والذي يثبتونه للأنبياء قد يحصل للرجل الصالح العالم والمخاطبات والمكاشفات التي يثبتونها للأنبياء تحصل لكثير من عوام الصالحين وما أثبتوه من الحق فهو حق لكن كفرهم بما كذبوا به من الحق فنقول ما وصفوا به الأنبياء من أن لهم خصائص في العلم والقدرة والسمع والبصر امتازوا بها حق لكن دعواهم أن منتهى خصائصهم ما ذكروه باطل فنحن لا ننكر أن الله تعالى يخص البنى بقوة قدسية يعلم بها ما لا يعلم غيره ولا ننكر أيضا ما يمثله الله له إما في اليقظة وإما في المنام من الأمور الصادقة المطابقة للحقائق ولا ننكر أيضا أن الله قد يجعل في النفوس قوى يحصل بها تأثير في الوجود والناس لهم في هذا الباب قولان فالسلف والفقهاء والجمهور يقولون أن الله جعل في الأعيان قوى وطبائع تحصل بها الآثار كما جعل في النار التسخين وفي الماء التبريد ونحو ذلك وطائفة من أهل الكلام ينكرون هذا كله ويقولون ليس في الأعيان قوى وطبائع تكون أسبابا للآثار لكن الله يخلق الأشياء عندها لا بها ويقولون ليس في العين
[ ١ / ١٣٥ ]
قوة امتازت بها عن الأنف ولا في الخبز قوة امتاز بها عن الشراب ولا في الماء قوة امتاز بها عن الخل ولكن الله تعالى يخلق الشبع والري عند ذلك لا به وهذا القول ضعيف مخالف للشرع والعقل فإن الله تعالى قال ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وقال تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ وقال: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ ومثل هذا كثير في الكتاب والسنة كما قد بسط في موضعه
والمقصود هنا أن كون النفوس أو غيرها من الأعيان جعل الله فيها من القوى والطبائع ما يحصل به بعض الآثار لا ينكر لا في الشرع ولا في العقل ولكن دعوى المدعي أن معجزات نبينا أو غيره من الأنبياء هي من هذا الباب بهتان عظيم والقائلون بهذا رأوا أنهم يمكنهم تعليل بعض الخوارق بعلل طبيعية فعللوها ثم جهالهم ظنوا هذا يطرد فطردوا وأما حذاقهم فيكذبون بالخوارق الخارجة عن القانون الطبيعي عندهم وذلك مثل كون بعض الناس يبقى مدة لا يأكل ولا يشرب فإن جماعة من الناس يبقى شهرا أو شهرين لا يأكل فأخذ ابن سينا يقول في إشاراته إذا بلغك أن
[ ١ / ١٣٦ ]
عارفا مكث مدة لا يأكل ولا يشرب فاسجح بالتصديق فإن في الطبيعة عجائب وقرر ذلك بأن المريض إذ بقيت قواه الهاضمة مشغولة بمدافعة المرض بقي الطعام محفوظا مدة لا يأكل فيها ولا يشرب فالعارف إذ اشتغلت نفسه بعرفانه اجتذبت إليها القوى الهاضمة فلا تهضم الطعام
وهذا الذي قاله في هذا وأمثاله ليس بطائل فإن الناس يعلمون أن النفس إذا اشتغلت بفرح عظيم أو غضب عظيم أو اهتمام بأمر عظيم اشتغلت عن الأكل والشرب بهذا وأسبابه فهذا ونحوه ليس من معجزات الأنبياء ولا مما يختص به الأولياء
ولهذا كان ما يذكرونه من التأثير مقيدا عندهم بجريانه على القانون الطبيعي المعتاد فعندهم لا يتصور أن يفعل المؤثر في المواد إلا ما هي قابلة له فقد يقولون أن الهواء لما كان قابلا لأن ينقلب ماء أمكن أن يؤثر المؤثر فيه حتى يصير الهواء ماء فينزل المطر ومعلوم أن معجزات الأنبياء خارجة عن القوانين الطبيعية مثال ذلك انقلاب العصا ثعبانا ثم ابتلاع الثعبان ما هنالك من العصي والحبال فإن هذا خارج عن قوى النفس والطبيعية لأن الخشب لا يقبل أن يصير حيوانا أصلا ولا يمكن في القوى الطبيعية أن عصا تصير حية لا بقوى نفس ولا بسحر ولا غير ذلك بل الساحر غايته أن يتصرف في الأعراض بفعل ما يحدث عنه الأمراض والقتل ونحو ذلك مما يقدر عليه سائر الآدميين فإن الإنسان يمكنه أن يضرب غيره حتى يمرضه أو يقتله فالساحر والعائن وغيرهما ممن يتصرف بقوى الأنفس
[ ١ / ١٣٧ ]
