وهذا الجواب لا يوافق دين أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى وهو باطل ولم يحصل به جواب عن أدلة الفلاسفة.
[ ٢ / ١١٣ ]
وهو باطل من وجوه:
أحدها: أن يقال فالنفس عند هؤلاء لا تكون إلا مقارنة للجسم فإنها متعلقة به تعلق التدبير وهم متنازعون هل هي جوهر أو عرض وحينئذ فوجود نفوس دون أجسام ممتنع فبطل أصل هذا الجواب.
الثاني: أن يقال دليل المعتزلة ومن وافقهم على حدوث الأجسام إنما هو لامتناع حوادث لا أول لها وهذا بعينه يقتضي حدوث النفس فإنه تقوم بها الحوادث فإذا امتنع أن تقوم بها الحوادث التي لا تتناهى لزم حدوثها فطريقة المعتزلة ومن وافقهم في حدوث الأجسام إن كانت صحيحة لزم حدوث النفوس مثل هذه الطريقة وإن كان باطلة بطل التفريق بين النفوس والأجسام فلزم على التقديرين أن يكون قول هؤلاء بحدوث الأجسام دون النفوس قولا باطلا.
الجواب الثالث: أن يقال دليل حدوث الأجسام الذي هو امتناع حوادث لا أول لها يوجب حدوث النفوس كما تقدم وأما العقول فبتقدير ثبوتها كما يدعيها هؤلاء المتفلسفة فهي قديمة لازمة لذات الله وهو تعالى موجب بذاته لها في الأزل إيجابا قديما دائما فقدم العقول مستلزم لكونه موجبا بذاته لشيء معين دائما وكونه محدثا للأجسام أو للأجسام والنفوس بعد أن لم تكن ينافي كونه موجبا بذاته في الأزل فإن الذي يفعل بعد أن لم يكن يفعل لا يكون إن قدر وجوده إلا فاعلا بالاختيار فصار هذا القول مستلزما لكونه موجبا
[ ٢ / ١١٤ ]
بالذات غير موجب بالذات وذلك جمع بين النقيضين فتبين أن القول بحدوث الأجسام مع قدم العقول جمع بين النقيضين فيكون باطلا.
وإيضاح هذا أنه إما أن يجوز أن يفعل بعد أن لم يفعل وإما أن لا يجوز فإن جاز ذلك كما يقوله من يقوله من أهل الكلام جاز حدوث كل ما سواه وإن لم يجز ذلك لزم أنه لم يزل فاعلا وحينئذ فإن قيل لم يزل فاعلا لشيء بعد شيء أمكن دوام الفاعلية مع حدوث كل ما سواه وإن قيل لم يزل فاعلا لشيء معين لم يكن فرق بين العقول وبين غيرها فالقول بقدم العقول مع حدوث الأجسام قول متناقض.
وبهذا يتبين أن ما استدل به من استدل من المتكلمين على حدوث الأجسام وإن كان صحيحا يستلزم حدوث كل ما سوى الله ويظهر خطأ متأخريهم الذين اعترضوا على متقدميهم بأن دليلهم على حدوث الأجسام والأعراض لا يتناول حدوث كل ما سوى الله لإمكان وجود العقول والنفوس التي يثبتها المشاؤون من الفلاسفة وإمكان قدمها قالوا والمتكلمون لم يقيموا دليلا صحيحا على نفي ما سوى الأعراض والأجسام وقد بينا بطلان كلام هؤلاء في غير موضع.
وللنظار في إبطاله طرق:
إحداها طريقة من يقول العلم بأن كل ممكن إما جسم وإما عرض قائم بالجسم علم ضروري كما ذكر ذلك غير واحد من أئمة النظار كأبي المعالي وغيره.
[ ٢ / ١١٥ ]
والثانية طريقة من يقول: الوجود لا يكون إلا مشارا إليه أو قائما بمشار إليه وكل موجودين فإما أن يكونا متباينين وإما أن يكونا متحايثين ومن هؤلاء من يصرح بأنه لا موجود إلا الجسم وما يقوم بالجسم كما هو مبسوط في غير هذا الموضع.
الطريقة الثالثة: أن يقال هب أنه لم يعلم انتفاء ما سوى الأجسام والأعراض لكن دليل حدوثها يستلزم حدوث كل ما سوى الله.
وهذا يتبين بالجواب الرابع: وهو أن يقال لا ريب أن النظار المثبتين لحدوث أجسام العالم وأعراضه من المعتزلة والكلابية والكرامية والهشامية والنجارية والضرارية والجهمية ومن وافقهم من الفقهاء والصوفية وأهل الحديث الذين بنوا ذلك على أن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث هم صنفان صنف يقول إن الجسم لا يخلو عن الحوادث وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث وهؤلاء يقولون بحدوث الأجسام وأعراضها مطلقا.
وصنف يقولون: إن الجسم نوعان: نوع يخلو عن الحوادث ونوع لا يخلو عن الحوادث فالذي لا يخلو عن الحوادث هو الحادث دون الأول كما يقول ذلك من يقوله من الهشامية والكرامية وغيرهم وعلى قول هؤلاء فالسكون أمر عدمي لا وجودي وحدوث الحوادث ابتداء في القديم بعد أن لم يكن كحدوث الحوادث عنه ابتداء بعد أن لم يكن فأدلة هؤلاء على حدوث الجسم
[ ٢ / ١١٦ ]
الذي لا يخلو عن الحوادث إن كانت صحيحة لزم حدوث كل ما سوى الله وإن كانت باطلة لم تدل لا على حدوث الأجسام ولا غيرها.
فقول القائل: إن دليلهم يتضمن حدوث الأجسام دون ما سواها قول باطل وذلك أنه على التقدير الأول يكون كل ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث حدوثا مسبوقا بعدم والحادث عن عدم لا يكون صادرا عن قديم موجب بذاته في الأزل فإن الموجب بذاته في الأزل يكون موجبا أزليا لا يكون حادثا مسبوقا بالعدم وسواء كان حدوث الحادث عنه بوسط أو بغير وسط فامتنع على هذا التقدير أن يكون الواجب الوجود بنفسه موجبا بالذات في الأزل وإذا امتنع هذا امتنع أن يكون معه قديم سواء سمي ذلك القديم عقلا أو نفسا أو غير ذلك فإنه إذا قدر عقل قديم ممكن لزم أن يكون صادرا عن علة تامة قديمة وهو الموجب بذاته في الأزل وأن يكون معلوله دائما معه لا يتخلف منه شيء وعلى هذا التقدير فيمتنع حدوث الحوادث بعد أن لم تكن فظهر بذلك أنه إذا قدر أن الحوادث لها ابتداء وأنه يمتنع وجود حوادث لا أول لها لزم أن يكون الباري فاعلا باختياره وأن لا يكون معه في الأزل قديم أصلا.
فتبين بذلك أن أدلة هؤلاء النظار على حدوث الأجسام والأعراض إن كانت صحيحة لزم حدوث كل ما سوى الله وتبين بذلك أن أئمة هؤلاء النظار أحذق من متأخريهم وأقوى ردا على الفلاسفة وغيرهم وأن ما اعترض متأخروهم عليهم باطل.
[ ٢ / ١١٧ ]
الوجه الخامس: أن يقال: لو كانت الحوادث تحدث في النفس شيئا بعد شيء لكان لا بد لها من محدث والقديم الذي لا يتجدد له أمر يقوم به لا يحدث عنه شيء كما تقدم فقول هؤلاء بحدوث هذه الأمور عنه كقول الفلاسفة بحدوث حركات الفلك وأنها أزلية.
الوجه السادس: أن يقال: فهذا يقتضي كون الرب موجبا بذاته للعقول والنفوس وأنه ليس فاعلا باختياره يفعل شيئا بعد شيء وأن العقول والنفوس متولدة عنه تولدا ذاتيا وهذا معلوم الفساد عقلا ونقلا وهو مخالف لدين المسلمين واليهود والنصارى والمجوس والمشركين والصابئين.
الوجه السابع: أن يقال: فإذا كان موجبا بذاته على هذا التقدير لم يكن اختصاص الزمان الذي حدث فيه الأجسام دون ما قبله وبعده بأولى من العكس والتقدير أن القديم لا تقوم به الأمور الاختيارية وقول القائل إن بعض تلك التصورات تكون سببا لفيض الأجسام عن القديم إنما يصح لو كان هناك سبب يقتضي حدوث تصورات تخالف ما قبلها وهذا إنما يكون إذا كان الرب فاعلا باختياره والأمور الاختيارية تقوم بذاته فأما إذا قدر أنه لا يفعل شيئا باختياره ولا يقوم به أمر اختياري بل هو مجرد عن الصفات والأفعال لا يتجدد منه ما يقتضي الإحداث كان امتناع حدوث الأجسام حينئذ كامتناع حدوثها عن القديم ابتداء.
[ ٢ / ١١٨ ]
الوجه الثامن: أن هذا القول مبني على وجود العقول والنفوس التي يذكرها هؤلاء وأنها أمور قائمة بأنفسها موجودة في الخارج لا يشار إليها ولا هي داخل العالم ولا خارجه ولا مباينة للعالم ولا حالة فيه ولا توصف بحركة ولا سكون ولا تجوز رؤيتها ولا هي أجسام ولا قائمة بالأجسام وجمهور العقلاء يقولون إن بطلان هذا معلوم بالاضطرار.
فقد تبين فساد جواب هاتين الفرقتين وأن الجواب لهؤلاء الفلاسفة بالمعارضة جواب صحيح لكن ليس فيه حل الشبهة.
وأما الجواب عنها بغير المعارضة فمن وجوه:
أحدها: أن يقال التسلسل في الآثار إن كان ممكنا بطلت دلالة هذه الحجة على قدم شيء بعينه لا فلك ولا غيره لأنه حينئذ يجوز أن يكون حادثا بسبب كان قبله وهكذا القول في كل ما سوى الله وإن كان ممتنعا لزم أن يكون للحوادث أول ولزم حدوث كل ما تقوم به الحوادث وذلك يستلزم حدوث الأفلاك وهو المطلوب فلزم بطلان حجتهم على تقدير النقيضين.
[ ٢ / ١١٩ ]
وليست هذه الحجة مبنية على امتناع التسلسل في الآثار كما يظنه من يظنه فإن المحتجين بها لا يمنعون التسلسل في الآثار وإنما يمنعون ما يمنعه سائر العقلاء من التسلسل في المؤثرات ومن التسلسل فيما به أصل التأثير وقد يشتبه تمام التأثير في الشيء المعين وتمام التأثير في جنس التأثير وحجتهم مبنية على امتناع التأثير في الأزل فإنها مبنية على أنه لا يحدث شي إلا بحدوث تمام تأثيره فلو كان لجنس الحوادث ابتداء لزم أن يكون لذلك الحدوث تمام حادث ولذلك التمام تمام حادث وهلم جرا.
وتحرير هذا الجواب أن يقال: التسلسل نوعان:
أحدهما: التسلسل في المؤثرات وهذا مما اتفق العقلاء على امتناعه وامتناعه معلوم بصريح العقل بل مجرد تصوره التام يكفي في العلم بفساده وأما التسلسل في الآثار بأن يكون الفاعل يفعل شيئا بعد شيء دائما فهذا متنازع فيه هل هو ممتنع أزلا وأبدا أو جائز أزلا وأبدا أو ممتنع أزلا وجائز أبدا؟ على ثلاثة أقوال معروفة للناس.
والتسلسل في الآثار قد يقتضي التسلسل في تمام التأثيرات المعينة لا التسلسل في أصول التأثير فإنه إذا كان صدور المؤثر التام موقوفا على صدور الأول كان تمام التأثير فإنه إذا كان صدور المؤثر التام موقوفا على صدور الأول كان تمام التأثير في الأمر الثاني موقوفا على صدور الأثر الأول كالمتحركات كلها من الشمس والقمر وغيرهما فإن الجزء الثاني من الحركة موقوف على صدور الجزء الأول منها.
[ ٢ / ١٢٠ ]
لكن التسلسل في تمام التأثير نوعان تمام التأثير مطلقا وتمام التأثير المعين فإن الشيء قد يكون شرطا في كون الفاعل فاعلا مطلقا فلا يمكن أن يفعل شيئا إلا بذلك الشرط فهذا شرط في التأثير المطلق وهو شرط في جنس التأثير وأصل التأثير وقد يكون شرطا في كونه فاعلا لفعل معين فالتسلسل في هذا القسم الثاني ليس بممتنع عند من يجوز التسلسل في الآثار فإنه إذا جاز أن يفعل شيئا بعد شيء دائما جاز أن يكون الفعل الأول شرطا في الثاني.
وأما القسم الأول وهو التسلسل في أصل التأثير فهذا ممتنع كالتسلسل في المؤثرات فإن الشيء إذا امتنع أن يفعل شيئا من الأشياء حتى يفعل شيئا من الأشياء كان جنس وجود الفعل موقوفا على جنس وجود الفعل قبله فلا يكون فعل أصلا حتى يكون قبله فعل ما وهذا ممتنع لذاته فإنه يستلزم وجود الشيء قبل وجوده ووجوده قبل وجوده يقتضي أن يكون موجودا معدوما وهذا جمع بين النقيضين.
ولهذا استدل غير واحد من أئمة المسلمين على أن كلام الله غير مخلوق بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (سورة يس ٨٢) فإن النص دل على أنه لا يخلق شيئا حتى يقول له كن فيكون فلو كان كن مخلوقا لزم أن يخلقه بكن وكذلك هذا يجب أن يكون مخلوقا بكلمة أخرى وهذا يستلزم التسلسل في أصل الخلق وهو التسلسل في التأثير وهو ممتنع لذاته فإنه إذا لم يخلق شيئا أصلا حتى يخلق قبل ذلك شيئا آخر كان هذا ممتنعا لذاته فكان
[ ٢ / ١٢١ ]
وجود مخلوق قبل أن يوجد مخلوق أصلا فيه جمع بين النقيضين بخلاف ما إذا قيل إنه لا يخلق مخلوقا معينا حتى يخلق مخلوقا معينا فإن هذا ليس بممتنع كما انه لا يخلق المولود من غيره حتى يخلق الوالد.
