ولم أعلم أنهم نقلوا أنه يجب أن يسمى في اللغة مخلوقا وإنما النزاع بينهم في ذلك نزاع عقلي ومن هنا نشأ الاضطراب بين الناس في مسألة كلام الله ومسألة أفعال الله فصاروا يحملون ما يسمعونه من الكلام على عرفهم فغلط كثير منهم في فهم كلام السلف والأئمة بل وفي فهم كلام الله ورسوله والواجب على من أراد أن يعرف مراد المتكلم أن يرجع إلى لغته وعادته التي يخاطب بها لا نفسر مراده بما اعتاده هو من الخطاب فما أكثر ما دخل من الغلط في ذلك على من لا يكون خبيرا بمقصود المتكلم ولغته.
كما أصاب كثيرا من الناس في قوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ (سورة الأنبياء ٢) فإنهم ظنوا أن المحدث والقديم في لغة العرب التي نزل بها القرآن هو المحدث والقديم في اصطلاح المتكلمين هو ما لا أول لوجوده وما لم يسبقه عدم فكل ما كان بعد العدم فهو عندهم محدث وكل ما كان لوجوده ابتداء فهو عندهم محدث ثم تنازعوا فيما تقدم على غيره هل يسمى قديما حقيقة أو مجازا؟ على قولين لهم.
وأما اللغة التي نزل بها القرآن فالقديم فيها خلاف المحدث وهما من الأمور النسبية فالشيء المتقدم على غيره قديم بالنسبة إلى ذلك المحدث والمتأخر محدث بالنسبة إلى ذلك القديم وإن كانا كلاهما محدثين بالنسبة إلى من تقدمهما وقديمين بالنسبة إلى من تقدماه ولم يوجد في لغة القرآن لفظ القديم مستعملا إلا فيما يقدم على غيره وإن كان موجودا بعد عدمه لكن ما لم يزل موجودا هو أحق بالقدم.
[ ٢ / ٨٤ ]
وقد تنازع الناس في القديم هل يجعل من أسماء الله؟ فذهب طائفة كابن حزم إلى أنه لا يسمى قديما بناء على أن الأسماء توقيفية ولم يثبت هذا الاسم عن النبي ﷺ.
والمقصود أنه مستعمل في القرآن فيما تقدم على غيره كقوله تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ (سورة يس ٣٩) وقوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ (سورة يوسف ٩٥) وقوله: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ (سورة الأحقاف ١١) وقوله عن إبراهيم: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ﴾ (سورة الشعراء ٧٥ ٧٦) فالمحدث يقابل هذا القديم.
وكان القرآن ينزل شيئا فشيئا فما تقدم نزوله فهو متقدم على ما تأخر نزوله وما تأخر نزوله محدث بالنسبة إلى ذلك المتقدم ولهذا قال: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ (سورة الأنبياء ٢) فدل أن الذكر منه محدث ومنه ما ليس بمحدث.
والذكر كله مخلوق ومحدث مسبوق بالعدم عند القائلين بأن القرآن وغيره من كلام الله مخلوق أو هو كله مخلوق مسبوق بعدم وإن لم نقل مخلوق فلا يكون للتخصيص عندهم معنى لكن يبقى أن يقال فإذا كان موصوفا بالحدوث الأخص وهو تقدم غيره عليه فالحدوث الأعم وهو كونه مسبوقا بالعدم لازم لهذا ولكن هذا لا يقتضي أن يكون نوع الذكر كذلك كما قد عرف.
وهكذا فهم كثير من الناس لكلام السلف والأئمة في القرآن
[ ٢ / ٨٥ ]
فإنه اشتهر أن السلف كانوا يقولون: "القرآن غير مخلوق" وكانت المعتزلة والكلابية ومن وافقهم من أهل الحديث والفقه والتصوف ليس عندهم إلا قديم أو مخلوق فالرب قديم إما بدون الصفات عند المعتزلة وإما بصفاته عند الكلابية وما سوى ذلك مخلوق منفصل عن الله كائن بعد أن لم يكن.
فصار هؤلاء يعتقدون أن من قال القرآن غير مخلوق فمراده أنه قدم لازم لذات الله وأنه لا يتعلق بمشيئته وقدرته ولا يجوز أن يقال يقدر أن يتكلم أو أنه يتكلم بمشيئته وهذا أحد قولي أبي حنيفة وأحمد والشافعي ومالك وغيرهم.
وقد حكى القولين عن أصحاب أحمد أبو بكر عبد العزيز في كتابه وأبو عبد الله بن حامد في أصوله والقول الثاني وهو قول جمهور أهل الحديث وأئمة السنة وطوائف من أهل الكلام من
[ ٢ / ٨٦ ]
الهشامية والكرامية وأبي معاذ وزهير الأثري وطوائف من الفقهاء من أصحاب الأئمة الأربعة ومذهب داود بن علي وغيرهم فهؤلاء يقولون ثم قسم ثالث ليس بمخلوق منفصل عن الله وليس بقديم العين وإن كان نوعه قديما وقد يقال في الشيء إنه قديم بمعنى أنه لم يزل شيئا بعد شيء وقد يقال قديم بمعنى أنه موجود بعينه في الأزل.
ولما صارت المعتزلة والكلابية ومن وافقهما لا يعتقدون أنه ليس هنا إلا قولان أنه قديم ومخلوق وأنه لا موجود إلا قديم بعينه لم تزل عينه أو مخلوق منفصل عن الله طال النزاع في مسألة القرآن وصارت الخلقية يحتجون بما يدل على أن القرآن متعلق بمشيئة الله وقدرته وأن الكلام مستلزم لفعل المتكلم ويحتجون بما يدل على أن الكلام فعل وأنه متعلق بمشيئته وقدرته وأنه يقول كلاما متعلقا بالأوقات كقوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ (سورة طه ١١٦) وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (سورة الزخرف ٣) وقوله: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ (سورة هود ١) .
[ ٢ / ٨٧ ]
وما يدل على أنه متكلم بكلام بعد كلام كقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (سورة آل عمران ٥٩) وأمثال ذلك.