يفعل في المنفصل ما يفعله القادر في المتصل فهذا من أفعال العباد المعروفة المقدروة وأما قلب الأعيان إلى ما ليس في طبعها الانقلاب إليه كمصير الخشب حيوانا حساسا متحركا بالإرادة يبلغ عصيا وحبالا ولا يتغير فليس هذا من جنس مقدور البشر لا معتادا ولا نادرا ولا يحصل بقوى نفس أصلا ولهذا لما رأى سحرة فرعون ذلك علموا أنه خارج عن طريقة السحر ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ وهذه الحادثة الخارقة للعادة فيها إثبات الصانع وإثبات نبوة أنبيائه فإن حدوث هذا الحادث على هذا الوجه في مثل ذلك المقام يوجب علما ضروريا أنه من القادر المختار لتصديق موسى ونصره على السحرة كما قال تعالى ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ وكذلك إخراج صالح الناقة من هضبة من الهضاب أمر خارج عن قوى النفوس وغيرها ولهذا كان أئمة هؤلاء المتفلسفة يكذبون بهذه المعجزات وربما جعلوها أمثالا فقالوا إنه ألقى عصا العلم فابتلعت حبال الجهل وعصيه ونحو ذلك كما يغلب الرجل الرجل بحجته وهذا من تأويلات القرامطة التي يعلم بالضرورة بطلانها وأنها مخالفة للمنقول بالتواتر ومخالفة لما اتفق عليه المسلمون واليهود
[ ١ / ١٣٨ ]
والنصارى من نقل هذه المعجزات واعتبر هذا بأمثاله وكذلك وقوف الشمس ليوشع بن نون وانشقاق القمر لنبينا ﷺ هو عندهم ممتنع لا يمكن لا بقوى نفس ولا غير ذلك لأن الفلك دائم الحركة ومعلوم أن هذه المعجزات لا ريب فيها وانشقاق القمر قد أخبر الله به في القرآن وتواترت به الأحاديث كما في الصحيحين وغيرهما عن ابن مسعود وأنس وابن عباس وغيرهم وأيضا فكان النبي ﷺ يقرأ بهذه السورة في الأعياد والمجامع العامة فيسمعها المؤمن والمنافق ومن في قلبه مرض ومن المعلوم أن ذلك لو لم يكن وقع لم يكن ذلك أما أولا فلأن من مقصوده أن الناس يصدقونه ويقرون بما جاء به لا يخبرهم دائما بشيء يعلمون كذبه فيه فإن هذا ينفرهم ويوجب تكذيبهم لا تصديقهم وأما ثانيا فلأن المؤمنين كانوا يسألونه عن أدنى شبهة
[ ١ / ١٣٩ ]
تقع في القرآن حتى نساؤه فراجعته عائشة في قوله من نوقش الحساب عذب وذكرت قوله تعالى ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ حتى قال لها ذلك العرض
وراجعته حفصة في قوله لن يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة وذكرت قوله تعالى ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ حتى أجابها بقوله ألم تسمعي قوله تعالى ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾
وراجعه عمر بقوله ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ عام الحديبية لما صالح المشركين على الرجوع ذلك العام حتى قال له أبو بكر كما قال له النبي ﷺ أقال لك أن تدخله هذا العام قال لا قال فإنك داخله ومطوف به
[ ١ / ١٤٠ ]
وأمثال ذلك كثيرة فكيف يقرأ عليهم دائما ما فيه الخبر بانشقاق القمر ولا يرد على ذلك مؤمن ولا كافر ولا منافق مع أن ابن الربعري وغيره من المشركين تعلقوا بالقياس الفاسد في قوله ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ فقاس المسيح على الأصنام بكونه معبودا وهذا معبود وهذا من جهله بالقياس فإن الفرق ثابت بأن هؤلاء أحيانا ناطقون وهم صالحون يتألمون بالنار فلا يعذبون لأجل كفر غيرهم بخلاف الحجارة التي تلقى في النار إهانة لها ولمن عبدها
قال الله تعالى ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّون وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ فلو لم يكن
[ ١ / ١٤١ ]
انشقاق القمر معلوما معروفا عندهم لعظم في إنكاره القيل والقال وكثرة الإعتراض وكثرة السؤال وصار في ذلك من المراء والجدال ما لا يخفى على أدنى الرجال
وكذلك القرآن فإن القرآن فيه من الأخبار عن الأمم الماضية كقصة آدم وإبليس ونوح وقومه ومخاطبته لهم وقصة عاد وثمود وفرعون وما جرى من الأمم وقومهم من المخاطبات في الأمور الجزئية مما لا يمكن أن تعلم بالحدس وقوى النفس التي تنال بواسطة العلم بالحد الأوسط وكذلك الخبر عن الأمور المستقبلة المفصلة فإن هذه كلها لا يمكن في الجبلة أن تعلم إلا بمخبر يخبر بها الإنسان وأما علمه بها بدون الخبر فممتنع من قوى النفس ولهذا يقول ﷾ ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِي﴾ ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ﴾ ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ وفي الجملة فهؤلاء يدعون ما ذكره ابن سينا في إشاراته من أن خوارق العادات في العالم ثلاثة أنواع لأنها إما أن تكون بأسباب فلكية كتمزيج القوى الفعالة السماوية بالقوى المنفعلة الأرضية وهذا هو الطلسمات وإما أن تكون بأسباب طبيعة سفلية كخواص الأجسام وهي النيرنجيات وإما أن تكون بأسباب نفسانية ويزعمون أن المعجزات التي للأنبياء والكرامات التي للأولياء وأنواعا من السحر