إذا تبين هذا فحجة الفلاسفة الدهرية في قدم العالم مبنية على مقدمتين إحداهما امتناع الترجيح بلا مرجح والثانية امتناع التسلسل في أصل التأثير لا في تأثير معين فإنهم قالوا المؤثر التام إن كان في الأزل لزم قدم الأثر فإنه لو حدث بعد ذلك لزم الترجيح بلا مرجح وإن لم يكن المؤثر التام في الأزل امتنع أن يحدث عنه شيء لأن ذلك الحادث يمتنع أن يحدث بدون سبب حادث لما فيه من الترجيح بلا مرجح ويمتنع حدوث سبب حادث لأن القول في حدوث ذلك السبب الذي هو الشرط كالقول في حدوث المشروط به إذ التقدير أنه لم يكن في الأزل مؤثر تام فلا بد من حدوث تمام أصل التأثير وجنسه بحيث يصير المؤثر مؤثرا بعد أن لم يكن مؤثرا بحال.
وهذا ممتنع لذاته كما تقدم لأن حدوث كونه مؤثرا لا بد له من مؤثر ولا مؤثر إلا هو فيلزم أن يكون مؤثرا قبل أن يكون مؤثرا بحال وهو جمع بين النقيضين.
وأيضا فإذا لم يكن مؤثرا تاما ثم إنه جعل نفسه مؤثرا تاما لزم الترجيح بلا مرجح فإن امتناع جعل نفسه مؤثرا بعد أن لم يكن مع تساوي الحالين أبلغ في الامتناع من إحداث أثر منفصل عنه بعد أن لم يكن مع تساوي الحالين.
[ ٢ / ١٢٢ ]
فإذا قيل: المؤثر التام يستلزم أثره بعد ذلك كان تخصيصا بلا مخصص.
قيل وما ليس بمؤثر تام يمتنع أن يصير بعد ذلك مؤثرا تاما بنفسه لما فيه من التخصيص بلا مخصص.
لكن هذا القسم يدل على امتناعه أيضا دليل آخر وهو أنه إذا لم يكن مؤثرا تاما ثم قدر أنه أحدث ما به صار مؤثرا تاما فذلك الإحداث يقتضي أن يكون مؤثرا تاما فيما أحدثه والتقدير أنه ليس بمؤثر تام في شيء من الأشياء فيلزم أن يكون مؤثرا في شيء حتى لا يكون مؤثرا في شيء من الأشياء وهو جمع بين النقيضين.
وهذا القسم هو من باب الدور القبلي فإنه لا يكون مؤثرا حتى يكون مؤثرا ولا يكون مؤثرا حتى يكون مؤثرا وهو مثل أن يقال لا يكون موجودا إلا بعد أن يصير موجودا ولا يصير موجودا إلا بعد أن يصير موجودا وهذا دور ممتنع لذاته وهو أيضا من باب التسلسل في أصل التأثير ولكن سماه المتأخرون تسلسلا لأنهم قالوا مجموع ما يتوقف عليه وجود العالم إن كان ثابتا في الأزل لزم وجوده لأن تخلف الأثر عن المؤثر ممتنع وإن لم يكن ثابتا في الأزل ثم حدث ما به يصير مؤثرا في العالم فالقول في ذلك الحادث كالقول فيما قبله ويلزم التسلسل ومعناه أن ذلك الحادث لا يحدث حتى يحدث قبله ما به يصير الفاعل فاعلا وذلك الحادث لا يحدث حتى يحدث قبله ما به يصير
[ ٢ / ١٢٣ ]
الفاعل فاعلا فالفاعل لا يحدث شيئا حتى يحدث شيئا ولا يحدث شيئا حتى يحدث شيئا فباعتبار كون الثاني غير الأول سمي تسلسلا وباعتبار كون جنس الإحداث موقوفا على جنس الإحداث يسمى دورا فهو تسلسل إذا أخذ حادث بعد الحادث وهو دور إذا أخذ جنس الحوادث ووجود حادث بعد حادث إنما يمكن إذا كان هناك فاعل محدث يحدث شيئا بعد شيء فأصل كونه فاعلا لا يتوقف على حدوث شيء من الأشياء بل يكون من لوازم ذاته وإحداثه للمعين قد يكون موقوفا على إحداثه للمعين.
فحقيقة حجة هؤلاء أن القول بحدوث جنس الفعل يستلزم تأخر الأثر عن المؤثر التام أو وجوده بدون المؤثر التام فالذي سموه تسلسلا مضمونه وجود الأثر بدون المؤثر التام فلما كانت حجتهم مبنية على مقدمتين: إحداهما: امتناع الترجيح بلا مرجح والثانية: امتناع التسلسل كان مضمون الأولى امتناع أن يتأخر الأثر عن مؤثره التام تأخر بينونة وانفصال ومضمون الثانية امتناع صدور أثر بدون مؤثر تام فالأمر يرجع إلى أصل واحد وهو تلازم المؤثر التام وأثره فلا يكون مؤثر تام إلا وأثره لازم له ولا يكون أثر إلا ومؤثره التام لازم له ثم هل ترتب الأثر على مؤثره التام ترتبا زمانيا أو ترتبا عقليا بحث آخر في غير هذا الموضع.
فإذا عرف حقيقة الأصل الذي بنوا عليه حجتهم فقول القائل
[ ٢ / ١٢٤ ]
في الجواب: التسلسل في الآثار إن كان ممكنا بطلت هذه الحجة لأن مبناها على امتناع التسلسل في الآثار يرد عليه أن مبناها على امتناع التسلسل في أصل التأثير وجنسه والممكن إنما هو التسلسل في جنس الآثار وأعيان التأثيرات لا في جنس التأثير فإن الفرق بين التسلسل في الآثار والتسلسل في التأثير ثابت كما سبق والممتنع التسلسل في التأثير أي في جنسه فهذا السؤال هو الوارد على هذا الجواب.
وجواب هذا الإيراد أن يقال: إذا كان التسلسل في الآثار ممكنا وفي أعيان التأثيرات أمكن أن تكون هذه الأفلاك حادثة مخلوقة من شيء آخر قبلها كما أخبرت بذلك الرسل فإنهم أخبروا أن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وكان عرشه على الماء وأخبروا أنه: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (سورة فصلت ١١) والدخان فيما ذكره المفسرون: هو البخار وهو بخار ذلك الماء فقد أخبروا أنها مخلوقة من مادة كانت موجودة قبلها وتلك المادة يمكن أن تكون مخلوقة من مادة كانت كما خلق الله الإنسان من مادة وخلق المادة من مادة.
وإذا كان كذلك كان ما جوزوه في الآثار مبطلا لحجتهم على قدم هذا العالم وهذا هو المطلوب فإنهم إنما احتجوا على قدمه بكون المؤثر التام لا بد أن يكون ثابتا في الأزل فإنه لو لم يكن مؤثرا ثم صار
[ ٢ / ١٢٥ ]
مؤثرا افتقر حدوث تأثيره إلى مؤثر وذلك المؤثر أو تمام تأثيره يفتقر إلى مؤثر وذلك يقتضي التسلسل في أصل التأثير وتمام كونه مؤثرا والتسلسل في تمام أصل التأثير ممتنع كالتسلسل في نفس المؤثر.
فيقال لهم: هب أن هذا ممتنع لكن أنتم تجوزون التسلسل في أعيان التأثيرات والآثار فهذا التسلسل إن كان ممكنا بطلت الحجة التي يحتج بها على قدم العالم أو قدم شيء من العالم وهذا هو المطلوب.
وأما قدم نوع التأثير فهذا لا ينفعهم في مطلوبهم ولا يقدح فيما جاءت به الرسل بل هو دليل على تصديق ما جاءت به الرسل وأن كل ما سوى الله مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن لامتناع المؤثر التام في الأزل لشيء من الأشياء لأن كل ما سوى الله ملزوم للحدوث فوجوده بدون الحوادث المقارنة له محال ووجود الحوادث عن مؤثر تام يستلزم أثره محال ووجود حادث بعد حادث من مؤثر تام محال فإنه لا يكون مؤثرا تاما في الشيء إلا إذا استعقبه أثره وليس شيء من الحوادث المتعاقبة يستعقب المؤثر الأزلي لأنه يقتضي كون شيء من الحوادث المتعاقبة أزليا وهو ممتنع لأن ما قارن الأزلي فهو أزلي ليس له مبدأ محدود حتى يكون الشيء عقبه فلا يكون المقارن له إلا أزليا فإذا كان كل ما سوى الرب لا يوجد إلا مقارنا لحادث ولا يمكن وجود الحوادث لا معينة ولا متعاقبة عن مؤثر تام أزلي ولا يمكن شيء من العالم إلا مقارنا
[ ٢ / ١٢٦ ]
للحادث امتنع وجود شيء من العالم في الأزل إذ وجوده في الأزل ممتنع بدون الحادث وممتنع مع الحادث.
ولا يمكن أن يقال القول في حوادثه المتعاقبة عليه كحركات الفلك كالقول في كلمات الرب المتوالية وأفعاله المتوالية لأن الرب هو الموجود بنفسه الواجب الوجود بنفسه الغني بنفسه القيوم بنفسه فلا يتوقف قوله وفعله على غيره ولا يمتنع أن يكون فعله الثاني أو كلامه الثاني مشروطا بوجود الأول قبله إذ ما يكون بذاته حادثا شيئا بعد شيء يمتنع وجوده كله في الأزل وأما ما سواه فهو مفعول مصنوع مفتقر من كل وجه إلى غيره فإذا كانت الحوادث تقارنه شيئا بعد شيء امتنع أن تصدر عن مؤثر تام أزلي وامتنع أن يكون المؤثر التام الأزلي يحدث شيئا بعد شيء بل يجب أن يقارنه أثره وامتنع أن يكون المؤثر التام الأزلي موجبا لذاته في الأزل ومقتضيا لحوادثه شيئا بعد شيء لأن حدوث الحوادث المتوالية عن مؤثر تام باق على حالة واحدة وحينئذ فيجوز ترجيح القادر المختار بلا مرجح فتبطل حجتهم.
وإن كانت تحدث الحوادث بحدوث أمور منه بحيث تكون ذاته مؤثرا تاما لذات الفلك في الأزل وأفعاله المتوالية موجبة لحوادثه المتوالية فهو لم يكن قط إلا مقارنا لأفعال متوالية قائمة به وحدوث مفعول بلا فعل ممتنع وقدم فعل معين ممتنع لأن الفعل لذاته يقتضي أن يكون شيئا بعد شيء ولا يعقل قدم عين الفعل.
وهذا دليل مستقل على حدوث كل ما سوى الله فإن المفعول
[ ٢ / ١٢٧ ]
القديم لا بد له من فعل قديم وتقدير فعل قديم العين ليس كله ممتنع لذاته لأن العقل لا يعقل إلا حادث الأعيان وإن فرض قدم نوعه لحدوثه شيئا بعد شيء كالحركة التي لا تعقل إلا حادثة الأعيان وإن فرض قدم نوعها.
وأيضا فإن الفعل لا بد أن يتقدم المفعول الأزلي لا يتقدمه غيره وهذا أيضا دليل ثان مستقل على حدوث كل ما سوى الله.
وقول القائل الأثر يقارن المؤثر والمعلول يقارن العلة إذا أريد به أن يكون عقبه فهذا ممكن وأما إذا أريد به أنهما يكونان معا فهذا ممتنع والتقدم الحقيقي بدون الزمان لا يعقل.
وقول القائل إن تقدم العلة على المعلول تقدم عقلي لا زماني دعوى مجردة وتمثيل ذلك بتقدم حركة اليد على حركة الخاتم والكم تمثيل غير مطابق فإن حركة اليد ليست علة تامة لا لهذا ولا لهذا بل هي ملزومة لها والشيئان المتلازمان الصادران عن فاعل واحد ليس أحدهما معلولا لآخر وهذه الأمور مبسوطة في موضع آخر.
وأيضا فهذا يستلزم أن يكون للذات فعل معين قديم معها لازم لها بأفعال متوالية قائمة بها بحيث تضاف الحوادث إلى تلك الأفعال المتوالية ويضاف المفعول القديم إلى الفعل القديم وذلك يقتضي أن يكون ذلك الفعل القديم تناول الملزوم دون اللازم فإنه يتناول العين الملزومة للحوادث دون حوادثها اللازمة كالفلك مثلا والفاعل إذا فعل مفعولا بفعل امتنع أن يفعل بدون لوازمه فإن ذلك يقتضي أن يكون
[ ٢ / ١٢٨ ]
الفعل القديم تناول ذلك المفعول وأفعال أخر تناولت لوزامه المتعاقبة ومعلوم أن الواجب بالذات أوجب ذاته ذلك الموجب وإيجاب ذاته لها هو فعلها إياها وهذا الفعل القديم الذي هو الإيجاب القديم لا بد أن يكون من لوازم الذات فيمتنع وجودها بدون ذلك الفعل القديم وذلك الفعل القديم يمتنع وجوده بدون لوزامه المتوالية وتلك اللوازم المتوالية مفتقرة إلى الفعل القديم والفعل القديم يفتقر إليها بمعنى أنه يمتنع وجود أحدهما إلا مع الآخر لامتناع وجود مفعول أحدهما إلا مع الآخر.
والقديم لا يجوز أن يكون مفتقرا إلى الحوادث لافتقار المعلول إلى العلة ولافتقار المشروط إلى الشرط ولكن قد تكون الحوادث لازمة له مفتقرة إليه وأما هو فلا يكون مفتقر لا إلى عينها ولا إلى نوعها لأن النوع إنما يوجد شيئا فشيئا فيكون القديم الأزلي مفتقرا إلى ما لا يوجد إلا شيئا بعد شيء وما وجب قدمه امتنع عدمه ودام وجوده وما دام وجوده ووجب ذلك لا يكون مفتقرا إلى حوادث متعاقبة إذ لو جاز ذلك لجاز أن يقال إن الرب الذي يفعل دائما مفتقر إلى فعله لكون فعله لازما له فإن غاية ما يقال في ذلك إن الفعل القديم مشروط بمقارنة الأفعال المتوالية بحيث لا يتصور أن يكون ذلك القديم إلا مع هذه الحوادث المتعاقبة.
وحينئذ فيكون وجود فعله القديم بدون الحوادث ممتنع وفعله من لوزام ذاته بمنزلة صفاته اللازمة له فيكون ذلك بمنزلة أن يقال: إن صفاته
[ ٢ / ١٢٩ ]
اللازمة له يمتنع وجودها إلا مع الحوادث المتعاقبة والحوادث المتعاقبة أفعاله وهذا بمنزلة أن ذاته مفتقرة أو مشروطة بأفعاله المتعاقبة.
