سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن الكلام صفة كمال كما أن العلم والقدرة والسمع والبصر صفة كمال وأن المتكلم أكمل ممن لا يتكلم كما أن الحي أكمل من الجماد ولهذا عاب الله الجمادات المعبودة بأنها لا تتكلم كما في قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ (سورة طه ٨٩) وكذلك قول الخليل: ﴿مَا لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ﴾ (سورة الصافات ٩٢) سواء كان المراد بيان أن العابد أكمل من معبوده وهذا ممتنع أو بيان أن المعبود يجب أن يكون متصفا بصفات الكمال.
وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن من يتكلم بقدرته ومشيئته فهو أكمل ممن لا يتكلم بمشيئته وقدرته بل يكون الكلام المعين لازما لذاته ومن المعلوم أنه من لم يزل متكلما إذا شاء فهو أكمل ممن كان لا يمكنه الكلام ثم صار يمكنه.
قال هؤلاء: وكلام السلف والأئمة في هذا الباب متناسب
[ ٢ / ٦٦ ]
يصدق بعضه بعضا وهم أطلقوا القول بأن القرآن كلام الله غير مخلوق لما حدثت الجهمية والمعتزلة الذين كانوا يقولون هو مخلوق خلقه مباينا له فذكروا ما يناقض هذا الكلام فقالوا كلام الله غير مخلوق وقالوا منه بدأ وإليه يعود لأن هؤلاء يقولون لم يبتدىء منه وإنما يبتدىء من المحل المخلوق الذي خلق فيه.
فقال السلف: "منه بدأ" ردا على هؤلاء وقالوا لو كان مخلوقا منفصلا عنه لم يكن كلاما له بل كان كلاما للمحل الذي خلق فيه فإن الرب لا يتصف بما يخلقه في غيره ولم يقم به كما لا يتصف بما يخلقه في غيره من الألوان والطعوم والحركات.
والإضافة إليه إضافتان: إضافة صفة وإضافة عبودية فالأول كإضافة ما لا يقوم بنفسه من العلم والكلام ونحو ذلك والثاني كإضافة ما يقوم بنفسه كالعبد والروح والبيت والناقة والأرض ونحو ذلك فإن كانت إضافة الأعيان على وجهين إضافة ملك مجرد وإضافة اختصاص لكونه يعبد فيها أو لغير ذلك كإضافة الناقة والمسجد وغير ذلك.
ولهذا قال السلف: "كلام الله من الله وليس من الله شيء مخلوق" وقالوا: "كلامه منه وليس ببائن عنه" كل ذلك ردا على هؤلاء ولم يقل أحد منهم بأن الكلام معنى واحد قائم بالذات هو معنى التوراة والإنجيل ولا قال أحد منهم إن الأصوات التي تكلم الله بها توجد كلها غير متعاقبة توجد معا في آن واحد مقترنة قديمة أزلية وأن الصوت الذي سمعه موسى قديم أزلي لم يزل ولا يزال.
[ ٢ / ٦٧ ]
ولا قال أحد منهم: إن الله يتجدد له كونه متكلما بعد أن لم يكن ولم ينكر أحد منهم دوام فعل الله ولا أنه لم يزل متكلما إذا شاء بل قالوا إن الله يتكلم بصوت وأنه ينادي بصوت كما دلت عليه النصوص ولكن لم يقولوا إنه يتكلم بدون قدرته ومشيئته بل نطق بهذا غير واحد منهم كالإمام أحمد وغيره وسائرهم يقرون بذلك.
وقد احتج كثير منهم كسفيان بن عيينة وأحمد بن حنبل ونعيم بن حماد والبويطي صاحب الشافعي وغيرهم على أن القرآن غير مخلوق بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (سورة يس ٨٢) فلو كان كن مخلوقة لزم أن لا يوجد شيء من المخلوقات لأن كن تكون مخلوقة بكن أخرى وهلم جرا فلا يوجد شيء.
وقد يظن بعض من لم يفهم غور كلامهم وحقائق الأمور أن هذا منهم استدلال بإبطال التسلسل مطلقا وأن ذلك يناقض دوام كونه لم يزل متكلما إذا شاء وأن هذا تناقض منهم وليس الأمر كذلك بل التسلسل نوعان تسلسل في المؤثرات وهذا باطل بالاتفاق وتسلسل في الآثار المفعولات فهذا فيه نزاع فكثير من النظار يجيزه وكثير منهم لا يجيزه وكلام الأئمة مبني على قول من أجازه وفرق بين النوعين.
وذلك أن التسلسل في المؤثرات يقتضي أن لا يوجد شيء كما تقدم فإنه إذا لم يكن يوجد هذا حتى يوجد شيء آخر ولا يوجد الشيء الآخر حتى يوجد شيء آخر وهلم جرا فإنه يقتضي تقدير أشياء كلها حادثة بعد العدم مفتقرة إلى من يوجدها وليس فيها من يوجد شيئا بنفسه ولا موجود بنفسه.