[ ١ / ١٤٢ ]
والكهانة هو من هذا الباب ويقولون الفرق بين النبي والساحر أن النبي نفسه زكية تأمر بالخير والساحر نفسه خبيثة تأمر بالشر فهما يفترقان عندهم فيما يأمر به كل منهما لا في نفس الأسباب الخارقة وقد قدمنا أن من أهل الكلام والنظر من ينكر أن تكون في شيء من الأنفس وغيرها من الأجسام الحيوان وغير الحيوان قوى أو طبائع أو أن يكون لها تأثير بل يجعلون ذلك كله من باب المقارنة العادية المحضة وهذا قول جمهور الأشعرية ومن يوافقهم من أهل الظاهر وأهل القياس من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم وهؤلاء قد يغلون حتى يقولوا إن قدرة الحيوان لا تأثير لها في أفعاله الاختيارية لا للإنسان ولا لغير الإنسان وينكرون أيضا أن يكون الله يفعل شيئا لشيء فينكرون الأسباب والحكم في خلقه وأمره وكثير منهم ينكر القياس ومن أقر منهم لم يجعل علل الشرع إلا مجرد علامات وأكثرهم يتناقضون في هذا الأصل فإذا تكلموا في تفاصيل الفقه والطب وحكمة الله تكلموا بموجب فطرتهم وإيمانهم على طريقة الجمهور الذين يثبتون ما لله في خلقه وأمره من الأسباب المتقدمة على الحوادث والحكم المتأخرة عن الحوادث وإذا ناظروا الفلاسفة والمعتزلة في أصول الدين في مسائل القدر والتعديل والتجوير وتعليل أفعال الله تعالى وأسباب الحوادث تكلموا على هذه الطريقة التي هي في الأصل طريقة المجبرة كجهم بن صفوان وأمثاله ويجعلون
[ ١ / ١٤٣ ]
نفس المشيئة مقتضية لترجيح أحد المثلين على الآخر بلا سبب يقتضي الترجيح غير الإرادة وادعوا أنها كما انها تقتضي جنس التخصيص فإنها تقتضي التخصيص المعين إذ التخصيص ببعض الحوادث دون بعض لا يقع بنفس العلم ولا بنفس القدرة فلا بد له من مخصص وذلك هو الإرادة لكن المعقول من ذلك أن جنس الإرادة يخصص جنس المحدثات وأما كون هذا المعين مراده من هذا فلا تقتضيه نفس جنس الإرادة إلا أن كون المراد مختصا بسبب يقتضي أن يراد دون غيره وأن يكون من المريد سبب يوجب أن يريد ذاك دون غيره فادعى هؤلاء أن نفس الإرادة تخصص مثلا عن مثل من غير سبب معين وذاك لا في المريد ولا في المراد مع أن نسبتها إلى جميع المرادات نسبة واحدة
وقال جمهور العقلاء هذا مما يعلم فساده بالضرورة فإن الإرادة إذا استوت نسبتها إلى جميع المرادات وأوقاتها وصفاتها وأشكالها كان ترجيح الإرادة لمثل على مثل ترجيحا من غير مرجح فإن جاز هذا جاز أن يقال الفاعل القادر يخصص مثلا على مثل بلا إرادة وحينئذ فلا إرادة كما تقوله معتزلة البغداديين وإن جاز هذا لزم ترجيح
[ ١ / ١٤٤ ]
أحد المثالين على الآخر بلا مرجح أصلا فإذا كان نسبة الوجود والعدم إلى حقيقة الممكن نسبة واحدة جاز ترجيح أحدهما على الآخر بلا مرجح فيلزم جواز وجود الممكنات والمحدثات بلا مبدع فاعل
فقال هؤلاء نحن نفرق بين ترجيح القادر لأحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح وبين ترجيح الموجب بلا مرجح وهذا الفرق هو أصل قول المعتزلة وقول الأشعرية ومن وافقهم من الفقهاء أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم من حيث يجعلون الموجب للترجيح إرادة نسبتها إلى المثلين سواء ولكن هؤلاء يجعلون المرجح هو إرادة القادر المختار وأولئك يجعلون المرجح هو نفس القادر المختار ثم البصريون منهم يقولون يحدث بنفسه الإرادة لا في محل والبغداديون منهم يقولون بنفي هذه الإرادة ويقولون لا تزيد الإرادة على فعل المفعول والأمر بالمأمورات
[ ١ / ١٤٥ ]