ومعلوم أن أفعاله مفتقرة إليه من كل وجه فيمتنع أن يفتقر إلى ما هو مفتقر إليه.
وهذا دليل ثالث مستقل في المسألة فإن وجود العالم بدون الحوادث ممتنع فلو كان فعله العالم كصفاته الذاتية اللازمة له مفتقرا إلى الحوادث كان صفاته اللازمة له مفتقرة إلى الحوادث وهذا ممتنع وذلك لأن ما لزم ذاته وما قام بها فهو صفة لها.
وهؤلاء إن قالوا إن المفعول نفس الفعل والموجب نفس الإيجاب كما هو قول طائفة من النظار فهذا باطل قطعا فإنا نعلم أن خلق المخلوق ليس هو نفس المخلوق ولا ذلك يقتضي أن تكون المخلوقات وجدت بدون فعل من الرب.
ولأن الذين قالوا ذلك من أهل الكلام كالأشعري ومن وافقه كابن عقيل وغيره إنما قالوا ذلك لئلا يلزم التسلسل في الآثار وهو باطل عندهم فإنهم قالوا لو كان الخلق غير المخلوق والتأثير غير الأثر فذلك الخلق إن كان قديما لزم قدم المخلوق وهو ممتنع وإن كان حادثا افتقر إلى خلق آخر ويلزم التسلسل.
والذين خالفوهم ثلاث طوائف طائفة قالت بل الفعل قديم أزلي ومفعوله محدث كما يقول ذلك طوائف من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأهل الحديث والصوفية ومن أهل الكلام.
[ ٢ / ١٣٠ ]
وهؤلاء يقولون كما وافقتمونا على أن الإرادة قديمة والمراد متأخر فكذلك نقول الفعل قديم والمفعول متأخر.
وطائفة ثانية قالت: بل الفعل حادث العين قائم بذاته ولا يلزم التسلسل كما يلزم التسلسل إذا كانت المفعولات حادثة الأعيان وهذا قول طوائف من الكرامية والمرجئة وغيرهم.
وطائفة ثالثة قالت: بل أعيان الفعل حادثة وإن جاز أن يكون نوعه قديما.
والمقصود هنا أن الذين قالوا إن الفعل عين المفعول إنما فروا من التسلسل وهو جائز عند هؤلاء الفلاسفة وحينئذ فلا يمكنهم أن يحتجوا بحجة هؤلاء فلا تكون حجة على أن الفعل نفس المفعول إلا قولهم بنفي الصفات مطلقا أو قولهم بنفي الأمور الاختيارية وكلا القولين في غاية الفساد وهم متنازعون في كلا الأصلين.
فقول النفاة منهم ومن غيرهم ضعيف فيهما كما بسط في موضعه مع أن القول بحدوث العالم مستلزم لهذين الأصلين كما أن هذين الأصلين يستلزمان لحدوث العالم.
وإذا كان كذلك تبين أنه لا يمكنهم القول بأن الفعل نفس المفعول فيلزم أن يكون غيره فإذا قدر الفعل قديم العين كانت صفة لازمة له قديمة العين وإذا كان كذلك فإنه يمتنع أن يفتقر إلى شيء من الحوادث سواء كانت حادثة النوع أو الأعيان كما يمتنع ذلك في ذاته القديمة فإنها إن كانت مفتقرة افتقار المعلول إلى علته امتنع كون
[ ٢ / ١٣١ ]
الحادث علة للقديم وإن كانت مفتقرة افتقار المشروط إلى شرطه فلا ريب أن المحدث مشروط بالقديم فإذا كان القديم مشروطا به كان كل من الأمرين مشروطا بالآخر.
وهذا ممكن فما كان معلولي علة واحدة وهما حادثان كالأبوة والبنوة أو ما كانا قديمين متلازمين لا علة لهما كالذات والصفات أما إذا كان أحدهما قديم العين والآخر حادث الأعيان كان وجود القديم مشروطا بأمور لم توجد بعد وكان الشرط متأخرا عن المشروط.
وإن قيل: المشروط هو النوع وهو ملازم للعين لكن النوع لا يوجد إلا شيئا فشيئا فلا وقت من الأوقات إلا والمقرون بالقديم واحد محدث فيكون ذلك المحدث شرطا في وجود ذلك القديم لا يوجد إلا مع وجوده كما لا يوجد أحد المحدثين إلا مع الآخر ولا الذات القديمة إلا مع الصفة القديمة والقديم لازم للذات وكل من الحوادث ليس بلازم بل عارض وإن كان النوع لازما.
أقصى ما يقال: إن الذات هي الموجبة للمعين اللازم وللنوع الحادث أعيانه فيشبه ذلك أحد الصفتين مع الأخرى فيقال الأمر اللازم لا وجود للذات بدونه وإذا كان قائما بالذات فقد دخل في مسماها وصار منها فإن أسماء الله تعالى متناولة لصفاته فما قام بذاته من الصفات اللازمة فهو داخل في اسمه تعالى.
فإذا كان ذلك مشروطا بأفعال يحدثها شيئا بعد شيء صار ما هو
[ ٢ / ١٣٢ ]
واجب الوجود مفتقرا إلى ما هو ممكن الوجود مع أن هذا المقام إذا تحرر كان مفسدا لأصل مذهبهم وكان دليلا مستقلا رابعا.
فإن حقيقة قولهم: إن الفلك لازم لذات الله تعالى لا يمكن وجود الرب بدون وجود الفلك بل هو مستلزم له كما أن الفلك مستلزم له فهما متلازمان وهذا بعينه قول بأن مفعوله شرط في وجوده وأن وجوده بدون وجود مفعوله ممتنع وهو قول بافتقار الواجب بذاته إلى الممكن بذاته وهو ممتنع.
وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع ولكن ذكرناها هنا تنبيها على حجتهم العظمى وأن إبطال حجتهم قد يتضمن بطلان قولهم ويكون دليلا على صحة ما أخبرت به الرسل صلوات الله عليهم.
الوجه الثاني: أن يقال إحدى المقدمتين في هذه الحجة بطلان التسلسل وأنتم قائلون بجوازه ولكن منازعوكم يقولون بامتناعه فتكون الحجة على أصلكم إلزامية لا علمية فلا تفيدكم المطلوب.
هذا إذا فسروا التسلسل بالتسلسل في الآثار دون التأثير وإن فسروه بالتسلسل في أصل التأثير فهذا لا يقوله أحد وهذا هو مراد أئمتهم بالتسلسل في هذا الموضع وإن فهم منه بعض الناس الأول لكن هذه الحجة حينئذ إنما تدل على دوام نوع الحادث فمن قال لم
[ ٢ / ١٣٣ ]
يزل مؤثرا متكلما إذا شاء وفى بموجب هذه الحجة ولا تدل على قدم شيء من العالم أصلا
ومنازعوكم قد عارضوكم وألزموكم امتناع الحوادث مطلقا فتبين فسادها أيضا
فإن قالوا نحن نجوز التسلسل في الحوادث القائمة بالعالم وهذه تقتضي التسلسل قبل حدوث العالم أو قبل حدوث شيء من العالم وذلك لا نقول به
قيل لهم أولا إذا كان التسلسل في الأزل ممكنا لم يكن فرق بين هذا وهذا بل يجوز أن يقال إن الرب تقوم به أمور اختيارية لا أول لها
وقيل لهم ثانيا هذا لا ينفعكم في قدم الأفلاك وما فيها لإمكان أن يكون حدوثها موقوفا على أسباب قبلها حادثة وكذلك الأخرى
وقيل لهم ثالثا إذا أمكن التسلسل في الأفعال اللازمة القائمة بالصانع أو في المفعولات المتعدية كان كل منهما مبطلا لاحتجاجكم على قدم الأفلاك والعناصر فكيف إذا اجتمع هذا وهذا
الوجه الثالث أن يقال هذا مبني على امتناع التسلسل في الآثار والتسلسل سواء عنى به التسلسل في أصل التأثير أو في الآثار فإنه لا يدل على مطلوبكم والذي يليق بهذه الحجة إنما هو التسلسل في أصل الفعل وهو ممتنع وفاقا
[ ٢ / ١٣٤ ]
وأما التسلسل في الآثار فهذا فيه قولان معروفان للناس أحدهما منعه كقول كثير من أهل الكلام والفلسفة وأهل الحديث.
والثاني: جوازه كما هو قول كثير من أهل الحديث والكلام والفلسفة.
وحينئذ فهؤلاء يقولون بجواز هذا التسلسل وأن كل ما سوى الله مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن سواء قالوا بقدم نوع الفعل اللازم أو نوع الفعل اللازم والمتعدي فعلى التقديرين يمكن أن يكون كل ما سوى الله مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن مسبوق بالعدم والرب فاعل بمشيئته وقدرته سائر الأشياء.
وليس للفلاسفة حجة تعارض هذا القول أصلا إذ ليس لهم حجة تقتضي قدم الأفلاك والعناصر ولا قدم شيء من العالم أصلا بل جميع ما يحتجون به إنما يدل على دوام كون الرب فاعلا سواء في ذلك الحجج العائدة إلى الفاعل والمادة والصورة والغاية وغير ذلك فالأولى مثل قولهم إن كونه فاعلا أمر لازم لنفسه لأنه لو كان عارضا لهذا لاقتضى حدوث ما يجعله كذلك وذلك لا يكون إلا فعلا له ولا يكون عارضا لما تقدم فلا بد أن يكون كونه فاعلا من لوازمه ذاته.
وكذلك قولهم: هو جواد وعلة جوده ذاته ونحو ذلك فإن هذا يدل على كون نوع الفعل من لوازمه لا على فعل معين ولا مفعول معين فليس في ذلك ما يدل على قدم السموات ولا مادة السموات ولا غير ذلك من أصناف العالم بل هذا دل على أنه لا يلزمه عين الفعل إذ لو
[ ٢ / ١٣٥ ]
لزمه ذلك لكان فعله كله قديما والمؤثر التام يستلزم أثره فكان تكون جميع المفعولات قديمة فلا يكون في العالم شيء حادث وهو خلاف الحس.
وبهذا يظهر كشف عوار هذه الحجة التي حارت فيها عقول جمهور النظار فإنهم إذا قالوا كل ما لا بد منه في كونه مؤثرا لا بد وأن يكون موجودا في الأزل وإلا لزم حدوثه بعد ذلك بدون مؤثر تام وهو ممتنع وإذا كان موجودا في الأزل لزم حصول الأثر معه كان لفظ التأثير مجملا فإنه يراد به جنس التأثير ويراد به التأثير المعين ويراد به التأثير العام في كل شيء فإنه إما عام وإما مطلق وإما معين فإن أريد به التأثير في كل شيء لزم كون كل شيء قديما وهو مخالف للحس.
وكذلك إن أريد به معين فإنها لا تدل على امتناعه لجواز أن يكون مشروطا بحادث قبله وهم وسائر العقلاء يسلمون حدوث الشيء المعين وإن أريد به الجنس لم يدل إلا على دوام النوع لا على قدم شيء بعينه فلم يكن فيها ما يدل على قدم شيء من العالم.
والأزل ليس عبارة عن وقت بعينه فإذا قيل جميع الأمور المعتبرة في كونه مؤثرا هي قديمة أزلية قيل في كونه مؤثرا في الجملة وكونه مؤثرا في شيء بعينه أو في كونه مؤثرا في كل شيء؟
الأول مسلم عند السلف والأئمة ولا ينفعهم والثاني ممنوع وكذلك ثالثهم وذلك لأن كونه مؤثرا في شيء بعد شيء يقتضي دوام مؤثرتيه ولا يقتضي قدم شيء من العالم ودوام التأثير في شيء بعد شيء هو
[ ٢ / ١٣٦ ]
ممكن عندهم وهو لا يخلو إما أن يكون ممكنا وإما أن يكون ممتنعا فإن كان ممكنا حصل المقصود وإن كان ممتنعا لزم حدوث كل ما سواه.
فتبين أن قولهم بقدم شيء من العالم لا حجة عليه بوجه من الوجوه وكذلك قولهم: إن التقدم والتأخر لا يعقل إلا بالزمان الذي هو مقدار الحركة وقولهم إن كون الشيء حادثا يقتضي أنه كان بعد أن لم يكن والقبلية والبعدية من لوازم الزمان فإن هذا يستلزم دوام نوع الفعل لا دوام حركة الفلك والشمس والقمر بل السموات والأرض إذا كان الله قد خلقهما في ستة أيام كان هذا الشمس والقمر وهذا الليل والنهار مخلوقة كائنة بعد أن لم تكن وإن كان بعد قيام القيامة انشقاق السموات وتكوير الشمس وخسوف القمر وتناثر الكواكب تكون حركات أخرى ولها زمان آخر.
كما قال تعالى في الجنة: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ (سورة مريم ٦٢) وفي الجنة يوم الجمعة يوم المزيد فهناك أيام معروفة بأمور أخر جعلها الله في الجنة غير الشمس والقمر وكذلك قولهم: إن كل حادث مسبوق بالإمكان المفتقر إلى مادة غايته أن قبل كل حادث حادثا وهذا لا يوجب قدم شيء من العالم وإنما يقتضي تسلسل الحوادث.
وكذلك إذا قيل إن المؤثرية وصف وجودي فإن كانت حادثة
[ ٢ / ١٣٧ ]
افتقرت إلى أخرى ولزم التسلسل وكونه محلا للحوادث وإن كانت قديمة لزم قدم الأثر فإن لازم هذا الدليل ليس بممتنع عندهم وعند السلف وجمهور أهل الحديث وهو كون القديم تقوم به الحوادث المتسلسلة ثم إن كان هذا ممتنعا لزم حدوث الأفلاك فبطلت الحجة الدالة على قدمها وإن لم يكن ممتنعا بطلت الحجة فهي باطلة على التقديرين وقد بسط هذا في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا التنبيه على أنه لا حجة لهم تدل على قدم شيء من العالم ولكن الذين ناظروهم من الجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم جعلوا نوع فعله ومفعوله محصور الابتداء والانتهاء كما قاله الجهم بن صفوان وأبو الهذيل إماما هاتين الطائفتين أو جعلوه ممتنع الدوام في الابتداء دون الانتهاء كما قال ذلك كثير من أتباعهما وجعلوا الرب يمتنع عليه الكلام باختياره في الأزل ويمتنع عليه الفعل الاختياري في الأزل بل جعلوه غير قادر على الكلام والفعل في الأزل كما يقوله المعتزلة والكرامية أو غير قادر على الفعل في الأزل ولا قادر على الكلام لا في الأزل ولا فيما يزال كما يقوله الكلابية والأشعرية والسالمية بل الكلام عندهم كالحياة لا يوصف بأنه قادر عليه ولا أنه يتكلم بمشيئته وقدرته واختياره.