ومنازعوهم يحتجون بما يدل على أنه وصف لله قائم بذات الله وأنه يمتنع أن لا يكون كلامه إلا ما خلقه في غيره وأنه لو كان الكلام مخلوقا لم يختص بالإضافة إليه إضافة قول بل يضاف إليه كما يضاف إليه سائر المخلوقات وأنه يلزم أن يكون ما خلقه من الكلام في غيره كلاما له وهو خالق كل شيء فكل كلام كلامه وأن يكون ما خلقه من الأصوات صوتا له وأن الكلام لا يوصف به إلا من قام به كما لا يوصف بالعلم والحياة والحركة إلا من قام به ذلك.
ويقول هؤلاء: الكلام من صفات الذات ليس من صفات الفعل وأما الجمهور من أهل الحديث والكلام والفقه والتصوف وغيرهم فيقولون مدلول الأدلة الصحيحة من الجانبين صحيحة ولا تناقض بينهما ولا منافاة بين كونه صفة ذات وصفة فعل فإن الأقسام ثلاثة:
أحدها: ما توصف به الذات مع عدم تعلق القدرة والمشيئة به كالحياة.
والثاني: ما يكون مخلوقا بائنا عن الله فهذه هي المفعولات والصنفان الأولان يقول أكثرهم هذه هي الأفعال ولا يفرقون بين الفعل والمفعول والخلق والمخلوق وبعضهم يفرق مع قوله أنه ما ثم إلا قديم أو مخلوق فيجعل التكوين صفة قديمة كما يقول ذلك غيره في الإرادة
[ ٢ / ٨٨ ]
وهذا قول كثير من أهل الكلام والحديث والفقه من أصحاب أبي حنيفة وأحمد والشافعي وغيرهم.
والثالث: ما يقوم بذات الرب مع كونه بقدرته ومشيئته فهذا في الصفات الذاتية لقيامة بالذات وهو من الفعلية لتعلقه بالمشيئة والقدرة والكلام عند الصنف الثالث من هذا الضرب.
فإذا عرف منشأ اضطراب الناس نقلا وعقلا في كلام الله فكذلك في أفعاله فإن الذين لم يجعلوا الأمر إلا نوعين قديما بعينه أو مخلوقا منفصلا عنه من المعتزلة ونحوهم وقد علموا أن الله خالق كل شيء صاروا يفهمون من كون الله خالق كل شيء أن الله بقي معطلا من الفعل أو من الفعل والكلام تعطيلا أزليا قديما لا أول له ثم فعل أو تكلم بدون سبب اقتضى ذلك أصلا ثم يقول كثير منهم وهكذا يصير معطلا في الأبد لا يفعل شيئا ولا يتكلم فكان لا يفعل ولا يتكلم ثم يصير لا يتكلم ولا يفعل شيئا وإنما المدة التي تكلم فيها وعمل مدة محدودة الطرفين ويجعلون هذا هو دين الرسل الذي جاءت به الكتب وبعثت به الرسل ويترجمون عما جاءت به الرسل بعباراتهم بحسب فهمهم فيقولون العالم محدث والعالم ما سوى الله.
ومعنى ذلك أن الله لم يزل معطلا عن الفعل والكلام حتى أحدث العالم بلا سبب أصلا بل نفس القادر المختار يرجح أحد المتماثلين بلا مرجح أصلا كالجائع إذا قدم له رغيفان والهارب إذا عن له
[ ٢ / ٨٩ ]
طريقان فطمع المناظرون لهم في قدم العالم من الدهرية من اليونان أتباع أرسطو وغيرهم واعتقدوا أنهم إذا أثبتوا امتناع حدوث العالم بعد دوام التعطيل الذاتي فقد قطعوا هؤلاء وأثبتوا قدم العالم وقدم هذه الأفلاك كما هو قول أرسطو.
ويقول ابن سينا: "العقل الصريح الذي لم يكذب قط يعلم أنا إذا فرضنا ذاتا معطلة كانت لا تفعل ثم فعلت بعد أن لم تفعل فلا بد من حدوث شيء إما قدرة وإما إرادة وإما سبب ما وأما إذا كانت لا تفعل ثم حال أن تفعل كحال أن لا تفعل لزم أن لا تفعل والتقدير أنها فعلت فلزم الجمع بين النقيضين وإنما لزم الجمع لأنا فرضنا ذاتا معطلة عن الفعل فإذا كان هذا باطلا فنقيضه حق.
ولكن هذا لا يفيد قدم العالم ولا قدم شيء من العالم ولا قدم فعل بعينه ولا مفعول بعينه بل هذا بعينه يدل على امتناع قدم شيء من العالم وإن قدر أفعال متعاقبة فإنه إذا كان حال الذات فيما لا يزال كحالها في الأزل ولم تختلف لزم أن لا يحدث عنها هذا الحادث المعين لأنها كانت وهذا الحادث لم يحدث وهي الآن على ما كانت عليه فيلزم أن لا يحدث هذا الحادث.
وإذا قيل: تجدد في العالم أمور جعلت هذا مستعدا للفعل.
قيل: والكلام في ذلك المتجدد كالكلام في غيره يمتنع أن يتجدد عن ذات حالها عند التجدد وقبل التجدد شيء سواء تجدد بواسطة أو بغير واسطة فإن الحادث يقتضي حصوله كمال التأثير وقت
[ ٢ / ٩٠ ]
إحداثه والقول في حدوث تمام ذلك التأثير كالقول في ذلك الأثر الحادث فلا بد أن ينتهي إلى المؤثر الأول إنه تجدد له حال يوجب كمال التأثير حال حدوث كل أثر وإن كان كمال حدوث التأثير بذاته وإن كانت ذاته اقتضت أن تفعل شيئا بعد شيء فهي التي تكون بنفسها فاعلة لهذا ثم لهذا ثم لهذا ليس غيرها يجعلها فاعلا فإن ذلك الغير هو من مفعولاتها فهي التي جعلته مفعولا فما ثم إلا الفاعل ومفعولاته ولا شيء من مفعولاته إلا منه.
فهذا ممكن في العقل بخلاف ما إذا قيل إنه دائما يحدث الأنواع المختلفة الحادثة وحاله حين جدد هذا كحاله قبل ذلك فإن هذا إن جاز جاز أن لا يكون فاعلا ثم يصير فاعلا له من غير تجدد شيء فإن امتنع أن يفعل بعد أن لم يفعل من غير تجدد شيء امتنع أن يفعل هذا بعد أن لم يكن فاعلا له من غير تجدد شيء فهم أنكروا على خصومهم حدوث حادث عن القديم بلا سبب حادث وقولهم يستلزم أن جميع الحوادث المتعاقبة المختلفة تحدث عن القديم بدون سبب حادث سواء قالوا إنها تحدث بواسطة العقل وبدون واسطة العقل فإن العقل عندهم لازم لذاته لا يحدث فيه شيء من الحوادث أصلا.