وأهل الكتاب من اليهود السامره وغيرهم الموافقون للمعتزلة هم على هذين القولين وأبو عبد الله بن الخطيب ونحوه متناقضون في هذا الباب فإذا ناظروا المعتزلة في مسائل القدر والجبر سلكوا مسلك من يقول أن الممكن لا يرجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح تام مستلزم لأمر لا فرق في ذلك بين القادر والموجب فإذا ناظروا الفلاسفة في مسألة حدوث العالم وطالبهم الدهرية بسبب حدوث العالم سلكوا مسلك المعتزلة فقالوا القادر المختار يرجح أحد طرفي المقدور على الآخر بلا مرجح أو قالوا الإرادة القديمة هي المرجح كما يقول ذلك الأشعرية والكرامية ومن وافقهم من الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية، وهذا المقام هو من الأصول العظام التي اضطربت فيها
[ ١ / ١٤٦ ]
رؤوس أهل النظر والفلسفة والكلام ومن سلك الطرق النبوية السامية علم أن العقل الصريح مطابق للنقل الصحيح وقال بموجب العقل في هذا وفي هذا وأثبت ما أثبتته الرسل من خلق السماوات والأرض في ستة أيام وأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه ولم يجعل شيئا سوى الله قديما معه بل كل ما سواه محدث كائن بعد أن لم يكن مع قوله أن ترجيح أحد المتماثلين على الآخر لا يكون إلا بمرجح ولا فرق في ذلك بين مرجح ومرجح ومع قوله أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ومع إثباته حدوث كل ما سوى الله بالبرهان العقلي الصريح الذي لا يحتاج معه إلى تعجيز الله في الأزل عن الفعل وإلى أن يقول أنه إن لم يكن الفعل ممكنا ثم صار ممكنا من غير حدوث شيء ومن غير أن يحتاج إلى أن يجعل الحوادث تحدث بلا سبب أصلا ومع إبطاله أن يكون صانع العالم موجبا بذاته وعلة أزلية مستلزمة لمعلولها ومع قوله أن كل ما لا يسبق الحوادث من الممكنات فإنه لا يكون إلا حادثا بها لامتناع دوام الحوادث بل لامتناع صدور المحدثات وما لا يتقدم عن موجب بالذات وإذا بطل الموجب بالذات لزم حدوث كل ممكن فإن قدم شيء من الممكنات لا يكون إلا إذا كان له موجب تام أزلي وإذا امتنع شرط القدم لشيء من الممكنات امتنع قدم شيء من الممكنات وهذا مبسوط في موضعه ولكن المقصود هنا أن كثيرا من أهل النظر والكلام كالأشعري وغيره أنكروا الأسباب والطبائع والقوى الموجودة في خلق الله وأمره وأنكروا حكم الله المقصودة بذلك
[ ١ / ١٤٧ ]
وقالوا في لامات كي المذكورة في القرآن كقوله ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ وقوله ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ وقوله ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ وأمثال ذلك هي لام العاقبة ليست لام التعليل إذ كان يمتنع عندهم أن يفعل الله شيئا لأجل شيء أو يأمر بشيء لأجل شيء فهؤلاء لا يثبتون في الأفلاك العلوية ولا الأجسام السفلية ولا النفوس قوى تكون سببا لحدوث شيء وإذا أنكروا تأثير القدرة التي للحيوان فهم لما سواها أشد إنكارا وهؤلاء إذا أرادوا أن يجيبوا الفلاسفة عما ادعوه من أسباب المعجزات وغيرها من الخوارق قالوا نحن نقول أن المؤثر في الحوادث هو قدرة الله فقط ولا أثر لشيء من ذلك ولهذا قال الأشعري إن أخص وصف الرب هو القدرة على الاختراع والكلام بين هؤلاء وبين منازعيهم في مقامين أحدهما أنهم لا يسلمون حصول الخوارق مقارنة لما تذكره الفلاسفة من الأسباب
الثاني أنهم إذا سلموا ذلك جعلوا ذلك كسائر الأمور التي علم اقترانها في العادة فإن العادة جارية بأن الإنسان يأكل فيشبع ويشرب فيروي ويضرب بالسيف فيقطع فإذا كانوا يقولون إن مجرد القدرة القديمة هي
[ ١ / ١٤٨ ]
المحدثة للشبع والري والقطع وغير ذلك عند هذه الأمور المقارنة لها لا بها وأنه ليس هنا قوة ولا طبيعة ولا فعل له تأثير في هذه الحوادث بوجه من الوجوه كان قولهم لذلك في المعجزات أقوى وأظهر وأبو حامد الغزالي في كتاب تهافت الفلاسفة جعل هذه المسألة من الأصول التي نازع فيها الفلاسفة ولهذا اشتد نكير ابن رشد عليه في تهافت التهافت وجعل هذا من المواضع التي استطال بها على أبي حامد وانتهز بها الفرصة في الرد عليه والإنتصار للفلاسفة وأما المعتزلة ونحوهم من القدرية فيفرقون بين تأثير الحي القادر وتأثير غيره ويقرون بإثبات التأثير للقادر سواء كان خالقا أو مخلوقا ولا يثبتون لغير ذلك تأثيرا