[ ٢ / ٦٨ ]
ومعلوم أنه إذا لم يكن فيها موجود بنفسه لم تكن الجملة موجودة بنفسها بطريق الأولى فإن الجملة مفتقرة إلى كل واحد من الآحاد فإذا كان كل من الآحاد فقيرا ممكنا لا يوجد بنفسه فالمفتقر إليه أولى بالفقر وأولى ألا يكون موجودا بنفسه.
وتسلسل المفتقرات والمعدومات يقتضي كثرة المعدومات بل هذا تسلسل ممتنعات فإن ما لا يوجد حتى يوجد ما لا يوجد ممتنع وتقدير أمور كلها مفعولات ليس فيها غير مفعول مع أنه ليس لها فاعل مباين لها ممتنع ضرورة وكثرة الممتنعات المفتقرات لا تقتضي إمكان شيء منها فضلا عن وجوده.
والتسلسل في أصل تمام التأثير كالتسلسل في أصل التأثير والفاعل لا بد أن يكون حيا عالما قادرا مريدا فاعلا بنفسه فلا يجوز أن يقال لا يصير فاعلا لشيء حتى يجعله شيء آخر فاعلا وذلك الآخر لا يصير فاعلا حتى يجعله شيء آخر فاعلا إلى غير نهاية بل لا بد من إثبات فاعل بنفسه لم يجعله غيره فهو مثل أن يقال لا يوجد حتى يوجد ولا يجوز أن يقال لا يفعل شيئا حتى يعلم ولا يعلم حتى يعلمه غيره وذلك الغير لا يعلم حتى يعلمه غيره إلى غير نهاية بل لا بد من عالم بنفسه ولا يجوز أن يقال لا يقدر حتى يقدره غيره وذلك الغير لا يقدر حتى يقدره غيره إلى غير نهاية بل لا بد من قادر بنفسه.
وكذلك إذ قيل لا يكون فاعلا حتى يكون فاعلا ولا يكون عالما أصلا حتى يكون عالما ولا يكون قادرا أصلا حتى يكون قادرا فإذا
[ ٢ / ٦٩ ]
قال: لا يؤثر حتى يصير مؤثرا ولا يصير مؤثرا حتى يصير مؤثرا لم يصر مؤثرا بحال.
وأما إذا قيل: لا يكون مؤثرا في هذا حتى يؤثر في شيء آخر ولا يكون مؤثرا في ذلك الشيء حتى يكون مؤثرا في شيء قبله فهذا تسلسل في الآثار والتأثيرات المتعاقبة ليس هو تسلسلا في نفس أصل كونه مؤثرا فالتأثير الثاني ليس موقوفا على كون المؤثر في نفسه مؤثرا فإنه مؤثر بنفسه بل على حدوث تأثير قبل هذا التأثير فيلزم وجود تأثيرات متعاقبة فإن كان المؤثر مؤثرا في نفسه جاز ذلك.
ومعنى ذلك أن الرب تعالى لا يتوقف كونه خالقا على غيره أصلا وأما كونه خالقا لهذا فقد يكون مشروطا بخلقه لغيره فالتسلسل في التأثيرات المعينة تسلسل في الآثار.
وأما التسلسل في أصل الخلق فهو تسلسل في أصل التأثير وذلك ممتنع بخلاف التأثيرات المتعاقبة لآثار متعاقبة وأن كل تأثير في غير ما أثر فيه الأول وهذا تسلسل في الآثار وفي التأثيرات هي آثار لغيرها ليس تسلسلا في نفس أصل التأثير فإنه مؤثر بنفسه والممتنع هو أن لا يصير الشيء مؤثرا حتى يصير مؤثرا ولا يصير خالقا حتى يصير خالقا.
وبهذا احتج أئمة السنة ﵃ فإن الله قد قال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (سورة النحل ٤٠) وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (سورة يس ٨٢)
[ ٢ / ٧٠ ]
وقال: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (سورة البقرة ١١٧) .
فهذا يقتضي أنه إذا أراد شيئا فإنما أمره أن يقول له كن فيكون وقوله: ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ عام في ما يريده وهو لم يخلق شيئا إلا وقد أراده فاقتضى هذا انه لم يخلق شيئا إلا وقد قال له كن فلو كانت كن مخلوقة لكانت مخلوقة بكن أخرى وكذلك الثانية مخلوقة بكن أخرى وهلم جرا فيلزم ألا يخلق شيئا لأنه لا يصير خالقا لشيء حتى يخلق كن أخرى ولا يخلق كن حتى يخلق كن فلزم التسلسل في كونه خالقا وهو تسلسل في أصل التأثير وفي أصل كون المؤثر مؤثرا وهو تسلسل في أصل الخلق كالتسلسل في ذات الخالق.