وكثير من هؤلاء يقول إن العالم يعدم بالكلية فلا يبقى الرب فاعلا لشيء كما لم يكن قبل ذلك على قولهم وهو فناء هذا العالم عندهم ويقول إن ذلك دل عليه السمع والعقل ومنهم من يقول بل دل عليه السمع وإن إعادة الله للعالم هو بأن يعدمه بالكلية ثم يعيد العالم الذي كان أعدمه.
[ ٢ / ١٣٨ ]
فهؤلاء وأمثالهم تكلموا في تعطيل الرب عن الفعل وعن الكلام وقالوا إن كلامه مخلوق أو محدث النوع أو محدث العين كان الكلام بعد أن لم يكن متكلما في الأزل بل ولا كان عندهم قادرا على الكلام وإن أطلق بعضهم أنه لم يزل قادرا فهم يقولون مع ذلك بامتناع المقدور في الأزل ومعلوم أنه مع امتناع المقدور يمتنع كونه قادرا وقالوا إن هذا هو القول بحدوث العالم الذي أخبرت به الرسل ونسبوا هذا القول إلى أهل الملل هم ومناظروهم من الفلاسفة.
ولهذا استظهرت الفلاسفة على أهل الملل بسبب ظنهم أن هذا هو قولهم حتى آل الأمر إلى أن يقول الفلاسفة إن الرسل لم تخبر بعلم وإنما أخبرت بما فيه تخييل وتمثيل ومعلوم أنه ليس في كتاب الله ولا حديث عن رسول الله ولا في أثر عن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين شيء من هذه الأقوال ولا ما يستلزم هذه الأقوال بل هي أقوال مبتدعة في الدين وهي من الكلام الذي أنكره السلف والأئمة وعابوه وذموه.
وقول أولئك بأن السموات أزلية وأنها لا تنشق أعظم إلحادا وضلالا ومخالفة لدين الرسل وهؤلاء أثبتوا قدم الأعيان المخلوقة وأولئك نفوا قدرة الرب على الفعل والكلام دائما فادعوا حدوث النوع.
وهذا كما في مسألة القرآن طائفة ادعت قدم أعيان الكلام إما المعنى الواحد المعين وإما الحروف المعينة أو الأصوات والحروف المعينة حتى قالوا إن ما سمعه موسى كان قديما لم يزل الله متصفا به وإنما تجدد السماع فقط وقالوا إنه لم يناده في ذلك الوقت كما دل عليه القرآن
[ ٢ / ١٣٩ ]
حيث يقول: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى﴾ (سورة طه ١١) بل ما زال مناديا له في الأزل ولكن تجدد سماع موسى لذلك النداء.
وطائفة قالت: بل نوع الكلام حادث بعد أن لم يكن إما حادثا في غيره فيكون مخلوقا وإما في نفسه فيكون حادثا أو محدثا غير مخلوق وقال هؤلاء لم يكن في الأزل متصفا بأنه متكلما إلا إذا فسروا المتكلم بالقادر على الكلام ثم كان تفسيره بهذا مع امتناع الكلام في الأزل جمع بين النقيضين بل لم يزل عندهم غير متكلم ويمتنع عندهم أن يكون لم يزل متكلما إذا شاء.
والسلف والأئمة قالوا: لم يزل الله متكلما إذا شاء فالفرق بين دوام النوع وقدمه ودوام الشيء المعين وقدمه يكشف الحجاب عن الصواب في هذا الباب الذي اضطرب فيه أولو الألباب والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
وليس للفلاسفة حجة تعارض هذا القول ولكن حجتهم تقتضي دوام فاعلية الرب وأن الفعل ولازمه الذي هو تقرير الفعل المسمى بالزمان لا أول له وأن إمكان حدوث الحوادث لا أول له وإمكان تأثير الرب فيها لا أول له وهذا كله يقتضي دوام نوع الفعل لا دوام فعل معين.
وقد تقدم بيان أن قولهم يقدم العالم عن العلة التامة باطل قطعا وأن العلة التامة لا يجوز تأخر شيء من معلولها عنها بل وجود علة تامة لم تزل مقارنة لمعلول ممتنع ويمتنع أن يكون المقارن في الزمان مفعولا للفاعل
[ ٢ / ١٤٠ ]
والحوادث متعاقبة شيئا بعد شيء لا يجوز حدوثها عن علة تامة أزلية فبطلت حجتهم وبطل قولهم بقدم العالم وتبين إمكان حدوث كل ما سوى الله وأنه يمتنع أن يكون العالم صادرا عن علة تامة أزلية موجبة بالذات وهو المطلوب.
وتبين أنه لا يمكن حدوث شيء من الحوادث إلا عن فاعل يفعل شيئا بعد شيء وإن قدر أنه غير فاعل بالإرادة فكيف إذا تبين أنه لا تحدث الحوادث إلا عن فاعل مختار بأمور اختيارية تقوم به؟
والعالم مستلزم للحوادث فيمتنع ثبوت الملزوم دون اللازم فيمتنع صدور العالم عن موجب بالذات فيمتنع قدمه ويمتنع قدم شيء منه فإن أي شيء قدر قدمه لم يصدر إلا عن موجب بذاته سواء قدر موجب بذات مجردة أو موجب بالإرادة لذلك القديم يكون إيجابه له قديما دائما بدوامه فيكون ذلك الإيجاب الذي هو التأثير والاقتضاء والفعل المعين لذلك المفعول المعين في الأزل قديما أزليا دائما بدوام الرب تعالى وهو إنما يلزمه نوع الفعل لا فعل معين إذا الفعل لا يعقل ولا يمكن إلا شيئا فشيئا فأما شيء معين دائم ملزوم للحوادث أو غير ملزوم للحوادث فلا يعقل أنه فعل لا سيما ومثل هذا لا يكون إلا مفعولا بالاختيار بل لا يكون إلا عن ذات تختار شيئا بعد شيء فهي لا تكون مجردة عن الاختيار ولا تكون علة تامة أزلية فضلا عن أن يجتمع فيها عدم الاختيار مع كونه علة تامة أزلية.
[ ٢ / ١٤١ ]
أقصى ما يقال: إنه قد تقوم بها الأمور الاختيارية شيئا بعد شيء وكل ما قام بها شيء من ذلك حصل تمام التأثير لما يحدث حينئذ وهي بمجردها علة تامة للمعين الذي يلزمه الحوادث لكن هذا باطل أيضا فإنها لا تكون مجردة قط ولا يمكن أن تكون بمجردها فاعلة لشيء.
وأيضا فلا يمكن أن يقارن المفعول فاعله في الزمان وذلك أنه لو قدر تجردها في وقت لم يجز حصول قيام شيء من الأمور الاختيارية لها بعد ذلك لأن ذلك يقتضي حدوث حادث بلا سبب وبتقدير تجردها عن الأمور الاختيارية القائمة بها يمتنع أن يحدث عنها أو فيها شيء لامتناع حدوث الشيء بدون علة تامة وهي مع تجردها ليست علة تامة إذ لو كانت كذلك للزم مقارنة الأمور الاختيارية المتجددة شيئا بعد شيء لها في الأزل وذلك جمع بين النقيضين.
والأمور الاختيارية الحاصلة شيئا بعد شيء لازمة لها فيمتنع تقدير تجردها عنها فلا يمكن تجردها ولو قدر تجردها لم يجز أن يكون مجردها علة تامة أزلية لشيء معين لأن ذلك المعين مستلزم للحوادث إذ كل ممكن فإنه لم يسبق الحوادث فلو كانت علة تامة أزلية للزم وجود كل واحد من الحوادث في الأزل وهو جمع بين النقيضين وإذا امتنع تجردها وامتنع بتقدير تجردها أن يصدر عنها شيء امتنع أن يصدر شيء عنها إلا مع قيام الأمور الاختيارية بها
[ ٢ / ١٤٢ ]
والأمور الاختيارية حاصلة شيء بعد شيء فامتنع أن تكون علة تامة لشيء معين دائما إذ مجموع الأمور المشروطة في التأثير إذا لم تكن إلا حاصلة شيئا فشيئا امتنع أن تكون دائمة لشيء معين فامتنع قدم شيء معين فإنه إذا كان قديما أزليا دائما لم يكن بد من أن يكون المقتضي التام له قديما أزليا دائما ومقتضي تام أزلي ممتنع فقدمه ممتنع لأن المقتضي التام إما الذات المجردة عن قيام الأمور المتعاقبة بها التي تصير بها فاعلة شيئا فشيئا أو الذات الموصوفة بذلك والأول الذي يقوله من الفلاسفة من يقوله ممتنع لامتناع تجردها وامتناع حصول شيء عنها في حال التجريد لو قدر ذلك لأن المعلول ملزوم للحوادث فلا يجوز وجوده عن علة تامة أزلية وهي المجردة.
وأما الذات الموصوفة بذلك فهي لا تصير فاعلة إلا شيئا فشيئا كما تقدم فيمتنع أن يكون لها فعل معين قديم أزلي فضلا عن أن يكون لها مفعول معين قديم أزلي.
ولا يمكن أن يقال هي بمجردها مقتضية لمحل الحوادث وما يقوم بها مقتض لتلك الحوادث لأن الفاعل بقدرته ومشيئته لا يتوزع بعض فعله عليه مجردا عن الإرادة وبعضه عليه مقرونا بالإرادة إذ فعل الموصوف بالإرادة بدون الإرادة ممتنع وكذلك ما يقدر قائما به من
[ ٢ / ١٤٣ ]
الأمور المتجددة فإنها قائمة به فليس موجودا دونها حتى يقال إنه يفعل بدونها وتقدير الانفصال لا يقتضي تحقيق الانفصال.
وهذا كما لو قيل: مجرد الذات تفعل منفكة عن الصفات لا سيما وتلك الأمور شرط في الفعل فلا يوجد المشروط بدون شرطه كما أن الحوادث القائمة بالمفعول شرط في وجوده فيمتنع وجود المستلزم للحوادث بدون الحوادث.
وكذلك يمتنع أن تفعل الذات الملزومة دون لوازمها إذ فعلها لملزوم الحوادث مشروط بفعلها لحوادثه اللازمة وفعلها ذلك لا يوجد إلا شيئا فشيئا فصار ذلك الفعل مشروطا بما لا يوجد إلا شيئا فشيئا ووجود المشروط بدون الشرط ممتنع ففعل الملزوم وحده ممتنع فكما أن وجود ذات مجردة عن الصفات ممتنع فوجود فعله مجردا عن ما يقوم به ممتنع ففعله لا يوجد إلا مع اللوازم ولا يكون فعلا له إلا مع اللوازم كما أن المفعول لا يكون موجودا ولا مفعولا إلا مع اللوازم وإذا لم يكن فعلا له إلا مع اللوازم المتعاقبة لم يكن فعلا أزليا فلا يكون المفعول أزليا لأن اللوازم المتعاقبة ليس مجموعها أزليا ولا واحدا منها أزليا ولكن النوع أزلي بمعنى وجوده شيئا فشيئا فيكون الفعل المشروط به موجودا شيئا فشيئا لامتناع وجود المشروط بدون الشرط وإذا كان ذلك الفعل يوجد شيئا فشيئا كان المفعول كذلك بطريق الأولى لامتناع تقدم المفعول على فعله فلا يكون فعل دائم معين فلا يكون مفعول معين دائم.
[ ٢ / ١٤٤ ]
يبين ذلك أن الفعل هو الإبداع والخلق الذي يسمى اقتضاء وإيجابا وتأثيرا ونحو ذلك.
فإذا قيل: إبداع الملزوم واحد معين أزلي وإبداع اللوازم نوع يتجدد شيئا فشيئا فأحد الإبداعين ملزوم للآخر كما أن أحد المبدعين ملزوم للآخر والثاني شرط في نفس كون الأول إبداعا للمفعول لا في مجرد وجوده فإنه لا يصير الإبداع إبداعا إلا مع لازمه الحاصل شيئا فشيئا فلا يكون الإبداع إلا شيئا فشيئا.
وليس لزوم هذا لهذا كلزوم نوع الفعل للذات لأن الذات تستلزم صفاتها اللازمة لها وليست مفعولة لها وفعلها صادر عنها وليس أحد الإبداعين صادر عن الآخر بل إبداع المعين إذا قدر أنه أزلي لم يزل كان نوع الإبداع للأمور المتعاقبة قديما أيضا لم يزل وكل منها فعل وخلق وإبداع.
ونفس حقيقة الفعل المعين يمتنع قدمه فكيف إذا كان ملازما لما هو حادث شيئا فشيئا فإنهما فعلان متلازمان وأحدهما لا يوجد إلا شيئا فشيئا فالآخر لا يوجد إلا شيئا فشيئا لكونه فعلا بالإرادة ولأن وجود أحد المتلازمين دون الآخر ممتنع وأحدهما يمتنع قدم عينه فالآخر يمتنع قدم عينه لأن وجود القديم الواجب بعلته كما تجب الصفة القديمة بالذات المستلزمة لها لا يتوقف على وجود شيء من الحوادث.
ولئن قدر دوام نوعها فليست الصفة القديمة متوفقة عليها
[ ٢ / ١٤٥ ]
كما أن الذات القديمة ليست متوقفة عليها بخلاف المفعول المعين وفعله المعين فإنه متوقف على وجود ما لا بد له منه من الحوادث المتعاقبة والمحتاج إلى الحوادث المتعاقبة لا يكون قديما أزليا وأحد الفعلين والمفعولين يحتاج إلى الآخر المشروط به الذي يمتنع وجوده إلا بوجود شرط في فعل الفاعل فلا يمكن فعل هذا إلا مع فعل هذا بخلاف الذات وصفاتها مع الفعل.
وإذا لم يمكن فعله إلا مع فعل هذا وهذا لا يكون شيء منه قديما فالآخر كذلك ولا يمكن قدم شيء من العالم إلا بقدم فعل له معين ولزوم ذلك الفعل لذات الرب كما تلزم الصفة للموصوف.
ومن المعلوم بصريح المعقول الفرق بين صفة الموصوف وبين فعل الفاعل أما الصفة فيعقل كونها لازمة للموصوف إما عينا كالحياة وإما نوعا كالكلام والإرادة ويعقل كونها عارضة لكن ذلك إنما يكون في المخلوق.