فتبين أن قولهم الذي فروا إليه أشد بطلانا وتناقضا من قول خصومهم الذي فروا منه يبين ذلك أن حدوث الحوادث عن القديم الواجب بنفسه بلا حدوث سبب إن كان ممكنا كان قول منازعيهم ممكنا وبطلت حجتهم على قدم شيء من العالم وإن كان ممتنعا كان قولهم أشد بطلانا من قول منازعيهم.
[ ٢ / ٩١ ]
فتبين فساد قولهم على تقدير النقيضين فيكون فاسدا في نفس الأمر قطعا وذلك انه إذا لم يمكن حدوث حادث من القديم الواجب إلا بحدوث سبب أو حال للمحدث والتقدير عندهم أن القديم الواجب بنفسه لا يقوم به شيء من الأمور الاختيارية ولا يحدث له حال أصلا بل حاله قبل إحداث المعين وبعده سواء فحينئذ لا يكون محدثا لشيء من الحوادث لا بوسط ولا بغير وسط فيلزم حدوث الحوادث بغير محدث.
وهم يعتذرون في هذا الموضع بأن يقولوا الواجب لنفسه الذي يسمونه العلة الأولى والمبدأ عام الفيض دائما ولكن حدوث الحوادث عنه يتوقف على حدوث الاستعدادات والقوابل فإذا حدثت حدث عنه الفيض كما يقولون مثل ذلك في العقل الفعال فيقولون إن فيضه على ما تحت الفلك عام ولكن يتوقف ذلك على حدوث الاستعدادات والقوابل بامتزاج الأجسام الحاصل عن حركات الأفلاك واتصالات الكواكب.
وهذا الاعتذار من أعظم الخطأ والكلام الباطل لوجهين:
أحدهما أن العقل الفعال عندهم ليس هو علة تامة لحدوث ما يفيض عنه ولا فاعلا مستقلا بل حدوث الفيض عنه يتوقف على حوادث تحدث من غيره فكأن له شريكا في الفيض فلهذا يتوقف فيضه
[ ٢ / ٩٢ ]
على ما يحدث عن مشاركيه وأما الواجب بنفسه الذي يسمونه العلة الأولى والمبدأ الأول فلا يتوقف فيضه على غير ذاته ولا له شريك غني عنه بل كل ما سواه صادر عنه ومفعول له وهم يسمونه معلولا له وموجبا له ونحو ذلك فلم يجز أن يكون فيض الرب تعالى موقوفا على حدوث حادث من غيره كما جاز مثل ذلك في العقل الفعال عندهم والتمثيل بالعقل الفعال على أصلهم.
وأما المسلمون فلا حقيقة عندهم للعقل الفعال بل التمثيل يحصل بالشمس فإنها إذا ظهرت كان نورها وحرارتها عامة وإن توقف ذلك على حدوث استعدادات وقوابل فإذا كان هناك سقف أو سحاب يمنع فيض ضوئها وحرارتها ثم زال ذلك المانع حدث الضوء والحرارة بدون تجدد فعل في ذاتها وإنما هو لحدوث حادث في غيرها.
الثاني: أن يقال الواجب بنفسه القديم رب العالمين الذي يسمونه العلة الأولى والمبدأ الأول إما أن يكون علة تامة في الأزل بنفسه أي مقتضيا وموجبا بنفسه كما يدعونه وإما أن يتوقف إيجابه على غيره فإن كان الأول لزم أن يقترن به جميع موجبه ومقتضاه في الأزل فيكون جميع معلولاته أزلية وكل واحد من الحوادث ليس أزليا فلا يكون شيء منها من معلولاته فلا يكون شيء منها حادث عنه لا بسوط ولا غيره فيلزم أن لا محدث لها بحال إذ ليس هناك واجب قديم غيره يكون مبدأ للحوادث وعلة لها بوسط أو بغير وسط.
وإن قيل: يتوقف إيجابه على غيره لزم أن لا يكون علة تامة فلا
[ ٢ / ٩٣ ]
يقارنه شيء من المعلولات في الأزل هذا يبطل قولهم ويقتضي امتناع قدم شيء من العالم.
وأيضا فإن إيجابه إذا كان متوقفا على غيره كان ذلك مستلزما للدور القبلي وللتسلسل في المؤثرات وكلاهما باطل باتفاق العقلاء فإن ذلك الغير إن كان معلولا له لزم الدور القبلي وإن لم يكن معلولا له لزم التسلسل في المؤثرات فإن تأثيره حينئذ يكون موقوفا على ذلك الغير وذلك الغير إن كان ممكنا فلا بد له من واجب والقول فيه كالقول في الأول وإن كان واجبا بنفسه لزم توقف تأثير كل من الواجبين على تأثير الآخر فلا يكون هذا مؤثرا حتى يجعله الآخر مؤثرا وكذلك بالعكس فلا يكون كل واحد منهما مؤثرا وهذا كله مبسوط في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا بيان أن قولهم أشد بطلانا من قول منازعيهم وأن الأصل الذي بنوا عليه حجتهم وهم أن المؤثر التام لا بد أن يقارنه الأثر والأثر لا بد أن يقارنه المؤثر التام هو نفسه يبطل حجتهم ومذهبهم فإنه يقتضي أن المؤثر التام لم يكن تاما مؤثرا لشيء من الحوادث إلا حين حدوثه.
وحينئذ فقبل ذلك لم يكن مؤثرا تاما ثم صار مؤثرا فانتقل من عدم التأثير إلى وجود التأثير من غير تغير منه ولا حدوث شيء عنه أصلا عندهم فإنهم إذا قالوا حركات الأفلاك هي شرط في التأثير أو قالوا تصورات النفس الفلكية وإراداتها الحادثة هي الشرط في التأثير أو قالوا كل حادث شرط لما بعده كان هذا باطلا من وج b هين:
[ ٢ / ٩٤ ]
أحدهما: أن القول في حدوث تلك الحوادث من الحركات والإرادات والتصورات كالقول فيما حدث عنها فلا يكون مؤثرا تاما فيها حتى يحدث له ما به يصير مؤثرا تاما وهو لا يحدث فيه شيء من الحوادث عندهم فلا يكون مؤثرا تاما في حال من الأحوال لشيء من الحوادث.
