وأصل الخطأ في هذا أن لفظ التأويل مجمل يراد به ما يؤول إليه الكلام فتأويل الخبر نفس المخبر عنه وتأويل أسماء الله وصفاته نفسه المقدسة بمالها من صفات الكمال ويراد بالتفسير التأويل وهو بيان المعنى المراد وإن لم نعلم كيفيته وكنهه كما أنا نعلم أن في الجنة خمرا ولبنا وماء وعسلا وذهبا وحريرا وغير ذلك وإن كنا
[ ١ / ٢٨٨ ]
لا نعرف كيفية ذلك ويعلم أن كيفيته مخالفة لكيفية الموجود في الدنيا ويراد بلفظ التأويل صرف اللفظ عن الإحتمال الراجح إلى الإحتمال المرجوح وهذا لا يوجد الخطاب به إلا في اصطلاح المتأخرين وأما خطاب الصحابة والتابعين فإنما يوجد فيه الأولان ولهذا قال أكثرهم أن الوقف على قوله ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ بناء على أن التأويل هو ما استأثر الله بعلمه وهو الكيف الذي لا نعلمه نحن كما قال الإمام مالك الإستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وكذلك سائر الأئمة قولهم مثل قول مالك ينفون علم الخلق بالكيف وعلمهم بالحكمة فلا يقولون في صفاته كيف ولا في أفعاله لم لأنهم لا يعلمون كيفية صفاته ولا لمية أفعاله وكثير من المتأخرين نفوا ثبوت ذلك في نفس الأمر لم ينفوا علم المخلوق به فالأولون يقولون لا تجري ماهيته في مقال ولا تخطر كيفيته ببال ويقولون منع الخلق أن يتفكروا في ماهية ذاته كما يقول مثل ذلك أبو محمد بن أبي زيد
[ ١ / ٢٨٩ ]
والشريف أبو علي بن أبي موسى وأبو الفرج المقدسي وغيرهم وكلام السلف كله موافق لقول هؤلاء كما في كلام عبد العزيز بن الماجشون نظير مالك بالمدينة قال أما بعد فقد فهمت ما سألت عنه فيما تتباعت الجهمية ومن خلفها في صفة الرب العظيم الذي فاتت عظمته الوصف والتقدير وكلت الألسن عن تفسير صفته وانحسرت العقول دون معرفة قدره إلى أن قال فأما الذي لا يحول ولا يزول ولم يزل وليس له مثل فإنه لا يعلم كيف هو إلا هو فكيف يعرف والذين نازعوهم من المتأخرين قالوا لا ماهية فتجري في مقال ولا كيفية له فتخطر ببال والنزاع موجود في أصحاب الأئمة الأربعة
[ ١ / ٢٩٠ ]
والمقوصد هنا أن السلف كان أكثرهم يقفون عند قوله ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ﴾ بناء على أن التأويل الذي هو الحقيقة التي استأثر الله بعلمها لا يعلمها إلا هو وطائفة منهم كمجاهد وابن قتيبة وغيرهما قالوا بل الراسخون يعلمون التأويل ومرادهم بالتأويل المعنى الثاني وهو التفسير فليس بين القولين تناقض في المعنى
وأما التأويل بمعنى صرف اللفظ عن مفهومه إلى غير مفهومه فهذا لم يكن هو المراد بلفظ التأويل في كلام السلف اللهم إلا أنه إذا علم أن المتكلم أراد المعنى الذي يقال أنه خلاف الظاهر جعلوه من التأويل الذي هوالتفسير لكونه تفسيرا للكلام وبيانا لمراد المتكلم به أو جعلوه من النوع الآخر الذي هو الحقيقة الثابتة في نفس الأمر التي استأثر الله بعلمها لكونه مندرجا في ذلك لا لكونه مخالفا للظاهر وكان السلف ينكرون التأويلات التي تخرج الكلام عن مراد الله ورسوله التي هي من نوع تحريف الكلم عن مواضعه فكانوا ينكرون التأويل الباطل الذي هو التفسير الباطل كما ننكر قول من فسر كلام المتكلم بخلاف مراده وقد ينكرون من التأويل الذي هو التفسير ما لا يعلم صحته فننكر الشيء للعلم بأنه باطل أو لعدم العلم بأنه حق ولا ينكرون ترجمة الكلام لمن لا يحسن اللغة وربما أنكروا من ذلك ما لا يفهمه المستمع أو ما تضره معرفته كما ينكرون
[ ١ / ٢٩١ ]
تحديث الناس بما تعجز عقولهم عن معرفته أو بما تضرهم معرفته كما قال علي ﵇ حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون أتحبون أن يكذب الله ورسوله وقال عبد الله بن مسعود: ما من رجل يحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم وهذا قد تحمله الباطنية على مذهب النفاة المعطلة التي بينا فسادها والأمر على نقيض ذلك فإن قوله: "أتحبون أن يكذب الله ورسوله" دليل على أن ذلك قد قاله رسول الله ﷺ لم يسكت عنه وهذا نظير الحديث المأثور إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا أهل العلم بالله فإذا ذكروه لم ينكره إلا أهل الغرة بالله فإن هذا الحديث وإن لم يكن ثابتا فقد ذكره شيخ الإسلام وكما ذكره أبو حامد الغزالي وقال يحيى بن
