وَلِهَذَا لما سَأَلَ الله عِيسَى فَقَالَ ﴿أَأَنْت قلت للنَّاس اتخذوني وَأمي إِلَهَيْنِ من دون الله قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ قدم التَّنْزِيه فِي هَذَا التَّشْبِيه مَا
[ ٤٣ ]
يكون لي أَن أَقُول مَا لَيْسَ لي بِحَق) يَعْنِي كَيفَ أنسب الْمُغَايرَة بيني وَبَيْنك فَأَقُول لَهُم اعبدوني من دون الله وَأَنت عين حقيقتي وذاتي وَأَنا عين حقيقتك وذاتك فَلَا مُغَايرَة بيني وَبَيْنك ثمَّ قَالَ ﴿إِن كنت قلته﴾ يَعْنِي نِسْبَة الْحَقِيقَة العيسوية أَنَّهَا الله ﴿فقد عَلمته﴾ أَنِّي لم أَقَله إِلَّا على الْجمع بَين التَّنْزِيه والتشبيه وَظُهُور الْوَاحِد فِي الْكَثْرَة لكِنهمْ ضلوا بمفهومهم وَلم يكن مفهومهم مرادي فِيمَا بلغت ذَلِك إِلَيْهِم من ظُهُور الْحَقِيقَة الإلهية أم كَانَ مرادي بِخِلَاف ذَلِك ﴿وَلَا أعلم مَا فِي نَفسك﴾ يَعْنِي بلغت ذَلِك إِلَيْهِم وَلَا أعلم مَا فِي نَفسك من أَن تضلهم عَن الْهدى فَلَو كنت أعلم ذَلِك لما بلغت إِلَيْهِم شَيْئا مِمَّا يضلهم ﴿إِنَّك أَنْت علام الغيوب﴾ وَأَنا لَا أعلم الغيوب فاعذرني ﴿مَا قلت لَهُم إِلَّا مَا أَمرتنِي بِهِ﴾ مِمَّا وجدت نَفسِي فبلغت الْأَمر ونصحتهم ليجدوا إِلَيْك فِي أنفسهم سَبِيلا فأظهرت لَهُم الْحَقِيقَة الإلهية وَذَلِكَ ليظْهر لَهُم مَا فِي أنفسهم وَمَا كَانَ قولي لَهُم إِلَّا ﴿أَن اعبدوا الله رَبِّي وربكم﴾ وَلم أخصص نَفسِي بِالْحَقِيقَةِ الإلهية بل أطلقت ذَلِك فِي جَمِيعهم فأعلمتهم بِأَنَّهُ كَمَا أَنَّك رَبِّي يَعْنِي حقيقتي أَنَّك رَبهم يَعْنِي حقيقتهم وَكَانَ الْعلم الَّذِي جَاءَ بِهِ عِيسَى زِيَادَة على مَا فِي التَّوْرَاة هُوَ سر الربوبية وَالْقُدْرَة فأظهره وَلِهَذَا كفر قومه لإفشاء سر الربوبية انْتهى
[ ٤٤ ]
انْظُر عَدو الله كَيفَ لم يقنع بتصريحه بالوحدة حَتَّى تلعب بِكَلَام الله هَذَا التلعب ثمَّ لم يكفه ذَلِك حَتَّى جزم أَن إفشاء سر الربوبية كفر وَعِيسَى ﵇ قد أفشى سر الربوبية بِزَعْمِهِ فَيكون وصانه الله كَافِرًا عِنْده لِأَنَّهُ يَنْتَظِم مِنْهُ شكل هَذَا عِيسَى مفش لسر الربوبية وكل مفش لسر الربوبية كَافِر فعيسى كَافِر إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون
أَيهَا النَّاس أفسدت أسماعكم أم عميت قُلُوبكُمْ عَن مثل هَذَا الْكَلَام الَّذِي لَا يلتبس على أدنى متمسك بِنَصِيب من الْعقل والفهم حَتَّى جعلتم هَذَا المخذول من أَوْلِيَاء الله
وَاعْلَم أَنا لم نسْمع بِأحد قبل ابْن عَرَبِيّ بلغ فِي إفشاء هَذَا السِّرّ الَّذِي جعل إفشاءه كفرا مبلغه حَتَّى ألف فِي ذَلِك الْكتب المطولة كالفتوحات والفصوص وسننصفه ونحكم عَلَيْهِ بقوله
فَنَقُول ابْن عَرَبِيّ مفش لهَذَا السِّرّ وكل مفش لهَذَا السِّرّ كَافِر فَابْن عَرَبِيّ كَافِر أما الأولى فَإِن أنكرها فَهَذِهِ كتبه فِي أَيدي النَّاس تكذبه وَأما الثَّانِيَة فَهَذَا نَصه قد أطلعناك عَلَيْهِ