الثاني: أن يقال الحادث الأول لا يجوز أن يكون هو الذي به صار المؤثر تاما فيما بعده من الحوادث فإن تمام المؤثر لا بد أن يكون موجودا عند وجود الأثر سواء سمي شرطا أو جزءا أو عدم مانع أو غير ذلك من الأسماء لأن التقدير أن العلة التامة يقارنها معلولها وأن الأثر يقارنه المؤثر التام فلو قدر وجود بعض ما به يتم المؤثر قبل وجود الأثر وعدمه عند وجود الأثر للزم أن لا يكون المؤثر التام موجودا عند وجود الأثر وأن لا يكون الأثر موجودا عند وجود المؤثر التام بل يكون موجودا عند عدم بعض ما به يتم المؤثر.
والتقدير خلاف ذلك ولهذا وجب وجود العلة التامة عند وجود المعلول وإن شئت قلت والفاعل التام عند وجود المفعول وإن شئت المؤثر التام عن وجود الأثر.
فإن قيل: يمكن أن يكون تأثير القديم في الثاني مشروط بعدم الأول وعدم الأول مقارن لحدوث الثاني لا يكون الشرط مجرد حدوث الأول كما يقول من يقول إنه لم يزل متكلما إذا شاء وفاعلا بمشيئته شيئا بعد شيء.
[ ٢ / ٩٥ ]
فنقول: إن نفس ذاته هي المؤثرة في كل واحد واحد من تلك الأقوال والأفعال لكن تأثيرها في الثاني مشروط بعدم الأول.
وإلا فلو قيل: إن الحادث الثاني يجب أن يحدث عند حدوثه أمر وجودي يلزم التسلسل في تمام التأثير وذلك من التسلسل في التأثير وهو ممتنع فإنه إذا كان ذلك الحادث لا يحدث حتى يحدث عند حدوثه حادث وهذا أيضا يحدث عند حدوثه حادث لزم التسلسل في تمام أسباب ومسببات إلى غير نهاية وذلك ممتنع بصريح العقل واتفاق العقلاء كما يمتنع أن يكون لهذا المحدث محدث ولهذا محدث إلى غير نهاية فلا بد أن تكون الحوادث صادرة عن قديم ويكون حدوث الثاني مشروطا بعدم الأول فيكون بما في المؤثر الحادث عدم الأول والمؤثر القديم يحدث هذا بعد هذا وحدوث الثاني مشروط بعدم الأول.
قيل: هذا الذي ذكر يجب اعتباره في الفاعل الأول الواجب بذاته إذا كان فاعلا لشيء بعد شيء ولم يكن مؤثرا تاما لشيء أزلي بل ذاته مستلزمة لنوع التأثير لا لتأثير معين.
وهؤلاء القائلون بقدم العالم اشتبه عليهم نوع التأثير بعين التأثير فلما رأوا أن الذات تستلزم كونه مؤثرا لامتناع حدوث ذلك لم يميزوا بين النوع والعين فظنوا أن هذا يقتضي قدم الأفلاك أو غيرها من أعيان العالم.
[ ٢ / ٩٦ ]
وهذا خطأ قطعا فإن الذات تستلزم نوع التأثير لا عينه فإذا قدر أنها لم تزل فاعلة لشيء بعد شيء لم يكن شيء من مفعولاتها قديما بل كل ما سواها حادث كائن بعد أن لم يكن وإن كان فعلها من لوازم ذاتها.
والذين قابلوا هؤلاء لما أرادوا أن يثبتوا حدوث كل ما سوى الله ظنوا أن هذا يتضمن أنه كان معطلا غير قادر على الفعل وأن كونه محدثا لا يصح إلا على هذا الوجه فهؤلاء أثبتوا التعطيل عن نوع الفعل وأولئك أثبتوا قدم عين الفعل وليس لهم حجة تدل على ذلك قط وإنما يدل على ما يذكرونه من الحجج على ثبوت النوع لا على ثبوت عين الفعل ولا عين المفعول ولو كان يقتضي دليلهم الصحيح قدم عين الفعل والمفعول لامتنع حدوث شيء من الحوادث وهو مخالف للمشهود.
وحينئذ فالذي هو من لوازم ذاته نوع الفعل لا فعل معين ولا مفعول معين فلا يكون في العالم شيء قديم وحينئذ لا يكون في الأزل مؤثرا تاما في شيء من العالم ولكن لم يزل مؤثرا تاما في شيء بعد شيء وكل أثر يوجد عند حصول كمال التأثير فيه والمقتضى لكمال التأثير فه هو الذات عند حصول الشروط وارتفاع الموانع.
وهذا إنما يكون في الذات التي تقوم بها الأمور الاختيارية وتفعل بالقدرة والمشيئة بل وتتصف بما أخبرت به الرسل من أن الله يحب ويبغض ويرضى ويسخط ويكره ويفرح وغير ذلك مما نطق به الكتاب والسنة فأما إذا لم يكن إلا حال واحدة أزلا وأبدا وقدر أن لها معلولا لزم أن يكون على حال واحدة أزلا وأبدا.
[ ٢ / ٩٧ ]
وإذا قيل: إنها توجب الحدث الثاني بشرط عدم الأول.
قيل: الحوادث الصادرة عنها مختلفة فإن الحركات مختلفة إذ ليست حركة التاسع هي وحدها الموجبة لجميع الحوادث بل الحركات المختصة بكل فلك فلك ليست ناشئة عنها.
وحينئذ فهو يحدث حركات مختلفة شيئا بعد شيء وحوادث مختلفة شيء بعد شيء فيمتنع أن يكون في الأزل موجبا لها ويمتنع أن يتجدد له ما يصير به موجبا بدون فعل منه فإن القول في إيجابه للشرط كالقول في إيجابه للمشروط وتلك الحوادث لها محل قديم وهو معلوم فيلزم أن يكون مقتضيه في الأزل للمحل مقتضيه للآثار شيئا بعد شيء وهو في جميع ذلك على حال واحدة من الأزل إلى الأبد.
والمعلول صادر عن العلة لازم لها فإذا كان على حال واحدة لزم أن يكون المعلول على حال واحدة وإلا لزم وجود المعلول بدون العلة.