[ ١ / ٢٩٢ ]
عمار وصاحبه شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري المذكور وغيرهما أن هذا مثل أحاديث الصفات التي يضيق عنها من لم يسعها عقله وهؤلاء يردون على من حمل هذه الآثار على أقوال الباطنية كما يوجد شيء من ذلك في كلام أبي حامد وغيره فإنه من المعلوم بالإضطرار لمن عرف نصوص الرسول أنه جاء بالإثبات لا بالنفي وأن الرسل جاءوا بإثبات الصفات لله على وجه التفصيل مع التنزيه العام عن التعطيل والتمثيل وإنما جماع الشر تفريط في حق أو تعدي إلى باطل وهو تقصير في السنة أو دخول في البدعة كترك بعض المأمور وفعل بعض المحظور أو تكذيب بحق وتصديق بباطل ولهذا عامة ما يؤتى الناس من هذين الوجهين فالمنتسبون إلى أهل الحديث والسنة والجماعة يحصل من بعضهم كما ذكرت تفريط في معرفة النصوص أو فهم معناها أو القيام بما تستحقه من الحجة ودفع معارضها فهذا عجز وتفريط في الحق وقد يحصل منهم دخول في باطل إما في بدعة ابتدعها أهل البدع وافقوهم عليها واحتاجوا إلى إثبات لوزامها وإما في بدعة ابتدعوها هم لظنهم أنها من تمام السنة كما أصاب الناس في مسألة كلام الله وغير ذلك من صفاته
[ ١ / ٢٩٣ ]
ومن ذلك أن أحدهم يحتج بكل ما يجده من الأدلة السمعية وإن كان ضعيف المتن والدلالة ويدع ما هو أقوى وأبين من الأدلة العقلية إما لعدم علمه بها وإما لنفوره عنها وإما لغير ذلك وفي مقابلة هؤلاء من المنتسبين إلى الإثبات بل إلى السنة والجماعة أيضا من لا يعتمد في صفات الله على أخبار الله ورسوله بل قد عدل عن هذه الطريق وعزل الله ورسوله عن هذه الولاية فلا يعتمد في هذا الباب إلا على ما ظنه من المعقولات ثم هؤلاء مضطربون في معقولاتهم أكثر من اضطراب أولئك في المنقولات تجد هؤلاء يقولون أنا نعلم بالضرورة أمرا والآخرون يقولون نعلم بالنظر أو بالضرورة ما يناقضه وهؤلاء يقولون العقل الصريح لا يدل إلا على ما قلناه والآخرون يناقضوهم في ذلك ثم من جمع منهم بين هذه الحجج أداه الأمر إلى تكافؤ الأدلة فيبقى في الحيرة والوقف أو إلى التناقض وهو أن يقول هنا قولا ويقول هنا قولا يناقضه كما تجد من حال كثير من هؤلاء المتكلمين والمتفلسفة بل تجد أحدهم يجمع بين النقيضين أو بين رفع النقيضين والنقيضان اللذان هما الإثبات والنفي لا يجتمعان ولا يرتفعان بل هذا يفيد صاحبه الشك والوقف فيتردد بين الإعتقادين المتناقضين الإثبات والنفي كما يتردد بين الإرادتين المتناقضتين
وهذا هو حال حذاق هؤلاء كأبي المعالي وأبي حامد والشهرستاني والرازي والآمدي وأما ابن سينا وأمثاله
[ ١ / ٢٩٤ ]
فأعظم تناقضا واضطرابا والمعتزلة بين هؤلاء وهؤلاء في التناقض والإضطراب وسبب ذلك جعل ما ليس بمعقول معقولا لاشتباه الأمر ودقة المسائل وإلا فالمعقولات الصريحة لا تتناقض والمنقولات الصحيحة عن المعصوم لا تتناقض وقد اعتبرت هذا في عامة ما خاض الناس فيه من هذه الأمور دقيقها وجليلها فوجدت الأمر كذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله وقد يشكل الشيء ويشتبه أمره في الإبتداء فإذا حصل الإستعانة بالله واستهداؤه ودعاؤه والإفتقار إليه أو سلوك الطريق الذي أمر بسلوكها هدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ولم يكن في سلف الأمة وأئمتها من يرد أدلة الكتاب ولا السنة على شيء من مسائل الصفات ولا غيرها بل ينكرون على أهل الكلام الذين يعدلون عما دل عليه الكتاب والسنة إلى ما يناقض ذلك ولا كانوا ينكرون المعقولات الصحيحة أصلا ولا يدفعونها بل يحتجون بالمعقولات الصريحة كما أرشد إليها القرآن ودل عليها فعامة المطالب الإلهية قد دل القرآن عليها بالأدلة العقلية والبراهين اليقينية كما قد بسط الكلام فيه في غير هذا الموضع ولكن طائفة من أهل الكلام والفلسفة ظنوا أن دلائل القرآن إنما هي مجرد أخباره فيتوقف على العلم بصدق
[ ١ / ٢٩٥ ]
المخبر وهذا من بعض ما فيه من الأدلة ولكن فيه الإرشاد والبيان للأدلة التي يعلم بالعقل دلالتها على المطلوب فهي أدلة شرعية عقلية وغالب ما في القرآن من هذا الباب ولكن هذا ليس موضع بسط ذلك ولكن المقصود هنا التنبيه على حال هؤلاء أهل الإحاطة القائلين بالوجود المطلق
[ ١ / ٢٩٦ ]