وأما الفعل فلا يعقل إلا حادثا شيئا بعد شيء وإلا فمن لم يحدث شيئا لا يعقل أنه فعل ولا أبدع سواء فعل بالإرادة أو قدر إنه فعل بلا إرادة ولو كان الفعل لا يحدث لم يعقل الفرق بينه وبين الصفة اللازمة إذ كلاهما معنى قائم بالذات لازم لها بعينه وما كان كذلك لم يكن فعلا لذلك الموصوف ولا يعقل كون الموصوف فعله.
[ ٢ / ١٤٦ ]
وإن قدِّر أن الفعل هو المفعول وأنه مبدع المفعولات بدون فعل فلزوم هذا له أبعد عن المعقول من لزوم ما يقوم به لا سيما إذا كان قد فعله بقدرته ومشيئته فإن هذا لا يعقل كونه مقدورا مرادا بل إذا قدر أن هذا مفعول مراد لزم إمكان كون الصفة اللازمة التي لا توجد الذات إلا بها مقدورة مرادة.
والقادر المريد لا يكن فاعلا إلا بقدرته وإرادته فإذا كانت قدرته وإرادته مقدورة مرادة لزم الدور في التأثير والفعل والاقتضاء فلا يكون قادرا مريدا حتى يكون قادرا مريدا وهذا ممتنع في صريح العقل.
وإيضاح ذلك أن ما كان لازما للذات بعينه إما أن يمكن كونه مقدورا مرادا وإما أن لا يمكن فإن لم يمكن كونه مقدورا مرادا ثبت ما قلناه ويتبين أن ما كان لازما بعينه للذات لم يكن مقدورا ولا مرادا فلا يكون شيء من الفعل لازما للذات لأن الفعل لا يكون إلا بقدرته وإرادته لأنه فاعل بالاختيار لأنه لو كان موجبا بالذات لم يتأخر عنه شيء من آثاره ولأن تقدير ذات مجردة عن الصفات ممتنع ولأن الفاعل لا بد أن يتقدم مفعوله وإن سمي علة فلا يعقل مفعول مقارن للفاعل في الزمان.
وما يذكر من أن التقدم بالذات كتقدم العلة على المعلول لأنه في الاقتران في الزمان إذا أريد بالعلة الفاعل فهو باطل وإن أريد به غير ذلك فليس هو المراد هنا.
وما يذكر من قولهم تحركت يدي فتحرك المفتاح ليس بمثال
[ ٢ / ١٤٧ ]
مطابق فإن حركة اليد ليست فاعلة لحركة المفتاح بل هي ملازمة لها وقد بين في غير هذا الموضع أن الفاعل لا بد أن يتقدم مفعوله بالزمان مع قطع النظر عن كونه فاعلا بالإرادة.
وكونه فاعلا بالإرادة دليل آخر فإنه إذا كان الفعل بقدرته وإرادته وكل ما كان بقدرته وإرادته لم تكن عينه لازمة لذاته فلم يكن شيء من أعيان الفعل لازما لذاته فلا يكون شيء من المفعولات لازما لذاته فلا يكون قديما وهو المطلوب.
وهذا في غاية الحسن والصحة.
وإن قيل: يمكن أن يكون المعين اللازم للذات مقدورا مرادا.
قيل: فتلك القدرة والإرادة يمكن حينئذ أن تكون مقدورة مرادة وحينئذ فإن كانت مقدروة مرادة بتلك الإرادة والقدرة لزم الدور في التأثير والفعل والاقتضاء وإن كانت بأخرى لزم التسلسل في التأثير ونوعه.
وكلاهما ممتنع بصريح العقل واتفاق العقلاء فإنه حينئذ تلزم الذات قدرة قديمة وإرادة قديمة وتلك لا توجد إلا بقدرة قديمة وإرادة أخرى قديمة وتلك لا توجد إلا بقدرة أخرى قديمة وإرادة أخرى قديمة والفاعل لا يفعل شيئا من القدر والإرادات إلا بعد فعله لبعض القدر والإرادات فلا تلزم أن لا يفعل شيئا فهذا هو الدور في أصل الفعل والتأثير.
[ ٢ / ١٤٨ ]
وإن قيل: بل الفعل المعين اللازم للذات مقدور مراد ونفس القدرة والإرادة المشروطتين فيه ليست مقدورتين مرادتين.
قيل: إن كان المرجع إلى المعقول الصريح فلا فرق بين تقدير فعل معين لازم لذات فاعلة وتقدير غيره من الأمور اللازمة لذات ذلك الفعل فإن الذات مستوجبة للوازمها المعينة لا يمكن وجودها بدون وجود شيء من لوازمها فتفريق المفرق بين لازم ولازم بأن هذا اللازم هو لازم له بقدرته وإرادته وهذا اللازم لازم له بدون قدرته وإرادته تفريق بين المتماثلين وخروج عما يعقل في هذا الباب.
ومن أعرض عن نصوص الأنبياء وادعى عقليات تخالفها وليس معه معقول صريح ولا قياس صحيح كان كلامه خارجا عن العقل والسمع كما قال أهل النار: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (سورة الملك ١٠) .
وهذا الموضع من أحكمه انكشف له حجاب هذا الباب فإن نفس كون الفاعل فاعلا يقتضي حدوث الفعل إما نوعا وإما عينا وأما فعل ليس بحادث لا نوعه ولا عينه بل هو لازم لذات الفاعل فليس هو فعل أصلا.
ولهذا كان نفس علم الخلق بأن الشيء مخلوق يوجب علمهم بأنه مسبوق بالعدم إذ لا يعقل مخلوق مقارن لخالقه لازم لم يزل معه.
ولهذا كان كلام الله الذي بعث به رسله موافقا لما فطر الله عليه الخلائق والذي فطر عليه العباد أنه إذا قيل هذا فعل هذا أو صنعه
[ ٢ / ١٤٩ ]
أو خلقه أو أبدعه أو نحو هذه العبارات لم يعقل منه إلا أنه أحدثه بعد أن لم يكن وهذه المقدمة بينة بنفسها لا يحتاج إلى إثباتها بأدلة فطرية بل تقدير نقيضها معلوم الفساد في بدائه العقول.
فإذا قيل هذا مفعول لهذا وهو معه لم يزل مقارنا له كان هذا عند العقل جمعا بين النقيضين وكأنه قيل هو مفعول له ليس مفعولا له بل يقول العاقل إذا كان الأمر كذلك لم يكن جعل أحدهما فاعلا والآخر مفعولا بأولى من العكس.
وإذا قيل: أحدهما ممكن يقبل الوجود والعدم والآخر واجب بنفسه لا يقبل العدم كان هذا أيضا مما تنكره العقول بفطرتها.
فإنه إذا قيل: هذا يمكن أن يوجد ويمكن أن لا يوجد لم يعقل هذا إلا فيما كان حادثا والإمكان يعود إلى الفاعل تارة وإلى القابل أخرى فيقال في الأول هذا يمكنه أن يكتب ويقوم ويتكلم ويقال في الثاني هذه الأرض يمكن أن يزدرع فيها وهذه المرأة يمكن أن تحمل.
وهذا القدر مما اتفق عليه الجمهور من العقلاء وهو مذهب أئمة الفلاسفة بل مذهب أئمة المشائين كأرسطو وأتباعه فإنهم لم يصفوا بالإمكان إلا ما كان حادثا.
[ ٢ / ١٥٠ ]
وأما تقدير قديم ممكن فهذا يوجد في كلام ابن سينا ومن سلك سبيله كالسهروردي وكالرازي والآمدي وقد أنكر ذلك على ابن سينا طائفة من الفلاسفة إخوانه كابن رشد الحفيد وغيره وبينوا أنه خرج بذلك عن مذهب سلفه القدماء كما خرج به عن المعقول الصريح.
ولهذا ورد على هؤلاء في الإمكان من الإشكالات ما لم يمكنهم الجواب عنه كما قد بيناه في كلامنا على المحصل وغيره فإنهم فرضوا ما يستلزم الجمع بين النقيضين وهي تقدير ذات قديمة أزلية لا يمكن عدمها ألبتة.
فإن قالوا مع ذلك: هي واجبة بغيرها وقالوا مع ذلك هذه الذات باعتبار حقيقتها تقبل الوجود والعدم ليس أحدهما أولى بها وزادوا على ذلك فقالوا لا يكون وجودها ولا عدمها إلا بسبب منفصل قالوا وسبب عدمها عدم السبب الفاعل.
فقال لهم جمهور العقلاء هذا باطل من وجهين: أحدهما: أن
[ ٢ / ١٥١ ]
العدم المحض المستمر لا يفتقر إلى سبب بل العقل الصريح يعلم أن ما لم يوجد قط لا يحتاج في أن لا يوجد إلى علة.
ولهذا قال نظار المسلمين إن العدم المحض لا يحتاج إلى علة ثم إذا قالوا علة العدم عدم العلة كان عدم العلة أيضا محتاجا إلى علة إن كان العدم لا بد له من علة.
نعم إذا قيل: عدم العلة يستلزم عدم المعلول كان هذا صحيحا ولكن ليس كل ملزوم فاعلا فكل ما لا يوجد إلا بسبب يلزم من عدم سببه عدمه لأن نفس عدم السبب هو الذي جعله معدوما في نفس الأمر بل عدمه في نفس الأمر لا علة له أصلا.
الثاني: قولهم في موجود قديم أزلي إنه ممكن يقبل الوجود والعدم كما يقولون مثل ذلك في الفلك فإن هذا باطل أيضا عند جماهير العقلاء من الفلاسفة وأهل الملل وغيرهم وإنما قالته هذه الشرذمة.
وأول من قال من الفلاسفة بقدم الفلك صورته ومادته هو أرسطو واتبعه على ذلك من اتبعه كثامثطيوس والإسكندر
[ ٢ / ١٥٢ ]
الأفرديوسي لكن هؤلاء لم يقولوا إنه ممكن يقبل الوجود والعدم كما يقوله ابن سينا وأتباعه فإن القابل للعدم إن أريد به هذا القديم فالقديم الواجب وجوده ولو بغيره كيف يعقل قبوله العدم؟
وهذا كالصفات اللازمة لذات الرب تعالى فإنها لا تقبل العدم بحال فحياته تعالى لازمة لذاته المقدسة لا تقبل العدم أصلا بل فرض عدمها محال.
وإن قيل: هو باعتبار ذاته يقبل العدم.
قيل: عنه جوابان: أحدهما: أن تقدير ذات غير الوجود المعين قول تقوله طائفة من الفلاسفة كأتباع أرسطو من أهل المنطق وهو قول باطل عند جمهور العقلاء كما قد بسط في موضعه.
ولهذا كان تفريق هؤلاء بين الصفات المقومة الداخلة في الماهية والصفات العرضية اللازمة إما للماهية وإما لوجودها يعود عند التحقيق إلى اعتبارات ذهنية لا إلى صفات تبنى الحقائق عليها في نفس الأمر.
[ ٢ / ١٥٣ ]
بل حقيقة قولهم في تمام الماهية وجزء الماهية ولازم الماهية يرجع في المعنى إلى دلالة المطابقة والتضمن والالتزام فما قصده الإنسان بلفظ كان تمام ذلك مراده وتمام معناه وتمام الماهية القائمة في ذهنه التي عبر عنها بذلك اللفظ وما كان جزء ذلك المعنى وهو المدلول عليه بالتضمن وهو جزء ما أراده وجزء ما قام بنفسه من تلك الماهية وما كان لازما لمدلول اللفظ كان خارجا عن المدلول لازما له وهو خارج عن تلك الماهية القائمة في نفسه لازم لها.
وهذا الموضع قد بسط في الكلام على المنطق بسطا ليس هذا موضعه وإنما الغرض التنبيه فمن حقق كلامهم في الصفات الذاتية المقومة الداخلة في الماهية والصفات اللازمة الخارجة عن الماهية ورأى كتبهم الكبار المبسوطات في هذا الباب وأعطى النظر العقلي حقه ولم يسلم عبارات لم يحقق معناها تبين له أن ما يذكرونه من الفرق بين الذاتي والعرضي اللازم وما يذكرونه من تركيب الحقيقة من الجنس والفصل وأن هذا هو الذاتي المشترك وهذا هو الذاتي المميز والمركب منهما هو النوع وأن العرضي المشترك هو العرض العام والعرضي المميز هو الخاصة وإنما يعود هذا إلى أمور اعتبارية وهو تركب في الذهن لا تركب في الخارج وذلك يتبع ما يتصوره الإنسان ويعبر عنه لا يتبع الحقائق في نفس الأمر فمن تصور حيوانا ناطقا فالأول ذاتي مشترك والثاني ذاتي مميز والضاحك خارج عما تصوره ومن تصور حيوانا ضاحكا كان الأمر بالعكس فالضاحك في تصور هذا ذاتي والناطق خارج عن الذات.
[ ٢ / ١٥٤ ]
وهذا المعنى مما تفطن له طائفة من النظار من الفلاسفة وغيرهم وبينوا به ما وقع من غلط هؤلاء في هذا الموضع الذي اشتبه فيه الماهيات الذهنية بالحقائق الخارجية وإلا فكيف يكون الإنسان الموجود في الخارج مركبا من الحيوان والناطق أو الحيوانية والناطقية إن كان مركبا من عرضين فالجوهر لا يتركب من عرضين وإن كان من جوهرين فالإنسان الموجود ليس فيه جواهر متعددة الواحد جسم والآخر حساس والآخر نامي والآخر متحرك بالإرادة والآخر ناطق بل الحق أن الموصوف بهذه الصفة هو الموصوف بالآخر فهو نفسه جسم حساس نام متحرك بالإرادة ولكن بعض هذه الصفات جنسه أعم من بعض فالأعم منها يشركه فيه كل جسم والنامي يشركه فيه النبات والحساس يشركه فيه الحيوان البهيم والناطق لا يشركه فيه إلا الإنسان وأما الموصوف المعين فما قام به من الصفات مختص ولا يشركه فيه غيره وإذا قيل يشاركه فيه غيره فالاشتراك في الأمر الكلي الذي لا يكون كليا إلا في الذهن ومتى وجد في الخارج لم يكن إلا معينا.