فإذا قدر ذلك لزم أن لا يصير خالقا بحال كما إذا قيل لا يصير قادرا حتى يقدر أن يصير قادرا ولا يقدر أن يصير قادرا حتى يقدر أن يقدر أن يصير قادرا أو قيل لا يخلق شيئا حتى يجعل نفسه خالقا ولا يجعل نفسه خالقا حتى يخلق شيئا فإن هذا ممتنع.
وهذا بخلاف ما إذا قيل لا يخلق هذا حتى يخلق هذا ففرق بين أن يقال لا يخلق شيئا بحال حتى يخلق هذا أو لا يخلق شيئا بحال حتى يخلق ما به يصير خالقا وبين أن يقال لا يخلق هذا حتى يخلق هذا فالأول ممتنع بالاتفاق وأما الثاني ففيه نزاع بل يجب أن يكون خالقا بنفسه لا يتوقف كونه خالقا على كونه خالقا وإن توقف كونه خالقا لهذا على كونه خالقا لهذا فلما دل القرآن على أن قوله كن مما يخلق بها جميع المراد كانت من تمام الخلق فلم يجز أن تكون مخلوقة.
[ ٢ / ٧١ ]
وأيضا فإذا كانت مخلوقة فلا بد أن تخلق في محل ومحلها مخلوق قبلها وظاهر القرآن يخالف.
ذلك ولهذا زعم أبو الهذيل العلاف أنها مخلوقة لا في محل وأما ما يقوم بالرب تعالى من صفاته وأفعاله فليس مخلوقاته على طريقة الجمهور الذين يفرقون بين الخلق والمخلوق سواء قالوا إن عين الخلق قديم أو قالوا إنه حادث العين أو قالوا إنه حادث الأعيان وإن قدم نوعه.
وهذان القائلان يجعلان خلقه متعلقا بمشيئته وقدرته فإن هؤلاء كلهم خلقه عندهم وما يقوم بذاته من أفعاله ليس مخلوقا سواء قالوا إنه متعلق بمشيئته وقدرته أو قالوا إنه لا يتعلق بمشيئته وقدرته فإنه كما أن قوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (سورة الزمر ٦٢) لم يدخل فيه الخالق نفسه فلم يدخل فيه ما هو داخل على مسمى الخالق وهو ما قام به من صفاته وأفعاله.
والمحتجون بهذه الآية على أن القرآن غير مخلوق لهم قولان والنزاع في ذلك في جميع الطوائف بين أصحاب أحمد وبين أصحاب الشافعي وبين أصحاب مالك وغيرهم فالذين يقولون إن كن المعينة قديمة إما بلفظها ومعناها كما يقوله الاقترانية وإما بمعناها دون لفظها كما يقوله الاتحادية فإنهم ألزموهم أن الله تعالى قال: ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ﴾ وأن تخلص الفعل المضارع للاستقبال وأنه قال فيكون وهذا يقتضي أن يكون عقب قوله: "كن".
وأما الذين يقولون إنه يقول كن بقدرته ومشيئته ويقول: كن
[ ٢ / ٧٢ ]
بعد كن فهؤلاء لا يرد عليهم هذا السؤال كما يقول ذلك أكثر الذين قالوا إن القرآن غير مخلوق من أهل الحديث وأهل الكلام والفقهاء.
وعلى هذا فإذا قيل الحروف غير مخلوقة حروف المعجم كان صحيحا بمعنى النوع لا بمعنى أن الحرف المعين القائم بالشخص المعين في الزمن المعين غير مخلوق فنوع الحروف قديم وإن لم يكن المعين قديما وهكذا يقال في لوازم ذلك.
قال هؤلاء المتبعون للسلف والأئمة: فقد تبين بالمعقول المطابق للمنقول أن كلا الطائفتين مخطئة الذين قالوا بقدم العالم ولزومه للرب وانتفاء صفاته وأفعاله والذين قالوا بأن الرب لا يقوم به صفة ولا فعل ولا كلام وادعوا حدوث ما يقوم به من الصفات والأفعال بناء على طريقة حدوث الجسم لامتناع حوادث لا أول لها.
قالوا: ولهذا قال هؤلاء بتعطيل الرب في المستقبل كما قالوا بتعطيله في الماضي فادعوا فناء العالم كله أو فناء حركاته وأنه يبقى الرب بلا فعل أصلا كما ادعى ذلك الجهم وأتباعه وأبو الهذيل وأتباعه.