وهو حقيقة مذهب القوم فإن كل ما في المعلول هو من العلة فإذا قدر أن العلة لا يتنوع فعلها ولا صفة لها ولا يحدث فيها شيء لزم أن يكون المعلول كذلك واحدا لا يتنوع ولا يحدث فيه شيء وهو خلاف المشاهدة وهذا أمر لا محيد عنه.
وحذاقهم معترفون بهذا فإن ما ادعوه مخالف لصريح المعقول لمن تصور حقيقة قول القوم وإنما طمعوا في أهل الكلام المبتدعين الذين ذمهم السلف والأئمة لما اشتمل عليه كلامهم من الباطل شرعا وعقلا فإنهم خالفوا السمع والعقل وظنوا أن الرسل أخبرت بأن الباري كان
[ ٢ / ٩٨ ]
معطلا لا يقدر أن يفعل ولا أن يتكلم ثم بعد هذا قدر أن يفعل وأن يتكلم ٤ فانتقل من عدم القدرة إلى القدرة بلا حدوث شيء وانتقل الشيء من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي بلا حدوث شيء ولزم أن يكون بين الباري وبين أول كلامه وفعله مدة لا نهاية لها وليس هناك مدة وأن يكون قبل الزمان زمان زمان إلى غير ذلك من الأمور التي ابتدعها المتكلمة الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم في الإسلام فجاء أولئك الملحدة فرأوا أن هذه أقوال فاسدة فظنوا أنهم إذا أفسدوها بدوام فاعلية الرب وأن ما جاز وجوده عنه وجب وجوده لزم من ذلك قدم هذا العالم ودوامه وأن الرب تعالى لم يحدث هذا العالم ولا يغيره ولا يقيم القيامة الكبرى إذ فعله واحد لا يتبدل.
وهذا من أعظم الجهل والضلال عقلا كما هو من أعظم الإلحاد شرعا فإن الفعل ليس واحد بالعين إذ لو كان كذلك لم يحدث شيء وإذا كان يفعل شيئا بعد شيء فلا فرق بين إحداث أنواع من الحيوان لم تكن وإحداث عالم لم يكن وإحداث إشخاص لم تكن.
والحوادث المختلفة في العالم دالة على أحداث فاعلة للحوادث ولهذا يبين ﷾ الأدلة على إثبات الصانع بإحداثه الحوادث المشهودة كإنزال المطر وإنبات النبات وخلق الإنسان وغيره من الحيوان.
وقد ذكر في غير هذا الموضع تنازع الناس في هذا المقام فإن طائفة من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم يقولون إن المؤثر التام يجب أن
[ ٢ / ٩٩ ]
يتقدم بالزمان على الأثر ولهذا يقولون القدرة على الفعل لا تكون إلا قبل الفعل وكذلك الإرادة للفعل.
وأما أهل السنة المثبتون للقدر فعندهم لا بد من وجود القدرة عند الفعل ويعنون بالقدرة مجموع ما به يصير العبد فاعلا فدخل في ذلك الإرادة وغيرها.
لكنهم متنازعون هل يجوز وجود القدرة قبل الفعل وبقاؤها إلى حين الفعل وأنه عند الفعل ينضم إليها الإرادة أم لا يجوز وجودها إلا عند الفعل؟ على قولين.
فالأول: قول أئمة الفقهاء وأهل السنة وهو المنقول عن أبي حنيفة وأبي محمد بن كلاب وأبي العباس القلانسي وأبي العباس بن سريج وغيرهم ممن يقول القدرة تصلح للضدين وهو قول الفقهاء والجمهور الذين يقسمون القدرة إلى نوعين مصححة للفعل وهي المشترطة في الأمر والنهي وهي مشتركة بين المطيع والعاصي ومستلزمة للفعل وهي التي يختص بها المطيع دون العاصي.
والثاني: قول من يقول لا تكون القدرة إلا عند الفعل وأن خلاف المعلوم غير مقدور للعبد وأن العاصي ليس قادرا على الطاعة وهذا قول أبي الحسن الأشعري ومن وافقه من أهل الكلام والفقه على ذلك من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم.
[ ٢ / ١٠٠ ]
لكن جمهور هؤلاء متناقضون فيقولون في هذا الموضع القدرة لا تكون إلا مع الفعل وفي الفقه وأصوله يجعلون العاصي قادرا على الطاعة كما يجب الحج على المستطيع سواء حج أو لم يحج وقد يجعلون النزاع لفظيا منقولون الصحة المتقدمة وسلامة البنية المتقدمة ليست هي الاستطاعة التي لا تكون إلا مع الفعل.
لكن يقال لهم: نصوص الكتاب والسنة توجب جعل ذلك من الإستطاعة وإذا كان النزاع لفظيا فأحق الألفاظ بالرعاية ألفاظ الشارع الواردة في الكتاب والسنة.
وبالجملة فمذهب أهل السنة والجماعة المثبتين للقدر وأن الله خالق أفعال العباد أن مجموع ما يوجب وجود فعل العبد لا يوجد إلا عند وجود فعله.
لكنهم في أفعال الله متنازعون فالكلابية ومن وافقهم من الفقهاء أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم يقولون إن القدرة القديمة والإرادة القديمة هي المقتضية لحدوث كل ما حدث في وقت حدوثه من غير تجدد أمر وجودي فقالوا هنا إن المؤثر التام يتقدم على أثره أو يقولون من تمام المؤثر التعلق الحادث عند وجود الأثر لكن هذا التعلق عندهم عدمي.
وأما الكرامية ونحوهم فإنهم وإن قالوا إنه عند حدوث حوادث
[ ٢ / ١٠١ ]
العالم قد يقوم بذاته أمور اختيارية من إرادة أو كلام أو غير ذلك فهم يقولون إن الحوادث ابتداء حدثت بغير سبب حادث فيرد عليهم في أصل الحدوث ما يرد على أولئك في تفصيل الحوادث.
وأما المعتزلة وغيرهم من القدرية قولهم في التأثير واحد وهو أن القادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح.
والذين ناظروهم وناظروا الفلاسفة على أصل الكلابية كأبي عبد الله الرازي وغيره إذا ناظروا القدرية من المعتزلة وغيرهم استدلوا بأن القادر المختار لا يرجح الفعل على الترك إلا بمرجح وقالوا إن رجحان فاعلية العبد على تاركيته يتوقف على مرجح تام يستلزم وجود الأثر.