والإنسان به ذات موصوفة بصفات ومعلوم أن صفة الموصوف لا تكون متقدمة عليه لا في العقل ولا في الوجود ولا يكون مركبا منها وهم يقولون إن أجزاء المركب متقدمة عليه سابقة له وهذا ممتنع في صفة الموصوف لكن إذا أريد بالمركب ما يتصوره الذهن من قول القائل جسم حساس نام متحرك بالإرادة ناطق فلا ريب أن هذا
[ ٢ / ١٥٥ ]
مركب في الذهن وله أجزاء كما إذا تكلم اللسان به كان مجموع الكلام مركبا من الأجزاء وإذا كتب اللفظ بالخط كانت الكتابة مركبة من الأجزاء فالشيء له حقيقة في نفسه ثم يتصور في الذهن ثم يعبر عنه باللسان ثم يكتب بالقلم له وجود في الأعيان والأذهان واللسان والبنان وجود عيني وعلمي ولفظي ورسمي لكن وجوده الذي هو الوجود الحقيقي هو الوجود العيني كالإنسان الموجود في الخارج.
وهذا الإنسان يتصف بأنه حي وبأنه ناطق لكن لم تكن هذه الصفات متقدمة عليه لا في الخارج ولا في العقل ولا مركب منهما بل هو متصف بهما كما هو متصف بسائر صفاته اللازمة له وهذا هو الذي عليه نظار المسلمين وجمهور العقلاء أن الصفات اللازمة للموصوف كلها مشتركة في هذا الباب وأما تقسيمها إلى ما هو ذاتي داخل في الحقيقة وعرضي لازم خارج وتقسيم اللازم إلى ما هو لازم للذات ولازم لوجودها فهذا قول هؤلاء المنطقيين وقد خالفهم في ذلك جمهور طوائف النظار من المسلمين وغيرهم كما هو موجود في كتب النظار المسلمين.
وأول من علمت أنه وافقهم على ذلك أبو حامد في كتبه وأنكر الناس عليه ذلك كما أنكروا ما وافقهم عليه في بعض مسائل الإلهيات والنبوات وإن كان أبو حامد نفسه قد أنكر عليهم ما أنكره من خطئهم في الإلهيات فهذه الأمور مبسوطة في موضعها.
والمقصود هنا أن إثبات قديم أزلي يمكن وجوده ويمكن عدمه قول
[ ٢ / ١٥٦ ]
منكر عند جماهير النظار من المسلمين والفلاسفة كما هو منكر في فطر العقلاء لأن دعوى ذات الممكن في الخارج غير الموجود في الخارج باطل وما يذكرونه من أن الإنسان يتصور المثلث مع الشك في وجوده فذاك لأنه لا يتصوره في الذهن ولا نزاع بين العقلاء أن ما تتصوره الأذهان مغاير لما يوجد في الخارج فإذا أريد بالماهية ما في الذهن وبالوجود ما في الخارج وقيل ماهية الشيء مغايرة لوجوده كان هذا صحيحا وإنما المنكر أن يراد بالماهية أمر ثابت في الخارج غير الموجود الخارج ويقال إن تلك الماهية هي حقيقة هذا الموجود وهذا مبسوط في غير هذا الموضع.
الوجه الثاني: أنه بتقدير أن يكون الأمر كذلك فالقديم الواجب الوجود بغيره لم تزل ماهيته موجودة والوجود لازم لها وتقدير عدمها تقدير ممتنع فإذا قيل يمكن أن تكون موجودة ويمكن أن تكون معدومة لم يكن صحيحا بل لا يمكن عدمها بحال وغايته أن وجودها اللازم لها هو من غيرها لا منها مع أنه وجود واجب بغيره هذا لو أمكن أن يكون القديم الأزلي مفعولا وهذا ممتنع في فطر العقلاء قاطبة.
ولهذا جاءت الكتب الإلهية بخطاب الناس بالمعقولات الصحيحة الفطرية فإن الرسل بعثوا بتقرير الفطرة وتكميلها لا بتغيير الفطرة وتحويلها والنفس إنما تنال كمالها بسعادتها ونجاتها بالفطرة المكملة بالشرعة المنزلة ولهذا حيث ذكر الله في كتابه شيئا من هذه الأسماء التي تدل على الفعل لم يعقل العقلاء من ذلك إلا أنه محدث كقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ
[ ٢ / ١٥٧ ]
رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾ (سورة العلق ١ ٣) فهل يعقل العقلاء قط أن الشيء يكون مخلوقا ولا يكون حادثا غير هؤلاء الملحدين في السمعيات والعقليات الذين سلكوا في العقليات مسلك السفسطة وفي السمعيات مسلك القرمطة.
وكذلك قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ (سورة النحل ٣) .
وقوله: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ (سورة الذاريات: ٣) وقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ (سورة الشمس: ٥) .
وقوله: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ (سورة النازعات ٢٧ ٢٨) .
وقوله: ﴿رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ (سورة الرعد ٢) .
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ (سورة الأنبياء ٣٢) ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ (سورة الأنعام ١) ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ (سورة الأنبياء ٣٣) إلى أمثال ذلك من الخطاب الذي قد علم بالاضطرار معناه وأن بناءها أمر حادث كان بعد أن لم يكن وليس المراد أنها قديمة أزلية لم تزل كذلك وأن معنى خلقها أنها معلولة لعلة قديمة أزلية.
ومن افترائهم على السمعيات أنهم يسمعون هذا أيضا حدوثا
[ ٢ / ١٥٨ ]
ويقولون: هذا العالم محدث أي معلول ومعنى حدوثه عندهم وجوبه بالواجب بنفسه وافتقاره إليه.
ومعلوم بالاضطرار أن هذا لا يسمى حدوثا كما لا يسمى خلقا ولم يختلف المسلمون وغيرهم أن كل مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن وأن كل مخلوق حدث وإنما تنازعوا في كل محدث هل يجب أن يكون مخلوقا وأن كل حادث يجب أن يكون محدثا هذا فيه نزاع معروف بين المسلمين كما هو مبسوط في موضعه.
ولهذا كان قدماء النظار عندهم كل من قال العالم قديم فقد أنكر الصانع إذ كانوا لا يعقلون أن يقال هو قديم وهو مفعول ولكن متأخريهم لما رأوا من قال من الفلاسفة إنه معلول غير واجب ذكروا هذا القول وبحثوا مع أصحابه.
وأما أرسطو وأتباعه فإنما في كلامهم إثبات العلة الأولى من حيث هي غاية وأن الفلك يتحرك للتشبه بها فأوجب وجودها من هذه الجهة لم يثبت وجودها من حيث أن الفلك معلول علة فاعلة كما فعله ابن سينا ومن سلك سبيله فإنه سلك سبيلا بعضها من أصول سلفه الفلاسفة وبعضها أخذه من أصول المعتزلة ونحوهم والرسل صلوات الله عليهم لم يقولوا إن الرب كان في الأزل متعطلا عن الكلام والفعل وأنه لم يمكنه أن يتكلم ولا أن يفعل في الأزل بمشيئته وقدرته وإنما أهل الكلام
[ ٢ / ١٥٩ ]
المحدث في الإسلام من المعتزلة والجهمية ومن وافقهم في أصلهم التبس عليهم حدوث الأعيان المخلوقة بحدوث نوعها كما التبس عليهم قدم نوع كلام الله بقدم عين الكلمة وظنوا أن حدوث الأعيان لا يحصل إلا بحدوث النوع فالتزموا تعطيل الرب وتعجيزه في الأزل عن الكلام والفعال وسلبوه صفات الكمال فتسلطت عليهم السلف والأئمة ورثة الأنبياء بالتبديع والتضليل بل وبالتكفير وانفتح عليهم من الفلاسفة سد الدهرية بعد أن كان مبنيا بزبر الحديد فلا للإسلام نصروا ولا للكفار كسروا ولا بحبل الله اعتصموا ولا للكتاب والسنة اتبعوا بل فرقوا دينهم وكانوا شيعا واعتاضوا عن الشريعة الإلهية بما أحدثوا بآرائهم بدعا.
ومما يبين هذا انه لما كان شواهد الافتقار في أعيان العالم واحتياجها إلى الصانع بينة ظاهرة بل معلومة بالبديهة كان معلوما مع ذلك أن كلا منها محدث مخلوق كائن بعد أن لم يكن في فطر العامة فإن الأمر مبني على مقدمتين إحداهما أن هذا المعين مفتقر إلى فاعل إذ هو ليس بواجب بنفسه والثانية أن ما افتقر إلى فاعل لم يكن إلا محدثا فإذا كل شيء من العالم تثبت فيه هاتان المقدمتان.
وأما كون هذا المعين مفعولا مخلوقا مربوبا مفتقرا إلى بارئه وأنه لازم لفاعله للزوم الفعل الذي به فعله فاعله كلزوم حياته أو بدون فعل قائم به فهذا مما لا يعقله الخلق بفطرتهم التي فطروا عليها.
[ ٢ / ١٦٠ ]
وهذا النوع من الكلام دليل مستقل على حدوث كل شيء من العالم من جهة كونه ممكنا مفعولا لغيره لا واجبا بنفسه والأول من جهة كونه ممكنا مستلزما لاقترانه بالحوادث فإذا عرف أنه محتاج إلى مبدعه الواجب بنفسه علم أنه محدث من جهة أن فعل الفاعل لا يكون إلا حادث العين أو النوع ومن جهة أن ما كان مستلزما للحوادث لم يمكن أن يفعله الفاعل دونها وفاعل الحوادث لا يكون موجبا بذاته يلزمه مفعوله وما لم يلزمه مفعوله المعين لا يكون مفعوله قديما فلا يكون شيء من العالم قديما.
ومن تدبر كلام الدهرية القائلين بقدم الأفلاك من المتفلسفة الإلهيين كأرسطو وشيعته وغيرهم لم يجد لهم دليلا أصلا على قدم شيء من العالم لا الأفلاك ولا غيرها ولكن يذكرون ما يدل على دوام فاعليه الفاعل ونحو ذلك.
والذين ناظروا هؤلاء من أهل الجدل والكلام الذي ذمه السلف وعابوه بنوا الأمر على أن الرب لم يزل معطلا عن الكلام والفعل لا يمكنه أن يتكلم ولا أن يفعل ثم صار يمكنه الكلام والفعل بعد أن لم يمكنه من غير تجدد شيء.
وهذا أصل الجهمية والمعتزلة والكرامية وهو أصل الكلابية والأشعرية لكن سلكوا في كلام الله تعالى وصفاته مسلكا انفردوا به دون السلف والأئمة وأهل الحديث ودون المعتزلة كما هو معروف من قولهم.
ولهذا كان فيما أنكره الناس على الكلابية قولهم إن الرب لم يكن
[ ٢ / ١٦١ ]
قادرا على الفعل في الأزل وليس هذا قولهم وحدهم بل هو قول هؤلاء الذين أخذوا عنهم الكلام.
ولهذا لما وقع في أرض المشرق زمن السلطان محمود بن سبكتكين ثم في أول دولة السلاجقة زمن ألب رسلان فتنة بين الحنفية والشافعية وكان السلطان قد تقدم بلعنة أهل البدع على المنابر لما كاتبه الحاكم المصري الملحد ودعاه إلى مبايعته فأرسل إلى الإمام القادر فعرفه لصورة الحال وبمبايعته لشريعة الإسلام وكتب الإمام القادر الإعتقاد القادري المعروف وعامته من نظم الشيخ أبي أحمد الكرجي وأمر القائم بقراءته على الناس وتقدم باستتابة أهل البدع فاستتيبت المعتزلة سنة بضع وأربعمائة وجرى على القاضي أبي بكر بن الطيب محنة وقام عليه الشيخ أبو حامد الإسفراييني الشافعي والشيخ أبو عبد الله بن حامد الحنبلي وكان الإسفراييني مظهرا للإنكار عليه جدا مظهرا لمخالفته في قوله في القرآن وكان القاضي أبو بكر يكتب محمد بن الطيب الحنبلي إذ كانت الأشعرية منتسبة إلى السنة وإلى أئمتها منتصرة للمقالات المشهورة عن إمام السنة أحمد بن حنبل وغيره من علماء أهل السنة وصنف القاضي أبو بكر إذ ذاك كتابه المشهور في الرد على الباطنية حزب الحاكم المصري العبيدي وقام السلطان محمود بأرض المشرق وأظهر لعنة أهل البدع على المنابر وكذلك بعده ملوك السلاجقة فأدخل أقوام من الحنفية وغيرهم الأشعرية في اللعنة حتى صنف أبو القاسم القشيري شكايته المشهورة وصنف الحافظ أبو بكر البيهقي رسالة معروفة وذكروا أشياء مما نقمت على أبي الحسن الأشعري وكان مما ذكروه قوله إن الرب لم يكن في الازل قادرا على الفعل.
[ ٢ / ١٦٢ ]
وهذا أصل قول هؤلاء المتكلمين الذين احتجوا على حدوث العالم بأن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث لامتناع حوادث لا أول لها ويلزم من ذلك امتناع أن يكون مقدورا للرب فقالوا صار الفعل ممكنا بعد أن لم يكن ممكنا.
ومعلوم عند من يعلم الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة وأئمتها أنه ليس في الكتاب ولا السنة شيء يدل على أن الرب لم يكن الفعل ممكنا له في الأزل أو لم يكن الفعل والكلام ممكنا له في الأزل أو أنه لم يزل معطلا عن الفعل أو عن الفعل والكلام لم يزل معطلا ثم إنه صار قادرا فاعلا متكلما بعد أن لم يكن كذلك.
وقد يجيبون عن هذا بجواب فيه مغلطة فيقولون لم يزل قادرا ولكن المقدور كان ممتنعا في الأزل وهذا تناقض فإن المقدور لا يكون ممتنعا بل لا يكون إلا ممكنا ولأن ذلك يتضمن الانتقال من الامتناع إلى الإمكان بلا حدوث شيء وهو باطل.
والجهم هو أول من أظهر هذا الكلام في الإسلام وطرد قياسه بأن ما كان له ابتداء فلا بد أن يكون له انتهاء وأن الدليل الدال على امتناع ما لا يتناهى لا يفرق بين الماضي والمستقبل فقال بفناء الجنة والنار.
وكان هذا مما أنكره عليه سلف الأمة وأئمتها مع إنكارهم عليه نفي الصفات والقول بخلق القرآن ونفى الرؤية الذي هو لازم قوله بهذه الحجة.
[ ٢ / ١٦٣ ]
فإن طردها أوجب عليه أن لا يقوم بذات الله لا صفة ولا فعل ولا كلام وكان ذلك مستلزما لنفي الصانع ولهذا عظم نكير سلف الأمة عليه وعلى أتباعه من المعتزلة والنجارية والضرارية وغيرهم.