[ ١ / ١٤٩ ]
ويزيدون على ذلك حتى يجعلون ما تولد عن فعل الإنسان من فعله ولا يجعلون لبقية الأسباب التي شاركته تأثيرا فإن أفعال الإنسان وغيره من الحيوان على نوعين أحدهما المباشر والثاني المتولد فالمباشر ما كان في محل القدرة كالقيام والقعود والأكل والشرب وأما المتولد فهو ما خرج عن محل القدرة كخروج السهم من القوس وقطع السكين للعنق والألم الحاصل من الضرب ونحو ذلك فهؤلاء المعتزلة يقولون هذه المتولدات فعل العبد كالأفعال المباشرة وأولئك المبالغون في مناقضتهم في مسائل القدر من الأشعرية وغيرهم يقولون بل هذه الحوادث فعل الله تعالى ليس للعبد منها فعل أصلا وهم وإن كانوا لا يثبتون لقدرة العبد أثرا في حصول المقدور فإنهم يفرقون بين ما كان في محل القدرة فيجعلونه مقدورا للعبد وما كان خارجا عن محل القدرة فلا يجعلونه مقدورا للعبد وأكثر من نازعهم يقول أن هذا كلام لا يعقل
[ ١ / ١٥٠ ]
فإنه إذا لم يثبت للقدرة أثر لم يكن الفرق بين ما كان في محل القدرة وبين ما كان في غير محل القدرة إلا فرقا في محل الحادث من غير أن يكون للقدرة في ذلك تأثير وتسمية هذا مقدورا دون هذا تحكم محض وتفريق بين المتماثلين
ولهذا قال بعض الناس عجائب الكلام التي لا حقيقة لها ثلاثة طفرة النظام وأحوال أبي هاشم وكسب الأشعري وإذا قيل لهؤلاء الكسب الذي أثبتموه لا تعقل حقيقته فإذا قالوا الكسب ما وجد في محل القدرة المحدثة مقارنا لها من غير أن يكون للقدرة تأثير فيه قيل لهم فلا فرق بين هذا الكسب وبين سائر ما يحدث في غير محلها وغير مقارن لها إذ اشتراك الشيئين في زمانهما ومحلهما لا يوجب كون أحدهما له قدرة على الآخر كاشتراك العرضين
[ ١ / ١٥١ ]
الحادثين في محل واحد في زمان واحد بل قد يقال ليس جعل الكسب قدرة والقدرة كسبا بأولى من العكس إذا لم يكن إلا مجرد المقارنة في الزمان والمحل ولهذا قال أهل السنة وأهل الإثبات من سائر الطوائف إن العبد فاعل لفعله حقيقة بخلاف جمهور الأشعرية ومن وافقهم فإنهم يقولون إنه فاعل مجازا وليس حقيقة ويقولون أن فعل العبد فعل لله لا للعبد لأنهم مع سائر أهل السنة المثبتين للقدر يقولون أن الله تعالى خالق أفعال العباد وهم يقولون أن فعل الله هو مفعوله والخلق هو المخلوق
وقد وافقهم على ذلك طائفة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وهو أول قولي القاضي أبي يعلى ثم رجع عن ذلك ووافق الجمهور من أصحاب مالك والشافعي وأحمد في أن الخلق غير المخلوق وهو قول الحنفية وأهل الحديث وجمهور الصوفية وجمهور أهل الكلام فلما كان هؤلاء يقولون إن فعل الله هو مفعوله والخلق هو المخلوق ويقولون أن فعل العبد مخلوق لله لزمهم أن يقولوا أن فعل العبد فعل لله وإذا كان فعله فعلا لله لم يكن فعلا له لأن الفعل الواحد لا يكون فعلا لفاعلين ولهذا قامت الشناعة عليهم من جماهير الناس المثبتين للقدر والنافين له وأرادت القدرية من المعتزلة والشيعة وغيرهم بهذه الزلة من هؤلاء أن يتوسلوا بذلك إلى إبطال قول أهل السنة في القدر وأن الله لم يخلق أفعال العباد لأن جمهور المعتزلة يقولون أيضا إن الخلق هو المخلوق فإذا كان العبد فاعلا لفعله امتنع أن يكون مخلوقا لله، إذ المخلوق
[ ١ / ١٥٢ ]
هو الخلق والمفعول هو الفعل عندهم كما هو كذلك عند الأشعرية
فلما اتفق هذان الفريقان على أن الخلق هو المخلوق والفعل هو المفعول تباينوا في مسألة أفعال العباد تباينا صاروا فيه على طرفي نقيض هؤلاء يقولون ثبت أن العبد فاعل لفعله فلا يكون فعله فعلا لله فلا يكون خلقا لله فلا يكون مخلوقا لله وهؤلاء يقولون ثبت أن الله خالق كل شيء من أفعال العباد وغيرها فلا يكون في الوجود ما هو فعل ولا مفعول لغير الله إذ الفعل هو المفعول فلا تكون حركات العباد فعلا لهم بل لله تعالى وأما جمهور الخلق من أهل السنة وغيرهم فيقولون أن الخلق غير المخلوق وفعل الله القائم به ليس هو مفعوله المنفصل عنه ويقولون أفعال العباد مخلوقة لله مفعولة له لا أنها نفس خلقه ونفس فعله وهي نفس فعل العبد فهي فعل العبد حقيقة لا مجازا وأما كون العبد له مفعول متولد عنه غير فعله فهذه مسألة التولد وعلى ذلك يبنى الكلام في أصوات العباد وكلامهم فإن الأصوات متولدة عن حركات العبد الإختيارية فمن قال أن المتولد ليس من فعل العبد ولا كسبه يقول أن أصوات العباد ليست مقدروة لهم ولا مفعولة ولا كسبا كما يقول ذلك الأشعرية ومن وافقهم من أصحاب أحمد وغيرهم كالقاضي أبي يعلى وأبي الحسن بن الزاغوني وغيرهم