وإذا ناظروا الفلاسفة في مسألة حدوث العالم قالوا إن القادر المختار يرجح أحد طرفي مقدوريه على الآخر بلا مرجح وادعوا أن المرجح التام إنما يستلزم الأثر إذا كان موجبا بالذات فأما إذا كان فاعلا بالاختيار فلا وربما ادعى بعضهم العلم الضروري بالفرق بين ترجيح الموجب بالذات والفاعل بالاختيار.
وهذا تناقض بين لمن فهمه فإنه إن كان الفرق صحيحا بطلت حجتهم على القدرية من المعتزلة وغيرهم ولزم جواز إحداث العبد لفعله بلا سبب حادث لأن القادر المختار يرجح أحد مقدوريه بلا مرجح وإن كان الفرق باطلا لزم بطلان جوابهم للفلاسفة فأحد الأمرين لازم إما بطلان حجتهم على هؤلاء وإما بطلان جوابهم لهؤلاء.
[ ٢ / ١٠٢ ]
وأيضا فإن الموجب بالذات قد يراد به ما تكون مجرد ذاته العارية عن الصفات والأفعال مستلزمة لموجبه وعلى هذا فيحصل الفرق بين مسمى الموجب بالذات ومسمى الفاعل بالاختيار وقد يراد به ما يوجب بذاته الموصوفة بالصفات والمشيئة والفعل وعلى هذا فكونه موجبا بالذات لا ينافي كونه فاعلا بالاختيار.
فقولهم: إن الترجيح بدون مرجح تام ممتنع في الموجب بالذات دون الفاعل بالاختيار قول باطل لأنه حينئذ قد يكون فاعلا باختياره وعند حصول القدرة التامة والإرادة الجازمة يجب وجود الفعل فيكون موجبا بذاته الموصوفة بالقدرة والاختيار لا بذات مسلوبة القدرة والاختيار.
وغاية ما يمكن أن يقال في الاعتذار عن تناقض هؤلاء أن القديم المختار له أن يرجح أحد مقدوريه بدون مرجح بدون المحدث المختار لأن المحدث لا يتصور حدوث شيء منه إلا من غيره فإن كونه قادرا مريدا وفاعلا إنما هو من غيره فنفس ذاته ليس من لوازمها أن تكون قادرة مريدة فاعلة بل ذلك لها من غيرها فلهذا لا يرجح بغير مرجح وهي إذا افتقرت إلى مرجح فالمرجح يحدث من الله تعالى بخلاف القديم الواجب بنفسه سبحانه فإنه هو المحدث لكل ما سواه وهو بنفسه مستغن عن كل ما سواه فيمكنه ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح.
فيقال لهؤلاء هذا فرق فاسد من وجوه متعددة.
[ ٢ / ١٠٣ ]
منها: أن يقال كون المؤثر التام يستلزم أثره ويقارنه وأن الأثر يستلزم المؤثر التام ويقارنه وأن يقال كون المرجح التام يستلزم الرجحان وأن الرجحان بدون المرجح التام ممتنع قضية كلية لا تقبل الانتقاض ولا التخصيص كما قيل المحدث لا بد له من المحدث والتخصيص المحدث لا بد له من مخصص والممكن لا يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح فهذه قضايا كلية لا تنتقض سواء قدر المحدث والمخصص والمرجح قديما أو محدثا.
ومنها: أن يقال ما به يعلم أن المحدث لا يرجح بدون مرجح تام به يعلم ذلك في القديم مثل أن يقال الإرادة إما أن يجب مقارنة مرادها لها وإما أن لا يجب فإن وجب لزم إذا كانت الإرادة قديمة أن يكون المراد قديما وبطل قولهم وإن لم يجب فإما أن يكون ممتنعا وإما أن يكون ممكنا فإن كان ممتنعا لزم أن لا يوجد المراد مع وجود الإرادة وهذا باطل فإنهم يقولون إن الإرادة باقية إلى حين وجود المراد.
وأيضا فإذا كان ممتنعا فإن لم يصر ممكنا لزم دوام الامتناع فيلزم أن لا يحدث شيء وإن صار بعد ذلك ممكنا والتقدير أنه لم يتجدد شيء لزم أن يصير الشيء ممكنا بعد أن كان ممتنعا من غير حدوث شيء فينقلب الشيء من الامتناع إلى الإمكان بلا سبب وهذا معلوم الفساد بالضرورة.
[ ٢ / ١٠٤ ]
ثم إذا قيل هو ممكن بعدها أو قيل هو ممكن معها فالممكن لا يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح والتقدير أنه ليس هناك مرجح غير ما ذكر فيلزم أن لا يوجد شيء أصلا.
وإذا قيل المرجح تعلق الإرادة.
قيل هذا التعلق إذا كان حادثا فلا بد له من محدث وإن كان قديما فلم يتجدد شيء.
وأيضا فإن كان أمرا وجوديا فهو حادث من الحوادث فلا بد له من محدث وإن كان عدما فليس بشيء فلا مرجح هناك فإن ما ليس بشيء لا يكون مرجحا للوجود.
وأيضا فإذا كان حال قبل حدوث الحادث كالحال بعده كما هو قولهم من كل وجه كان تخصيص أحد الحالين بالحدوث ترجيحا لأحد المتماثلين بلا مرجح.
وقول القائل: إن الإرادة لذاتها تقتضي التخصيص بلا مخصص قول باطل فإن الإرادة التي يعرفها الناس من أنفسهم لا توجب ترجيحا إلا بمرجح وإرادة الإنسان لأحد المتماثلين دون الآخر مع تساويهما من كل وجه ومع كون نسبة الإرادة إليهما سواء ممتنع لمن تصوره والعلم بامتناعه ضروري وهذا هو نفس الترجيح بلا مرجح.
[ ٢ / ١٠٥ ]
بل الذي يعلمه الناس من أنفسهم أن إرادة الإنسان أحد الشيئين ليست هي إرادته للآخر سواء ماثله أو خالفه فضلا عن أن يكون إرادة واحدة نسبتها إلى المثلين سواء وهي ترجح أحدهما بلا مرجح وإن جاز أن يقال إن هذه الإرادة حاصلة له وهي ترجح أحد متعلقيها المتماثلين بلا مرجح جاز أن يقال نفس الإنسان يرجح إرادة هذا على إرادة هذا بلا مرجح.