وآخرون يقولون: إن الله يفني العالم كله ثم يعيده ويدعون أن القيامة التي أخبرت بها الرسل هي فناء العالم كله ثم إعادته وهم متنازعون في فنائه هل يجب عقلا أو يجوز عقلا وإذا جاز عقلا فهل يجب سمعا أو يجوز سمعا؟
ومن المعلوم أن القرآن لم يخبر بفناء العالم في المستقبل قط كما لم يخبر بأن الله خلق السموات والأرض من غير شيء بل أخبر سبحانه
[ ٢ / ٧٣ ]
وتعالى بخلق السموات والأرض كما أخبر بخلق الإنسان والجن وغير ذلك من المخلوقات وأخبر أنه خالق كل شيء.
قال الله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ (سورة السجدة ٧: ٨) .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (سورة آل عمران ٥٩) .
وقال تعالى: ﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ (سورة الرحمن ١٤ ١٥) .
وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (سورة ص ٧١ ٧٢) .
وقال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ (سورة طه ٥٥) .
وقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ (سورة المؤمنون ١٢ ١٣) .
وفي الصحيح عن أبي موسى عن النبي ﷺ أنه قال: "خلقت الملائكة من نور وخلقت الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم".
[ ٢ / ٧٤ ]
فالله سبحانه قد أخبر بخلق الإنسان الذي هو آدم وبخلق ذريته شيئا بعد شيء في غير آية وأخبر أن ذلك مخلوق من غيره فالأصل مخلوق من الطين من التراب والماء ثم جعل صلصالا فيبس وجف وذلك بالهواء.
ولهذا قال النبي ﷺ: "حسب ابن آدم أكيلات يقمن صلبه فإن كان لا بد فاعلا فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس" وأخبر أنه خلق الجن من النار وأنه خلق الملائكة من النور ولم يذكر أنه خلق هذه الأصناف لا من شيء.
وكذلك أخبر عن خلق السموات والأرض فقال: ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ (سورة فصلت ٩ ١٠) قالوا الجميع في أربعة أيام: ﴿ثم استوى إلى السماء﴾: الدنيا ﴿وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ
[ ٢ / ٧٥ ]
فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (سورة فصلت ١١ ١٢) فأخبر أنه استوى إلى السماء وهي دخان قيل هو البخار الذي تصاعد من الماء الذي كان عليه العرش فإن البخار نوع من الدخان.
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (سورة البقرة ٢٩) .
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (سورة هود ٧) فأخبر أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام وأنه كان عرشه على الماء.
وفي صحيح البخاري والمسند وغيرهما عن عمران بن حصين أن بني تميم جاءوا إلى النبي ﷺ فقال النبي ﷺ: "اقبلوا البشرى يا بني تميم قالوا: قد بشرتنا فأعطنا فتغير وجه النبي ﷺ ثم جاء أهل اليمن فقال: اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم قالوا: قد قبلنا يا رسول الله جئناك لنتفقه في الدين ونسألك عن أول هذا الأمر؟ فقال: "كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السموات والأرض" وفي لفظ "ولم يكن شيء غيره" وفي لفظ آخر "ولم يكن معه شيء".
لكن الظاهر أن النبي ﷺ لم يقل إلا واحدة والأخريتان رويتا
[ ٢ / ٧٦ ]
بالمعنى فإن المجلس كان واحدا لم يتكرر ليقال: إنه قال كل لفظ في مجلس ولو كرر الألفاظ لذكر ذلك عمران.
ومثل هذا يقع كثيرا في الحديث كقوله في حديث المرأة التي عرضت نفسها عليه: "أنكحتكها بما معك من القرآن" وفي رواية أخرى "زوجتكها" وفي أخرى "أملكتها"
[ ٢ / ٧٧ ]
واللفظ الأول مطابق لما رواه مسلم في الصحيح عن النبي ﷺ أنه كان يقول: "اللهم رب السموات السبع ورب الأرض ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى منزل التوارة والإنجيل والقرآن أعوذ بك من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عني الدين وأغنني من الفقر".
فقوله: "أنت الأول فليس قبلك شيء" مطابق لقوله: " كان الله ولم يكن شيء قبله" والحديث دل بأنه كان عرشه على الماء وأنه كتب في الذكر كل شيء قبل أن يخلق السموات والأرض.
وهكذا جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ أنه قال: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء" فأخبر في
[ ٢ / ٧٨ ]
هذا الحديث الصحيح بما يوافق ذلك الحديث الصحيح أيضا أنه قدر المقادير قبل خلق السموات والأرض حين كان عرشه على الماء وكلاهما يوافق القرآن.
وفي حديث أبي رزين العقيلي الذي رواه أحمد والترمذي وغيرهما أنه قال للنبي ﷺ: أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال: "كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء ثم خلق العرش" فأخبر في هذا الحديث أنه خلق العرش كما أخبر في غير موضع من القرآن أنه رب العرش وكما دخل العرش في قوله خالق كل شيء ولم يدخل في خلق السموات والأرض في ستة أيام بل كان مخلوقا قبل ذلك.
[ ٢ / ٧٩ ]