[ ١ / ١٥٣ ]
ثم تولد من هذا بحث آخر فيمن قال أن الأصوات المسموعة من القارىء أو بعض الأصوات المسموعة من القارىء هي صوت الله فإنه بنى ذلك على هذا الأصل فقال الأصوات ليست من مقدرو العباد ولا من أفعالهم وكسبهم بل هي مضافة إلى الله فتضاف إليه بحسب ما يوجب الإضافة فإن كانت بكلامهم أضيفت إليه إضافة خلق وإن كانت لكلام الله أضيفت إليه إضافة وصف وكانت ظاهرة في المحدث لا حالة فيه ولكن ظهورها قارن حركة العبد وهذا الكلام وإن كان قد قاله طائفة من هؤلاء فهو معلوم الفساد بالضرورة والحس واتفاق جماهير العقلاء وهو قول فاسد مبني على أصل فاسد وإنما هو من باب الإلزام لمن وافقهم من الأشعرية على أن الأصوات المسموعة ليست مقدورة للعباد وكثير من الأشعرية متناقضون في هذا الباب ففي بحثهم مع المعتزلة يجعلون أصوات العباد غير مقدورة لهم ولا مفعولة لهم وفي بحثهم في مسألة القرآن يجعلونها مقدروة للعباد مفعولة لهم والكلام على هذا مبسوط في موضع
آخر والمقصود هنا أن جمهور المسلمين يقولون بالحق الذي دل عليه المنقول والمعقول فيقولون أن أفعال العباد مخلوقة لله مفعولة له وهي فعل للعباد حقيقة لا مجازا وهم يثبتون ما لله في خلقه وأمره من الأسباب والحكم وما جعله الله في الأجسام من القوى والطبائع في الحيوان وفي الجماد لكنهم مع إثباتهم للأسباب والحكم لا يقولون بقول الطبائعية من الفلاسفة وغيرهم بل يقولون أن الله خالق كل شي وربه
[ ١ / ١٥٤ ]
ومليكه وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه لا حول ولا قوة إلا به ويعلمون أن الأسباب هي مخلوقة لله بمشيئته وقدرته ولا تزال مفتقرة إلى الله لا يقولون أنها معلولة له أو متولدة عنه كما يقوله الفلاسفة ولا أنها مستغنية عنه بعد الأحداث كما يقوله من يقوله من أهل الكلام بل كل ما سوى الله تعالى دائم الفقر والاحتياج إليه لا يحدث ولا يبقى إلا بمشيئته القديمة فما كان بالأسباب فالله خالقه وخالق سببه جميعا ويقولون مع هذا أن الأسباب التي خلقها ليس فيها ما يستقل بالتأثير في شيء من الأشياء بل لا بد له من أسباب أخر تعاونه وتشاركه وهو مع ذلك له معارضات وموانع تعارضه وتدافعه كما في الشعاع الحادث عن الشمس والاحتراق الحادث عن النار ونحو ذلك فإنه لا بد مع الشمس من محل قابل لانعكاس الشعاع عليه وهو مع ذلك يمتنع بحصول الحائل كالسحاب والسقف وغير ذلك من الموانع وبكل حائل
فقول متكلمة الملل من المعتزلة والشيعة والكرامية والأشعرية ونحوهم أقرب إلى القبول من أقوال الفلاسفة والطبائعية والمنجمين ونحوهم فإن هؤلاء يشهدون بعض الأسباب كما يشهدون الطبائع والقوى التي خلقها الله في الأجسام وكما يشهدون ما للشمس والقمر وغيرهما في هذا العالم من الآثار لكنهم مع ذلك يضيفون الحوادث إلى سبب من أسبابه كإضافة الحوادث من الأجسام وغيرها إلى الطبيعة
[ ١ / ١٥٥ ]
والطبيعة عرض قائم بجسم فمن جعل المحدث للإنسان في بطن أمه وما فيه من الأعضاء المختلفة وقواها ومنافعها هو الطبيعة كان قوله أظهر فسادا من تلك الأقوال التي فيها إضافة الحوادث إلى مجرد مشيئة القديم من غير إثبات سبب ولا حكمة أو إضافة الحوادث إلى قدرة القادر المختار سواء كان قديما أو حادثا فإن كلا من القولين خير من إضافة ذلك إلى طبيعة هي عرض بجسم من الأجسام ليس له إرادة ولا مشيئة مع أن الجنين المخلوق في الرحم أكمل من الرحم وقواها ثم فلاسفة هؤلاء إذا قالوا أن هذه الحوادث تحدث بسبب حركات الأفلاك وأن ذلك يعدها لقبول الفيض عليها من العقل الفعال كانوا محتاجين في جميع ما يقولونه إلى إقامة الدليل على أنه سبب وما يذكرونه من إثبات العقل الفعال كانوا محتاجين في جميع ما يقولونه الى اقامة الدليل على أنه سبب وما يذكرونه من اثبات العقل الفعال كلام باطل كما قد بسط في غير هذا الموضع وإنما يقوم الدليل على أن الحوادث تصدر عن حركات حي مختار وتلك هي الملائكة التي أخبرت بها الأنبياء وليست الملائكة هي العقول التي يثبتها هؤلاء فإن العقل الأول عند هؤلاء هو المبدع لكل ما سوى الله والعقل الفعال عندهم هو المبدع لكل ما تحت فلك القمر