وحينئذ فلا يكون حدوث الإرادة مفتقرا إلى سبب غير نفس الإنسان بل نفسه يمكنها إحداث هذه الإرادة دون هذه الإرادة بلا مرجح.
وهذا قول القدرية الذين يقولون إن الإنسان هو الذي يحدث إرادته بلا إرادة ويقولون إن الإرادة لا تعلل ويقولون مثل ذلك في القديم يقولون إنه يحدث الإرادة بلا إرادة.
وقول هؤلاء وإن طردوه فهو فاسد من وجوه:
منها: أنهم أثبتوا الحوادث بلا محدث تام والأثر بلا مؤثر تام والممكن بلا مرجح تام.
ومنها: أنهم رجحوا أحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح وهذا مع بطلانه بالضرورة فهو يسد عليهم طريق إثبات الصانع.
ومنها أنهم خصوا أحد الزمانين المتماثلين بالحدوث بلا مرجح وهو كذلك
[ ٢ / ١٠٦ ]
ومنها: أنهم أثبتوا إحداث المختار للحوادث بلا إرادة فإن إرادته حادثة بلا إرادة إذ الإرادة عندهم ليست من لوازم نفسه بل هي تحدث من محدثها ومتى جاز إحداث حادث بلا إرادة جاز إحداث آخر ولهذا تفرقوا في إرادة الباري تعالى.
فالبغداديون من المعتزلة ومن وافقهم من الرافضة واليهود نفوها والبصريون أثبتوا إرادة حادثة لا في محل فلزمهم إثبات صفة قائمة بل عرض قائم بنفسه وهذا معلوم الفساد بالضرورة وهو إبطال لحقيقة الغرض وإن جاز ذلك جاز إثبات كلام لا في محل وعلم لا في محل وقدرة لا في محل.
ومنها: أنهم أثبتوا حادثا بلا إرادة.
ومنها: أنهم جعلوا الحي مريدا بإرادة ليست قائمة به كما جعلوه متكلما بكلام لا يقوم به وإن جاز هذا جاز أن يعلم بعلم لا يقوم به ويقدر بقدرة لا تقوم به ويحيا بحياة لا تقوم به إلى أمثال ذلك.
ومما يبين فساد ما ذكروه من الفرق أن يقال أنتم قررتم أنه لا بد عند وجود المقدور المراد من وجود القدرة والإرادة وأنه يمتنع وجود المقدور المراد بقدرة وإرادة تتقدم على المقدور المراد وأبطلتم قول القدرية في ذلك بأنه يستلزم وجود الحادث بأمر معدوم وإن قدر أنه عند وجود المقدور المراد كانت الإرادة أو القدرية معدومة فلا بد من وجود ذلك عند
[ ٢ / ١٠٧ ]
وجود المقدور المراد فإن كان وجود ذلك قبل وجود المقدور المراد مثل وجوده عند وجود المقدور المراد كان وجود ذلك أزلا ولم يؤثر شيئا فإذا كان الحال لم يتغير فهو بعد ذلك أيضا لم يؤثر شيئا وهذا أضعف من القول بوجوده عقب الإرادة والقدرة لأنه هنا مؤثر تأخر عنه أثره وهناك أثر بلا مؤثر والقول بوجود أثر بلا مؤثر أفسد من القول بأثر تأخر عن مؤثره.
ولهذا كان إنكار الناس على القدرية قولهم بأنه ليس لله على المؤمنين نعمة من بها إلا وقد أعطى مثلها للكافر أشد من إنكارهم عليهم أن الإيمان بقدرة متقدمة وإرادة متقدمة.
والناس يعلمون افتقار أنفسهم إلى الله تعالى في أن يهديهم ويعينهم على الإيمان والعمل الصالح أعظم مما يعلمون كون الأثر يقارن المؤثر وإذا قيل لأحدهم الإعانة التي أعطيت للصحابة على الإيمان كالإعانة التي أعطيت لأبي جهل وأبي لهب بادرت فطرته إلى إنكار ذلك.
وكذلك في نظائر ذلك مثل أن يقال ما به أعين المصلى هو مثل ما به أعين تارك الصلاة وما به أعين المهتدي مثل ما به أعين الضال فإن الفطرة تشهد أنه لو استوى الأمران لم يختص أحدهما بالطاعة.
وهذا مع أن التماثل إنما تدعيه القدرية في القدرة خاصة وأما الإرادة فإنهم يقولون إن المؤمن يحدث إرادة الإيمان فإذا كانت
[ ٢ / ١٠٨ ]
الفطرة تنكر تساوي القدرتين مع اختصاص أحدهما بالإرادة أعظم مما تنكر تأخر الأثر عن المؤثر فكيف إذا قيل إن القدرة والإرادة في حال وجود الفعل كحالها قبل وجود الفعل وأن الفعل حدث بلا تجدد شيء أصلا؟!
فإن هذا مما يعلم بالفطرة إنكاره ويعلم أنه لا بد حين وجود الفعل من حصول تمام المؤثر الذي به يصير الفاعل مريدا إرادة جازمة وقادرا قدرة تامة فإنه مع القدرة التامة والإرادة الجازمة يجب وجود المقدور والمراد.
ولا ريب أن الله على كل شيء قدير كما نطق به القرآن في غير موضع فإن قدرته من لوازم ذاته والمصحح لها الإمكان فلا اختصاص لها بممكن دون ممكن لكن الممتنع لذاته ليس شيئا باتفاق العقلاء فلا يعقل وجوده في الخارج فإنه لا يعقل في الخارج كون الشيء موجودا معدوما أو متحركا ساكنا أو كون أجزاء الحركة المتعاقبة مقترنة في آن آن واحد أو كون اليوم موجودا مع أمس وغدا وأمثال ذلك.
وحينئذ فمثل هذا لا يدخل في عموم الكتاب وأما الممتنع لغيره وهو ما علم الله أنه لا يكون وأخبر أنه لا يكون وكتب أنه لا يكون فهذا لا يكون لعدم إرادته وأنه لا يكون فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فهذا لو شاء لفعله كما أخبر القرآن في غير موضع أنه لو شاء الله لآتى كل نفس هداها ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة وأمثال ذلك.
[ ٢ / ١٠٩ ]
والقادر إذا لم يفعل الشيء لعدم إرادته له لم يمنع ذلك أن يكون قادرا عليه بخلاف ما إذا لم يفعله لكونه ليس قادرا عليه والقادر يجوز أن يفعل كلا من الضدين ويريده على طريق البدل بخلاف فعلهما على وجه الجمع فإنه ممتنع لذاته.