قال حرب الكرماني ورواه عنه أبو بكر الخلال في كتاب السنة ثنا محمد بن إدريس يعني أبا حاتم الرازي ثنا علي بن ميسرة ثنا علي بن الحسين بن شقيق سمعت خارجة بن مصعب يقول: "كفرت الجهمية بآيات من كتاب الله قال تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ (سورة الرعد ٣٥) وقالوا: ينقطع.
وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (سورة القيامة ٢٢: ٢٣) فقالوا: لا تنظر".
وقال الخلال ثنا أبو داود السجستاني ثنا أحمد حدثني أبي قال: قال إبراهيم بن طهمان ما ذكرته ولا ذكر عندي إلا دعوت الله عليه ما أعظم ما أورث أهل القبلة من منطقه هذا العظيم يعني جهما.
قال أبو داود ثنا عبد الله بن مخلد ثنا علي بن إبراهيم ثنا يحيى ابن شبل قال: كنت جالسا مع مقاتل بن سليمان وعباد بن كثير إذ جاء شاب فقال: ما تقول في قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ (سورة القصص ٨٨) فقال مقاتل: "هذا جهمي" ثم قال: "ويحك والله إن
[ ٢ / ١٦٤ ]
جهما ما حج هذا البيت قط ولا جالس العلماء إنما كان رجلا أعطي لسانا".
قال أبو داود ثنا أحمد بن الصباح ثنا علي بن الحسن بن شقيق عن ابن المبارك قال: "إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى وما نستطيع أن نحكي كلام الجهمية".
قال الخلال أخبرني حرب بن إسماعيل ثنا محمد بن مصفى ثنا بقية بن الوليد عن عبد العزيز بن الماجشون قال: "جهم وشيعته الجاحدون".
وقال ثنا عبد الله بن أحمد ثنا الحسن بن عيسى مولى ابن المبارك ثنا حماد بن قيراط سمعت إبراهيم بن طهمان يقول: "الجهمية كفار".
وقال عبد الله بن أحمد ثنا محمد بن صالح مولى بني هاشم ثنا عبد الملك بن قريب الأصمعي أنا المعتمر بن سليمان عن أبيه أنه قال: "ليس قوم أشد نقضا للإسلام من الجهمية".
قال عبد الله حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي وعلي بن مسلم ثنا سليمان بن حرب سمعت حماد بن زيد وذكر هؤلاء الجهمية فقال: "إنما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء شيء".
قال الخلال أنا أبو بكر المروزي ثنا محمد بن يحيى بن سعيد القطان قال كان أبي وعبد الرحمن يقولان: "الجهمية تدور على أن ليس
[ ٢ / ١٦٥ ]
في السماء شيء" قال المروزي سمعت أحمد الدورقي سمعت يزيد بن هارون وذكر الجهمية فقال كفار لا يعبدون شيئا قال المروزي ثنا إسماعيل بن أبي كريمة سمعت يزيد بن هرون يقول: "القرآن كلام الله لعن الله جهما ومن يقول بقوله كان كافرا جاحدا ترك الصلاة أربعين يوما يريد زعم يرتاد دينا وذلك أنه شك في الإسلام".
قال الخلال وأخبرني حرب الكرماني ثنا أبو علي الحسن بن الصباح ثنا قاسم العمري ثنا عبد الرحمن بن محمد بن حبيب حدثنا أبي عن جدي حبيب قال شهدت خالد بن عبد الله القسري خطب الناس بواسط يوم النحر فقال: "أيها الناس ارجعوا فضحوا تقبل الله منكم فإني مضح بالجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا" ثم نزل فذبحه.
والجهم بن صفوان أخذ مذهبه عن الجعد بن درهم وكان الجعد هذا من أهل حران وإليه ينسب مروان الجعدي آخر خلفاء بني أمية وكان بحران أئمة الفلاسفة الصابئة القائلين بقدم العالم وتعطيل الصفات وعنهم أخذ تحقيق ذلك أبو نصر الفارابي لما دخل حران وكان الجعد فيما يقال أخذ تعطيل الصفات عنهم ولهذا أنكر كلام الله ومحبة الله فلا يكون له كليم ولا خليل.
هذا مع أن الفلاسفة مختلفون في قدم العالم وحدوثه وأساطينهم
[ ٢ / ١٦٦ ]
المتقدمون على القول بحدوثه بل وعلى إثبات الصفات والأمور الاختيارية القائمة بالله وأول من عرف عنه من الفلاسفة المشائين القول بقدم الأفلاك هو أرسطو وحججه على ذلك واهية جدا لا تدل على مطلوبه بل استدلاله على قدم الزمان وأنه مقدار الحركة فيلزم قدمها ثم ظن أن جنس الزمان مقدار حركة الفلك وهذا غلط عظيم فإن جنس الزمان إذا قيل الزمان مقدار الحركة فهو مقدار جنس للحركة لا حركة معينة بل الزمان المعين مقدار الحركة المعينة ولهذا كان جنس الزمان باقيا عند المسلمين بعد قيام القيامة وانشقاق السماء وتكوير الشمس ولأهل الجنة أزمنة هي مقادير حركات هناك غير حركة الفلك ولهم في الآخرة يوم المزيد يوم الجمعة مع أن الجنة ليس فيها شمس ولا زمهرير بل أنوار وحركات أخر.
فمن قال: إن الرب لم يزل متكلما إذا شاء وكيف شاء وبما شاء كان الكلام عنده صفة ذات قائم بذات الله وهو يتكلم بفعله وفعله بمشيئته وقدرته فمقدار ذلك إذا قيل بقدمه كان وفاء بموجب الحجة المقتضية لقدم نوع ذلك من غير أن يكون شيء من العالم قديم مع الله تعالى ولا يحتاج مع ذلك أن يقال لإمكان الفعل بداية ولا أن يجمع بين النقيضين في التقدير فيقال إذا قيل الفعل أو الحادث بشرط كونه مسبوقا بالعدم لا أول لإمكانه فإن هذا التقدير جمع بين النقيضين كما في تقدير كونه لم يزل قادرا مع امتناع دوام المقدور.
[ ٢ / ١٦٧ ]
فإذا قيل لم يزل الرب قادرا وقيل مع ذلك لم يكن الفعل ممكنا ثم صار ممكنا وأنه يمتنع أن يكون الفعل لم يزل مقدورا كان حقيقة الكلام لم يزل قادرا مع كونه كان غير قادر ثم صار قادرا فإن إثبات القادرية مع امتناع المقدور جمع بين المتناقضين وكذلك هذا وذلك أن الفعل بشرط كونه مسبوقا بالعدم يجب أن يكون له أول فكل ما سبق بالعدم فله أول إذ العدم قبله وما لا أول له ليس قبله شيء بل هو دائم لم يزل.
فإذا قيل: الفعل بشرط كونه مسبوقا بالعدم لا أول لإمكانه كان المعنى أن الفعل بشرط كونه له أول لا أول له ونظير هذا التناقض فرقهم بين أزلية الصحة وصحة الأزلية وربما قالوا بين إمكان الأزلية وأزلية الإمكان وهو فرق لا حقيقة له فإنه إذا كان الإمكان الذي هو الصحة أزليا فمعنى ذلك أنه لم يزل الفعل ممكنا صحيحا.
هذا هو المراد بأزلية الإمكان والصحة ومعلوم أن هذا يتضمن إمكان أزلية الفعل وصحة ذلك فإنه إما أن يكون الثابت في نفس الأمر أزلية الفعل أو امتناعها فإن كان الثابت هو الامتناع كان الفعل ممتنعا في الأزل فلم يكن ممكنا وحينئذ فلا يكون الإمكان أزليا بل حادثا بعد أن لم يكن وهذا قول بأن إمكان الفعل ليس بأزلي بل حادث بعد أن لم يكن من غير مسبب يوجب حدوثه وهو خلاف قولهم بأزلية الإمكان.
[ ٢ / ١٦٨ ]
ثم إنه ممتنع بصريح العقل فإنه إذا كان إمكان الفعل له بذاته وهو حادث بعد أن لم يكن كان هذا ممتنعا لوجهين أحدهما أنه يلزم حصول الإمكان بعد الامتناع من غير سبب أوجب كونه قادرا وهو سلب لصفة الكمال للرب في الأزل ودعوى حدوثها بعد أن لم تكن من غير سبب أوجب ذلك وكلاهما ممتنع فإن كماله من لوازم ذاته وكونه قادرا من لوازم ذاته إذ لو لم يكن من لوازم ذاته لكان عارضا لهذا وكان مفتقرا في ثبوت كونه قادرا إلى غيره ثم ذلك الغير إن كان مفعوله فإنه يستلزم الدور القبلي فإنه لا يكون فاعلا للمفعول إلا إذا كان قادرا فلو استفاد كونه قادرا من المفعول والمفعول لا يكون قادرا على الإقدار إلا بإقداره لزم أن لا يكون هذا قادرا حتى يجعله الآخر قادرا فلا يكون واحد منهما قادرا.
وأيضا فكون المفعول هو الذي يجعل الفاعل قادرا أو فاعلا معلوم فساده بصريح العقل فإن كل ما للمفعول هو من الفاعل لا من نفسه فلو لم يكن الفاعل قادرا إلا بإقدار المفعول له لم يكن قادرا بحال بل ولا كان مفعول أصلا فضلا عن كونه قادرا فضلا عن كونه مقدورا لفاعله.
وكذلك لو قدر قديمان أو واجبان كل منهما إنما صار واجبا قادرا بإقدار الآخر كان هذا ممتنعا في صريح العقل وكان مستلزما للدور القبلي فإن هذا لا يكون قادرا حتى يجعله ذاك قادرا وذاك لا يكون قادرا حتى يجعله هذا قادرا فلا يكون كل واحد منهما قادرا.
[ ٢ / ١٦٩ ]
فإن كون القادر قادرا في نفسه هو سابق لكونه يجعل غيره قادرا فمن ليس بقادر في نفسه يمتنع أن يجعل غيره قادرا فالامتناع يعلم من جهة بطلان الدور القبلي ومن جهة أن من ليس بقادر يمتنع أن يجعل غيره قادرا.
وهذا من أحسن ما يستدل به على التوحيد فإنه يعلم به أن الرب لا بد أن يكون قادرا بنفسه لا تكون قدرته مستفادة من غيره وحينئذ فإذا قدر قادران كان اجتماعهما على فعل المفعول الواحد ممتنعا لذاته بصريح العقل واتفاق العقلاء فإن فعل أحدهما له يوجب استقلاله فيمتنع أن يكون له شريك فضلا عن أن يكون هناك فاعل آخر مستقل.
ولهذا كان من المعلوم عند العقلاء بصريح العقل أنه يمتنع اجتماع مؤثرين تامين على أثر واحد وإن شئت قلت يمتنع اجتماع علتين تامتين على معلول واحد.
وإذا كان كذلك فإذا قدر ربان امتنع استقلال كل منهما بفعل شيء واحد بل إذا فعل أحدهما شيئا كان الآخر فاعلا لشيء آخر وهذا تحقيق قوله تعالى: ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ (سورة المؤمنون ٩١) .
وأيضا فإذا كانا قادرين فإن أمكن أحدهما أن يفعل بدون الآخر أمكن أن يريد ضد مراد الآخر فيلزم التمانع فإنه إن وجد مرادهما لزم اجتماع الضدين وإن لم يوجد مراد واحد منهما لزم عجزهما جميعا ولزم خلو المحل من أحد المتقابلين اللذين لا يخلو الجسم عنهما مثل أن يريد
[ ٢ / ١٧٠ ]
أحدهما إحياء جسم ويريد الآخر إماتته أو يريد تحريكه ويريد الآخر تسكينه ونحو ذلك.
وإن قيل: يجب اتفاقهما في الفعل بمعنى أنه إذا فعل أحدهما شيئا لم يعارضه الآخر فيه لم يكن واحد منهما قادرا إلا بشرط تمكين الآخر له والإمساك عن معارضته وهذا يستلزم أن لا يكون واحد منهما قادر بنفسه وهو ممتنع كما تقدم.
وإن فسر الاتفاق في الفعل بمعنى الاشتراك فيه فالاشتراك في المفعول الواحد بمعنى أن كلا منهما مستقل بالمفعول ممتنع كما تقدم.
والاشتراك بمعنى أن هذا له فعل ومفعول غير فعل هذا ومفعوله يوجب أن يذهب كل إله بما خلق والعالم مرتبط بعضه ببعض ارتباطا ويحتاج بعضه إلى بعض احتياجا يمتنع معه أن يكون بعضه مفعولا لواحد وبعضه مفعولا لآخر فإذا قدر فاعلان لزم أن يذهب كل إله بما خلق وأن يعلو بعضهم على بعض فذهاب كل إله بما خلق لأن مفعول هذا غير مفعول هذا وعلو بعضهم على بعض لأن كونهما قادرين يوجب أن كلا منهما غني في قدرته عن الآخر وأنه يمكنه أن يفعل بدونه فيمتنع أن يفعلا شيئا سواء كانا متفقين لامتناع صدور الفعل الواحد عن فاعلين أو كانا مختلفين لأن ذلك يستلزم التمانع فيكون كل منهما مانعا للآخر فلا بد أن يكون أحدهما هو القادر دون الآخر فيكون
[ ٢ / ١٧١ ]
القادر هو القاهر للآخر فيعلو عليه كما قال تعالى: ﴿وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (سورة المؤمنون ٩١) وهذه الأمور مبسوطة في موضع آخر لما تكلمنا على طرق الناس في إثبات التوحيد ومعناه.
والمقصود هنا أنه يمتنع كون واجبين قدرة كل منهما مشروطة بقدرة الآخر فلا بد أن يكون الرب قادرا بنفسه فتكون قدرته من لوازم ذاته واللازم لا ينفك عن الملزوم وإذا لم يزل قادرا لم يزل يمكنه فعل المقدور وإذا لم يكن فعل المقدور ممكنا لم يكن قادرا في الأزل بل صار قادرا بعد أن لم يكن وليس هذا من الدور المعي الممكن مثل أن يقال لا يكون هذا قادرا إلا مع كون هذا قادرا فإن هذا ممكن في المخلوقات لمعلولي العلة الواحدة فإنهما يحصلان بعلة واحدة فلذلك إذا كان الفاعلان قادرين بإقدار ثالث أمكن أن تكون قدرة أحدهما مشروطة بقدرة الآخر كالأمور المتلازمة التي لا يوجد هذا وقوته إلا مع هذا وقوته.