وأهل الملل يعلمون بالاضطرار من دين الرسل أنه ليس عندهم أحد غير الله يخلق جميع المبدعات ولا أنهم أثبتوا ملكا من الملائكة أبدع كل ما تحت السماء بل الملائكة عندهم عباد لله ليس فيهم من هو مستقل بإحداث جميع الحوادث فضلا عن أن يكون مبدعا لكل ما سوى الله وسواه
[ ١ / ١٥٦ ]
كما يقوله هؤلاء الفلاسفة في العقل الأول قال الله تعالى ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ وقال تعالى ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ وقال تعالى ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾
وأيضا فبتقدير ثبوت العقل الفعال وما قبله من العقول فهذه عندهم هي لازمة لذات الله متولدة عنه معلولة له وحينئذ فالحوادث الحادثة لا تجوز أن تصدر عنها لأن
[ ١ / ١٥٧ ]
ذلك يتضمن حدوث الحوادث بلا سبب حادث وإذا قالوا أن حركات الأفلاك توجب تحريك العناصر حتى تمتزج امتزاجات معدة لقبول الفيض كان هذا باطلا من وجوه منها أن يقال فالحوادث كلها من حركات الأفلاك وما يحدث عنها لا بد لها من محدث ومحدث الحوادث لا يجوز أن يكون علة تامة أزلية لأن العلة التامة الأزلية مستلزمة لمعلولها فيجب أن يكون معلولها مقارنا لها في الأزل فيمتنع أن يكون شيء من الحوادث صادرا عن الواجب الوجود بواسطة أو بغير واسطة وحينئذ فلا يكون للحوادث محدث
وأيضا فنفس حركة الفلك الأعلى حركة واحدة متشابهة بسيطة لا توجب بنفسها آثارا مختلفة إلا لاختلاف القوابل كما أن الشمس تبيض جسما وتسود جسما وتلين جسما وتيبس جسما بحس القوابل المختلفة فإذا كان حركته بسيطة والعقل بسيطا لم يصدر عنهما أمور مختلفة وكذلك الأفلاك التي تحته لها حركات معدودة محصورة وكل منها حركته بسيطة وليس في شيء من هذه الحركات والمتحركات ما يوجب هذه الأعيان والحوادث المختلفة اختلافا لا يحصى عدده في الصفات والأقدار والحركات هذا مع قولهم أن الواحد البسيط لا يصدر عنه إلا واحد فيعلم بالضرورة أن هذه الحوادث الكثيرة المختلفة ليست صادرة عن عدد محصور في البسائط وأيضا فيقال تلك الحركات والمتحركات والعقول المعلومة أمور مختلفة متعددة فإن صدرت عن واحد بطل قولهم لا يصدر عن الواحد إلا واحد وإن صدرت عن موصوف
[ ١ / ١٥٨ ]
بالصفات والأفعال القائمة بطل قولهم بالموجب بالذات وعلى التقديرين يبطل مذهبهم وأيضا فإن الواحد البسيط الذي يذكرونه إنما يوجد في الأذهان لا في الأعيان فإنه وجود مطلق والمطلق إنما يوجد في الذهن لا في الخارج وأما المطلق بشرط الإطلاق فظاهر وأما المطلق لا بشرط الذي يسمونه الكلي الطبيعي فهذا أيضا لا يوجد في الخارج كليا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه وإنما يوجد معينا مشخصا جزئيا لكن ما في الذهن كلي بمعنى أنه مطابق لتلك الجزئيات كمطابقة اللفظ العام لأفراده وأيضا فذلك الواحد إن كان الصادر عنه واحدا لم يصدر عن الآخر إلا واحدا وكذلك هلم جرا فيلزم أن لا يكون في العالم ثرة كثرت وإن صدر عنه أكثر من واحد بطل أصلهم وإذا قالوا فيه جهات كالوجوب والإمكان وعقله لمبدعه وعقله لنفسه ونحو ذلك فيصدر عنه باعتبار وجوبه عقل وباعتبار إمكانه جسم ونحو ذلك من الهذيان الذي يقولونه في هذا الموضع قيل لهم تلك الأمور إما أن تكون وجودية وإما أن تكون عدمية فإن كانت وجودية وقد اتصف بها الصادر الأول فقد صدر عن المبدع الأول أكثر من واحد وإن كانت عدمية كان الواحد صدر عنه باعتبار اتصافه بأمور عدمية أكثر من واحد وحينئذ فالواجب الوجود يتصف بالأمور العدمية بالاتفاق فيجب أن يجوز أن يصدر عنه أكثر من واحد هو أحق بذلك من الصادر الأول الذي هو العقل الأول عندهم