ولو كان فعل القادر موقوفا على إعانة غيره أو ممنوعا بغيره لم يكن قادرا بنفسه وهذا من دلائل الوحدانية فإن الرب لا بد أن يكون قادرا بنفسه لامتناع كون قدرته من غيره ويمتنع اجتماع قادرين بأنفسهما على شيء واحد فإن قدرة أحدهما عليه مشروطة بعدم قدرة الآخر عليه حال كون الأول قادرا لامتناع اجتماع قدرتين تامتين على فعل واحد وامتناع اجتماع فاعلين مستقلين على فعل واحد وهذا مبسوط في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا أنه إذا فرض أن قدرته وإرادته وسائر ما يتوقف الفعل عليه حال وجود الفعل كما هي حال عدم وجود الفعل كان هذا ممتنعا بالضرورة كامتناع هذا في كل مؤثر تام بل لا بد لحال الفعل من اختصاصه بأمر لا يكون موجودا عند عدم الفعل.
وأما السلف والأئمة وأكابر أهل الحديث الذين يقولون لم يزل الله متكلما إذا شاء ولم يزل تقوم به الأمور الاختيارية فلا يرد عليهم شيء من هذه التناقضات الواردة على هؤلاء الأصناف من أهل الكلام والفلسفة.
[ ٢ / ١١٠ ]
وكذلك لا يرد على من وافقهم من أساطين الفلاسفة القائلين بقيام الأمور الإرادية بذاته وأنه لم يزل كذلك كما يقوله أبو البركات صاحب المعتبر وغيره من متقدمي الفلاسفة ومتأخريهم فإن هؤلاء يطردون الأصل المتقدم في أن المؤثر التام يستلزم أثره وأن الأثر يلازم المؤثر التام ولا يفرقون في ذلك بين مؤثر ومؤثر.
والرب تعالى عندهم فاعل لكل ما سواه بقدرته واختياره وإذا سمي موجبا بالذات بمعنى أنه موجب بذاته الموصوفة بالقدرة والاختيار ما يحدثه من الحوادث في وقت إحداثه إياه فهذا حق عندهم كما يقول المسلمون ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ويقولون إن كل حادث فله سبب حادث وإن كمال فاعلية الرب تعالى لكل مفعول هو عند فعله إياه كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (سورة يس ٨٢) .
وهؤلاء يطرد على أصلهم بيان تناقض الفلاسفة القائلين بقدم الأفلاك وفساد حجتهم ومذهبهم وأما غيرهم فإنه وإن بين تناقض الفلاسفة من وجه فإنه يتناقض هو من وجه آخر فهم يردون باطلا بباطل ويقابلون بدعة ببدعة لكن لكل حال كل من كان إلى اتباع الرسل أقرب كان قوله أقوم وأقرب إلى صريح المعقول وصحيح المنقول ممن هو أبعد منه عن متابعة الرسل فإن المعقول الصريح لا يدرك إلا على موافقة أقوال الرسل لا على مخالفتها.
والمقصود هنا بيان فساد قول هؤلاء الفلاسفة ومذهبهم وأنه
[ ٢ / ١١١ ]
أعظم فسادا من قول القدرية المعتزلة وغيرهم ومن الكلابية وغيرهم من أصناف أهل الكلام فإن هؤلاء الفلاسفة الدهرية لا سيما معطلة الصفات منهم يحتجون بأن المؤثر التام لا بد أن يقارنه أثره ثم يقولون والرب لا بد أن يكون مؤثرا تاما في الأزل إذ لو لم يكن كذلك للزم حدوث تمام تأثيره والكلام في حدوث ذلك الحادث كالكلام في غيره فيلزم التسلسل بمعنى حدوث تمامات لا نهاية لها في آن واحد للعلة الفاعلة وهو باطل لم يقل به طائفة من الطوائف كما لم يقل بتسلسل علل تامة.
وحجتهم مبنية على امتناع التسلسل في المؤثرات وهو متفق عليه بين العقلاء وامتناع الترجيح بغير مرجح والمعتزلة والكلابية والكرامية ونحوهم أبطلوها لجواز الترجيح عندهم من القادر بلا مرجح.
وقد عرف ما في هذا الجواب وأنه إنما يستقيم على أصول القدرية والجهمية ولهذا كان النزاع هنا بين القدرية والدهرية وكلاهما مبطل لكن القدرية أمثل لكنهم عارضوها بحدوث الحوادث اليومية فإن حجتهم تستلزم أن لا يحدث شيء وقد حدث.
والمعارضة تدل على فساد الحجة لكن لا تحلها ولا تبين وجه فسادها وقد طعن الأرموي وغيره في هذه المعارضة وقد بينا فساد طعنه وصحة هذه المعارضة كما ذكرها الغزالي والرازي والأبهري وغيرهم ممن عارض بها الفلاسفة.
وجاء بعد الأرموي الهندي فنقل طعنه فيها نقلا مجردا ولم يجب عنه
[ ٢ / ١١٢ ]
بشيء وذكر الأرموي جوابه الذي سماه الجواب الباهر وأخذه من كلام الرازي لأنه أجاب بهذا الجواب الذي سماه الباهر من المطالب العالية فأجاب أنه لا يلزم منه قدم العالم الجسماني لجواز أن يوجد عقل في الأزل أو نفس تصدر عنهما تصورات متعاقبة كل واحد منهما بعدما يليه حتى ننتهي إلى تصور خاص يكون شرطا لفيضان العالم الجسماني عن المبدأ القديم.
ثم إن الهندي لم يكن عنده غير ما نقله من كلام هؤلاء وهذا الجواب بنى عليه أبو عبد الله القشيري المعروف بابن دقيق العيد حيث جزم بحدوث الأجسام دون سواها مع جعله جميع الممكنات صادرة عن الواجب.
وهذا الجواب بنوه على ظنهم الفاسد وهو أن الدليل قد قام على حدوث الأجسام دون ما سواها بناء على أن المتكلمين لم يقيموا دليلا على أنه لا ممكن إلا الجسم أو العرض كما قد ذكر ذلك الشهرستاني والرازي والآمدي وغيرهم من متأخري أهل الكلام المخلوط بالفلسفة من المعتزلة والأشعرية.
[ ٢ / ١١٣ ]