وأما الواجبان القديمان الخالقان اللذان لم يستفيدا قدرتهما من ثالث فلو قيل إن قدرة أحدهما مشروطة بقدرة الآخر لكان من باب الدور القبلي فإن أحدهما إذا لم تكن قدرته من نفسه ولا من ثالث كانت من الآخر وهذا هو الدور القبلي وإن قيل بل هي حاصلة منه ومن الآخر قيل فالحاصل فيه مشروط بقدرته فلا بد له من قدرة يستقل بها لا يفتقر فيها إلى غيره ولا يكون غيره شرطا فيها فتكون تلك القدرة من لوازم ذاته وهو المطلوب وإن كانت من لوازم ذاته امتنع أن يصيرا قادرا بعد أن لم يكن وامتنع أن يصير الفعل ممكنا بعد أن لم يكن
[ ٢ / ١٧٢ ]
فثبت أنه لم يزل قادرا ولم يزل المقدور ممكنا فثبت أن إمكان الفعل لا أول له وإذا كان الفعل لم يزل ممكنا أمكن أن يكون أزليا وإلا امتنع كونه أزليا.
فعلم أن القول بأزلية الإمكان دون إمكان الأزلية جمع بين النقيضين وحذاقهم يعترفون بهذا وإنما ألجأهم إلى هذا ما ادعوه من كون الفعل أو الكلام والفعل لم يكن ممكنا فصار ممكنا بعد أن لم يكن وهذا أول من قاله في الإسلام الجهمية والمعتزلة ولم يقل هذا أحد من أئمة الإسلام ولا نقل هذا أحد عن النبي ﷺ لا بلفظه ولا بمعناه ولا عن أصحابه ولا عن التابعين لهم بإحسان.
ثم إنهم لما قالوا هذا احتاجوا أن يجيبوا عن قول المنازع لهم الإمكان لا أول له إذ لو كان له أول للزم الانقلاب من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي بلا موجب فقالوا نقدر أن إمكان الحدوث لا أول له أو نقول الإمكان بشرط حدوث الممكن لا أول له فيكون حقيقة الكلام إمكان الحدوث له أول لا أول له وهو جمع بين النقيضين بل كل ما قدر أنه يجب حدوثه ويمتنع قدمه فإن إمكان حدوثه له أول ويمتنع أن يكون إمكان هذا الحدوث لا أول له وسواء كان إمكان الحدوث مشروطا بشرط من جهة الفاعل أو القابل فمتى كان إمكان الحدوث له أول امتنع أن لا يكون له أول وإن كان الحدوث للذي له أول يعقل في أعيان الحوادث فما من شيء من المخلوقات إلا وإمكان حدوثه للذي له أول ويمتنع أن يكون حادثا ويكون إمكان الحدوث أزليا.
[ ٢ / ١٧٣ ]
فهذا القول الذي أحدثته الجهمية والقدرية في الإسلام واتبعهم عليه من اتبعهم وهو بدعة في الشرع وباطل في العقل.
وأما إبطال مذاهب الفلاسفة المخالفة للكتاب والسنة فهو ولله الحمد ممكن بصريح المعقول من وجوه متعددة لا تستلزم إلا حقا.
فقول الفلاسفة بقدم شيء بعينه من العالم يوجب أنه علة تامة له وهذا باطل من وجوه متعددة كما قد ذكر في موضعه.
وأيضا فإنه يمتنع حدوث حادث عن علة قديمة لم يقم بها شيء فإن الفاعل إذا كان حاله عند وجود المعلول الحادث وقبله ومعه سواء كان تخصيص الوقت المعين بحدوث الحادث المعين تخصيصا بلا مخصص وحدوثا بلا سبب حادث فيمتنع أن يحدث عنه شيء بوسط أو بغير وسط فيلزمه أن لا يكون للحوادث محدث وهذا غاية السفسطة.
ففروا من القول بأن الحادث لا بد له من سبب فلزمهم أن لا يكون له محدث فكان ما فروا إليه أعظم مما فروا منه بكثير.
فتبين أنه لو كان علة قديمة لم يكن حاله بعد أن أوجب ذلك القديم كحاله حين أوجبه لأنه لو استوت الحالان لم يكن تخصيص حال القدم بالإيجاب أولى من غير حال القدم ولم يكن حال الإحداث المعين أولى من حال عدم الإحداث المعين إذ كانت نسبة الجميع إليه سواء من كل وجه.
[ ٢ / ١٧٤ ]
وإذا قيل: إنه موجب للمعين دائما.
قيل له: إيجاب الفاعل للمفعول المعين بمعنى مقارنته له في الزمان ممتنع كما بين في موضعه.
وإيجاب الحوادث شيئا بعد شيء بدون قيام أمور متجددة به ممتنع أيضا كما قد بسط في موضعه وإيجاب المعين بدون هذا الحادث وهذا الحادث محال وإيجاب هذا الحادث دائما وهذا الحادث دائما محال.
وأما إيجاب الحوادث شيئا بعد شيء فيستلزم أن لا يكون موجبا للحادث إلا عند حدوثه وحينئذ يستكمل شرائط الإيجاب فيلزم من ذلك تجدد الإيجاب بشيء بعد شيء فحينئذ لم يكن موجبا لمعين إلا بإيجاب معين وما استلزم الحوادث لا يكون له إيجاب معين وأما الإيجاب الذي يتجدد شيئا بعد شيء فيمتنع أن يكون به شيء بعينه قديما لأن القديم لا يكون إلا بإيجاب قديم بعينه لا يتجدد شيئا بعد شيء.
وصار أصل التنازع في فعل الله هل هو قديم أو مخلوق أو حادث؟ من جنس أصل التنازع في كلام الله تعالى وكثير من المتنازعين في كلامه وفعله ليس عندهم إلا قديم بعينه لم يزل أو حادث النوع له ابتداء فالأول قول الفلاسفة القائلين بقدمه والثاني قول المتكلمين من الجهمية والمعتزلة.
ومسألة حدوث العالم متعلقة بهذا لكن الدهرية لم يمكنهم القول
[ ٢ / ١٧٥ ]
بقدم كل شيء من أعيان العالم فإنه خلاف الشاهد فقالوا بقدم أصول العالم كالأفلاك والعناصر وهم يقولون بدوام الحوادث ويثبتون قديم النوع حادث الأعيان.
وصار المناظرون لهم من أهل الكلام يمنعونهم ثبوت هذا النوع ويقولون كل ما ثبت حدوث شيء من نوعه لزم أن يكون نوعه حادثا وأن يكون له ابتداء لامتناع دوام الحدوث والفعل عندهم وظنوا أن القول بأن الله خالق كل شيء لا يتم إلا بهذا فاستظهر الفلاسفة عليهم بهذا وطولوا الكلام عليهم في إبطال هذا وظنوا أنهم بردهم ثبت لهم قدم العالم.
وكان خطأ هؤلاء الفلاسفة أعظم من خطأ أولئك فإن نفس الأصل الكلي الذي اعتمدوا عليه لو أعطوه حقه لم يكن فيه دليل إلا على إبطال قول من زعم أن الرب كان معطلا عن الفعل والكلام ليس فيه دليل على قدم شيء من العالم بل هو بعينه يدل على أن كل ما سوى الله حادث كائن بعد أن لم يكن.
والاستدلال بذلك أصح من الاستدلال بتناهي الحوادث لوجهين أحدهما: أن ذلك قد بينوا بطلانه والنزاع فيه طويل ولوازمه شنيعة.
[ ٢ / ١٧٦ ]
والثاني: أن متأخريهم قالوا هذا إنما يدل على حدوث الأجسام التي لا تخلو عن الحوادث.
قالوا فإذا جاز وجود موجود ليس بجسم كالعقول والنفوس لم يكن في هذا ما يدل على حدوث هذا.
وهكذا ذكره الشهرستاني والرازي والآمدي والأرموي وغيرهم حتى قال من قال في عقيدته: "الأجسام حادثة" من المتأخرين أتباع هؤلاء وقد لا يجزم بقدم العقول والنفوس لكن يقف عند ذلك ويجزم بحدوث الأجسام لكون هذا هو الذي دل عليه العقل عنده وزعم بعض هؤلاء أن سبب حدوث الأجسام هو ما يحدث من تصورات النفوس المتعاقبة وأجابوا بهذا عما طالبهم به خصومهم من شبهة الحدوث.
وزعم الرازي في المطالب العالية أن هذا هو الجواب الباهر عن حجة الفلاسفة واتبعه على ذلك الأرموي في كتابه وزعم هؤلاء أن قدماء المتكلمين لم يجيبوا.
عنه وليس الأمر كذلك بل شيوخ المتكلمين قرروا في كتبهم بأنه يمتنع وجود ممكن إلا جسما أو عرضا وبينوا أن ما يدعى الفلاسفة إثباته خارجا عن ذلك كالعقل والنفس والمادة والصورة باطل وإنما يعود ذلك إلى إثبات أمور ثابتة في الذهن لا في الخارج وهي من نوع العرض
[ ٢ / ١٧٧ ]
أو إلى ثبوت قدر مشترك بين الأجسام وهو الكليات التي لا تخرج عن جسم أو عرض أو إثبات صورة هي إما جسم وإما عرض حتى أن ابن حزم وهو ممن يعظم الفلاسفة قرر أن الأمر منحصر في الأجسام والأعراض وبينوا أنه لا يخرج الممكن عنهما.
وآخرون من أئمة الكلام والنظر قرروا ما هو أعم من ذلك أن الموجود لا يخرج عن هذين القسمين وبينوا أن ما يدعى غيرهم إثباته إما أن يكون ممتنعا ثبوته في الخارج وإما أن يكون داخلا في أحد القسمين.
ولكن لفظ الجسم والعرض فيه نزاع اصطلاح لفظي وفيه نزاع عقلي كما قد بسط في موضعه والمقصود هنا أن الفلاسفة لا حجة لهم أصلا على قدم شيء من أشخاص العالم بل الأصل العقلي الذي يعتمدون عليه يمنع قدمها وقد ذكرنا هذا في مواضع.
وهذا ابن سينا أفضل متأخريهم وهو الذي أخذ فلسفة الأوائل لخصها وضم إليها البحوث العقلية التي تلقاها عن المتكلمين من المعتزلة وغيرهم فزاد فيها ما يوافقها ويقويها بحث صار لهم في الإلهيات كلام له قدر لا يوجد لمتقدميهم فصار أحسن ما عندهم من الإلهيات ما استفاده ابن سينا من كلام المتكلمين والمواضع التي تخالف أصولهم وقد زل فيها المتكلمون صارت عمدة له في الرد على المتكلمين
[ ٢ / ١٧٨ ]
والمتكلمون المعتزلة لهم مواضع أخطأوا فيها وشاركهم الفلاسفة فيها فصارت الفلاسفة تحتج بها عليهم كنفي الصفات ولهم مواضع انفردوا بالخطأ فيها دون غيرهم من المسلمين والفلاسفة فاستطالت بها عليهم الفلاسفة كقولهم إن المحدث لا يحتاج إلى الفاعل إلا في حال حدوثه لا في حال بقائه وقولهم إن القادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح وقولهم إن الممكن يترجح أحد طرفيه إذا كان الوجود أولى به من العدم وإن لم ينته إلى حد الوجود.
فهذه الأمور ونحوها من كلام القدرية التي خالفهم فيها أهل السنة وجمهور المسلمين هي مما طولت لسانه عليهم واشتركوا هم وهم في نفي الصفات وسلك ابن سينا فيها مسلكا فمن تدبر كلامه وجده مشتقا من كلامهم إذ كلام قدماء الفلاسفة في ذلك نزر قليل ولم يصر للقوم كلام يعتد به في الإلهيات إلا بسبب ابن سينا وأمثاله بما استفاده من مبتدعة المسلمين.
ولهذا لم يكن أولئك يسمون هذا العلم الإلهي وإنما يسمونه علم ما بعد الطبيعة باعتبار وجوده أو علم ما بعد الطبيعة باعتبار معرفته وهو كلام في الوجود المطلق ولواحقه كالواحد ولواحقه وكتقسيم ذلك إلى الجوهر والعرض وكتقسيم العرض إلى الأجناس التسعة التي هي الكم والكيف والإضافة والأين ومتى والوضع
[ ٢ / ١٧٩ ]
والملك وأن يفعل وأن ينفعل ومنهم من يجعلها خمسة ومنهم من يجعلها ثلاثة وقد أنشد فيها:
زيد الطويل الأسود بن مالك في بيته بالأمس كان متكى
بيده سيف نضاه فانتضى فهذه عشر مقولات سوا
ثم أخذوا يتكلمون في أنواع هذه الأجناس حتى ينتهوا إلى مبادئ علومهم الجزئية كالمقدار الذي هو موضوع الهندسة والعدد الذي هو موضوع الحساب والجسم الذي هو موضوع العلم الطبيعي ونحو ذلك وتكلموا في العلة والمعلول بكلام قليل.
وأما الكلام بلفظ الواجب الوجود وممكن الوجود فهذا من كلام ابن سينا وأمثاله الذين اشتقوه من كلام المتكلمين المعتزلة ونحوهم وإلا فكلام سلفهم إنما يوجد فيه لفظ العلة والمعلول.
وقد تكلمت على ما ذكره معلمهم الأول أرسطو في غير هذا الموضع وبينت قلة فائدة الحق منه وما فيه من التقصير والخطأ الكثير وأنه كما قيل: "لحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقى ولا سمين فيقلى".
وأولئك كانوا يعتمدون في إثبات العلة الأولى على أن الفلك متحرك بإرادة والمتحرك بالإرادة لا بد له من مراد يكون محركا له تحريك المعشوق لعاشقه وهذا إذا ثبت لم يفد إلا أن له علة غائية لا يفيد أنه معلول
[ ٢ / ١٨٠ ]
لعلة فاعلة وهم مع ذلك لا يجعلون مراد الفلك عبادة الله ومحبته بل مراده التشبه به ولهذا جعلوا الفلسفة التشبه بالإله على قدر الطاقة.
والفلك عندهم ليس مفعولا ولا ممكنا ولا معلولا لعلة فاعلة بل هو موجود بنفسه والممكن عندهم لا يكون إلا المحدث المسبوق بالعدم والفلك ليس كذلك.
[ ٢ / ١٨١ ]