قالوا لأنه لا يعرف إلا بالنظر والاستدلال المفضي إلى العلم بإثبات الصانع قالوا ولا طريق إلى ذلك إلا بإثبات حدوث العالم قم قالوا ولا طريق إلى ذلك إلا بإثبات حدوث الأجسام قالوا ولا دليل على ذلك إلا الإستدلال بالأعراض أو ببعض الأعراض كالحركة والسكون أو الإجتماع والإفتراق وهي الأكوان فإن الجسم لا يخلو منها وهي حادثة وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث قالوا وهذا الأصل يشتمل على أربعة مقامات إثبات الأعراض ثم إثبات حدوثها ثم إثبات استلزام الجسم لها أو أنه لا يخلو منها ثم إبطال حوادث لا أول لها وحينئذ فيلزم حدوث الجسم فيلزم حدوث العالم لأنه أجسام وأعراض فيلزم إثبات الصانع لأن المحدث لا بد له من محدث وهذه الطريقة هي أساس الكلام الذي اشتهر ذم السلف والأئمة له ولأجلها قالوا بأن القرآن مخلوق وأن الله لا يرى في الآخرة وأنه ليس فوق العرش وأنكروا الصفات
[ ١ / ٢٧٤ ]
والذامون لها نوعان منهم من يذمها لأنها بدعة في الإسلام فإنا نعلم أن النبي ﷺ لم يدع الناس بها ولا الصحابة لأنها طويلة مخطرة كثيرة الممانعات والمعارضات فصار السالك فيها كراكب البحر عند هيجانه وهذه طريقة الأشعري في ذمه لها والخطابي والغزالي وغيرهم ممن لا يفصح ببطلانها ومنهم من ذمها لأنها مشتملة على مقامات باطلة لا تحصل لمقصود بل تناقضه وهذا قول أئمة الحديث وجمهور السلف فجاء هؤلاء المتفلسفة لما رأوا هذه عمدة هؤلاء المتكلمين في إثبات حدوث العالم وإثبات الصانع وتفطنوا لموضع المنع فيها وهو قولهم يمتنع دوام الحوادث قالوا هذه الطريقة تستلزم كون الصانع كان معطلا عن الكلام والفعل دائما إلى أن أحدث كلاما وفعلا بلا سبب أصلا قالوا وهذا مما يعلم بطلانه بصريح العقل قالوا وليس معكم من نصوص الأنبياء ما يوافق هذا وأما إخبار الله أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام فهذا يدل على أنه خلقها من مادة قبل ذلك كما أخبر أنه ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ وكذلك في أول التوارة ما يوافق هذا قالوا وهذا النص وإن كان يناقض قولنا بقدم العالم فليس فيه ما يدل على قولكم بتعطيل الصانع عن الصنع وحينئذ فنحن نقول في هذا
[ ١ / ٢٧٥ ]
هذا النص وأمثاله من نصوص المبدأ والمعاد ما نقوله نحن وأنتم في نصوص الصفات ثم من هؤلاء من سلك طريق التأويل كما فعل ذلك من فعله من القرامطة كالنعمان قاضيهم صاحب كتاب أساس التأويل وكأبي يعقوب السجستاني صاحب الأقاليد الملكوتية وكتاب الافتخار وأمثالهما وألقى هؤلاء جلباب الحياء وكابروا الناس وباهتوهم حتى ادعوا أن الصلاة معرفة أسرارهم أو موالاة أئمتهم والصوم كتمان أسرارهم والحج زيارة شيوخهم وهذا يبوحون به إذا انفردوا بإخوانهم وأما الذين سكنوا بين المسلمين كالفارابي وابن سينا وأمثالهما فما أمكنهم أن يقولوا مثل هذا وعلموا أنه مما يظهر بطلانه فقالوا أن الرسل إنما خاطبت الناس بما يخيل إليهم أمورا ينتفعون باعتقادها في الإيمان بالله واليوم الآخر وإن كان ما يعتقدون من تلك الأمور باطلا لا يطابق الحقيقة في نفسه والخطاب الدال على ذلك كذب في الحقية عندهم لكنه يسوغ الكذب الذي يصلح به الناس ومن تحاشى منهم على إطلاق الكذب على ذلك فعنده أنه من باب تورية العقلاء الذين يورون لمصلحة أتباعهم
[ ١ / ٢٧٦ ]
فكان ما سلكه أولئك المتكلمون في العقليات الفاسدة والتأويلات الحائدة هي التي أخرجت هؤلاء إلى غاية الإلحاد ونهاية التكذيب للمرسلين وفساد العقل والدين وأخذ ابن سينا وأمثاله ينقضون الطريقة التي سلكها أولئك في حدوث العالم وإثبات الصانع إذ كان مدارها على امتناع تسلسل الحوادث وأن حكم الجميع حكم الواحد فأبو الحسين البصري من حذاق هؤلاء يجعلون أصل الدين مبنيا على أنه إذا كان كل واحد من الحوادث كائنا بعد أن لم يكن فالجميع كذلك كما انه إذا كان كل واحد من الزنج أسود فالجميع كذلك وأبو المعالي وأمثاله يقولون إثبات الحدوث ونفي الفعل في الأزل جمع بين النقيضين فقال لهم المنازعون أتباع الأنبياء وأتباع الفلاسفة الفرق بين النوع والشخص معلوم والمنتفي وجود حادث معين في الأزل بحيث يكون حادثا قديما أو وجود مجموع الحوادث في الأزل بحيث تكون كل الحوادث قديمة وأما دوام الحوادث شيئا بعد شيء كما هي دائمة شيئا بعد شيء في المستقبل فليس في العقل ما يحيل هذا ولا يمكن الفرق بين الماضي والمستقبل بفرق مؤثر في مناط الحكم وليس كل مجموع يوصف بما يوصف به أفراده بل قد يوسف بذلك إذا لم يستفد بالاجتماع حكما آخر وقد لا يوصف بذلك إذا حصل له بالاجتماع حكم آخر فالأول كاجتماع الموجودات والمعدومات والممكنات والممتنعات فإنه لا يخرجها عن حكم هذه الصفات والثاني كاجتماع أجزاء الخط والسطح والجسم والطويل
[ ١ / ٢٧٧ ]
والبيت والإنسان والدائم والعشرة والألف ونحو ذلك فإنه إذا اجتمعت هذه الأجزاء حصل باجتماعهما حكم لا توصف به الأجزاء والمقصود هنا التنبيه على مبدأ ضلال هؤلاء الملاحدة وأن من جملته تقصير من جادلهم عن نصر الحق ودخوله في نوع من الباطل إما في باطل وافقوه عليه وجعلوه حجة لهم عليه في مكان آخر كنفي الصفات وإما من باطل نازعوه فيه وبينوا بطلانه كترجيح أحد المتماثلين بلا مرجح وإما تقصيره في الحق تارة يقصر في معرفة ما جاءت به الرسل وتارة يقصر في إقامة الحجة على منازعه فتقصيره في تصور الحق وبيان الحجة على التصديق به مما سلط أولئك الملحدين
[ ١ / ٢٧٨ ]