[ ١ / ١٥٩ ]
وبالجملة فالأدلة الدالة على بطلان قولهم كثيرا جدا والكلام على هذا وغيره قد بسط في غير هذا الموضع والمقصود هنا أن أقوال هؤلاء ليست مطابقة لما أخبرت به الرسل كما ليست مطابقة لما دل عليه العقل الصريح فلا هي موافقة للمنقول الصحيح ولا للمعقول الصريح ولكنهم يسفسطون في العقليات ويقرمطون في السمعيات كما ظهر ذلك في الباطنية من القرامطة والإسماعيلية وأمثالهم وكما ظهر ذلك في متصوفة الفلاسفة الذين يزعمون أن أخبار الأنبياء مطابقة لأقول هؤلاء الفلاسفة وكما ظهر ذلك فيمن يريد أن يجمع بين الشريعة والفلسفة كابن سينا وابن رشد الحفيد وأمثالهما وكما سلك نحوا من ذلك أهل الوحدة والحلول كابن عربي وابن سبعين وابن قسي صاحب خلع النعلين وأمثال هؤلاء فإن هؤلاء أعظم مخالفة لصريح المعقول مع صحيح المنقول من المعتزلة
ونحوهم والمعتزلة ونحوهم أقرب منهم ومتكلمة أهل الإثبات للصفات والقدر مثل الكرامية والكلابية والأشعرية
[ ١ / ١٦٠ ]
والسالمية وغيرهم أقرب إلى موافقة المعقول الصريح والمنقول الصحيح وإن كان لكل منهم من الخطأ ما لا يوافقه الآخر عليه فأما السلف والأئمة وأكابر أهل الحديث والسنة والجماعة فهم أولى الطوائف بموافقة المعقول الصحيح والمنقول والصحيح والكلام في مثل هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضع وإنما ذكرنا ذلك هنا لأن المعجزات من جملة الحوادث ففي حدوثها للطوائف من الكلام ما نبهنا عليه
والمقصود هنا بيان بطلان قول من يقول أن أسبابها قوى نفسانية وقد ذكرنا أن الأشعرية ومن وافقهم من المعتزلة ونحوهم يبطلون ذلك بناء على أصولهم وهؤلاء يبطلون ذلك بناء على أن المؤثر في جميع الحوادث هو قدرة الله وأما المعتزلة فلا يبلطون تأثير الحي القادر ولكن كثير منهم يقول بإبطال تأثير النفوس وإذا قال الفيلسوف قول هؤلاء باطل لثبوت القوى والطبائع قيل له القول الذي بنيت عليه هذا القول هو أبطل من أقوال هؤلاء فإنك بنيت ذلك على أن فاعل العالم موجب بالذات وأنه علة تامة مستلزمة لمعلولها وقد تبين بصريح العقل بطلان هذا القول وتبين انه مستلزم أن لا يكون للحوادث محدث وإذا كان كذلك لم يكن لك أن تبطل قولهم مع تصحيح قولك بل إما أن يبطل القولان أو يصح أحدهما
[ ١ / ١٦١ ]
وحينئذ فيكون قولهم أولى بالصحة وقولك أولى بالبطلان فثبت بطلان قولك على التقديرين وبيان ذلك أن يقال صحة قولك تحتاج أولا إلى أن قوى النفوس يصدر عنها مثل هذه الآثار وهذا القدر منازعك فيه أكثر ممن يوافقك على تأثير الطبائع فجمهور الفلاسفة والطبائعيين لا يقرون بها كما يقرون بأن النار تسخن والخبز يشبع والماء يروي ثم بعد هذا إذا ثبت لقوي النفس تأثير لم يمكن أن يثبت تأثيرها في هذه الحوادث العظيمة ثم تحتاج مع ذلك أن تنفي أن يكون هناك أسباب أخر غير هذه ثم بعد ذلك كله يبقى الكلام في الأسباب والمسببات فأنت تحتاج إلى عقاب عظيمة لا تقدر على تقريرها حتى تصل إلى مسألة الأسباب وحينئذ فتجتمع أنت ومنازعوك من أهل الكلام المعتزلة والأشعرية ونحوهم
وأما جمهور المسلمين فهم لا ينكرون الأسباب والمسببات لا في الجماد ولا في الحيوان كما تقدم لكن يعترفون بكل ما دل على صحته الدليل سواء كان الدليل نقليا أو عقليا وهم وإن بينا أن طريقة أهل الكلام أقرب إلى الحق نقلا وعقلا من طريق الفلاسفة فإنهم يعترفون بما في طريقتهم من النقص والعيب وجحد بعض الحق والتزام بعض الباطل.
[ ١ / ١٦٢ ]
ولهذا كان السلف والأئمة يذمون أهل الكلام الذين يتكلمون بمثل هذا الكلام المشتمل على نوع من الباطل ويمنعون أن ترد بدعة ببدعة ويقابل الباطل بالباطل ويرد الفاسد بالفاسد ولكن مع كون هذا يذم ويعاب فلا ينكر كونه خيرا من كلام أولئك كما أنا وإن كنا نذم ما يوجد في بعض المسلمين من ظلم وجهل فنحن نعلم أن ما في الكفار من ذلك أعظم وإن كنا لا ننكر ما يوجد في بعض أهل السنة والجماعة من جهل وظلم فنحن نعلم أن الجهل والظلم في الرافضة أكثر
[ ١ / ١٦٣ ]