وَأما الجيلي فكتابه الْمُسَمّى الْإِنْسَان الْكَامِل كافل لَك بِبَيَان
[ ٥٦ ]
حَاله أَي كافل لَا تَجِد فِي كتب الْقَوْم مثله فِي التَّصْرِيح بالاتحاد والإلحاد لِأَن الرجل أَمن من المخاوف الَّتِي كَانَ أَصْحَابه يخافونها لما رَآهُ من عدم قيام الْعلمَاء بِمَا أوجب الله عَلَيْهِم من نصر الشَّرِيعَة وَقطع دابر من رام تكديرها متفوها وتحققه من إطباق الْعَامَّة وَكثير من الْخَاصَّة على أَن الْقَوْم من الصفوة المصطفاة وإذعانهم لكل مشعبذ وَإِن كَانَ لَا يدْرِي من صناعَة الشعبذة إِذا قَامَ بعهدة النهيق قَائِلا هُوَ هِيَ تَارِكًا للواجبات منغمسا فِي الْمُحرمَات متمخلعا متوقحا متلوثا بالنجاسات غير متنزه عَن القاذورات كثير الْوُقُوف فِي الْمَزَابِل والرباطات مُشْتَمِلًا على جُبَّة قذرة كدرة فَهَذَا ولي الله المجاب الدعْوَة الَّذِي يرحم الله بِهِ الْعباد وَيُسْتَنْزَلُ بِهِ الْغَيْث إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون
وَأَنت إِن بَقِي فِيك نصيب من الْعقل وحظ من التَّوْفِيق فزن أَحْوَال هَؤُلَاءِ بِحَال أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فَإِنَّهُم المعيار الَّذِي لَا تزِيغ عَنهُ إِلَّا ضال وَانْظُر مَا بَين الطَّائِفَتَيْنِ من التَّفَاوُت بل التقابل فِي جَمِيع الْأُمُور واختر لنَفسك فِي الْهوى من تصطفي والموعد الْقِيَامَة وستعلم لمن عُقبى الدَّار
فَمن تنفسات الجيلي فِي كِتَابه الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِع قَوْله فَأول رَحْمَة رحم الله بهَا الْوُجُود أَن أوجد الْعَالم من نَفسه قَالَ الله تَعَالَى ﴿وسخر لكم مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض جَمِيعًا مِنْهُ﴾ وَلِهَذَا
[ ٥٧ ]
سرى وجوده فِي الموجودات فَظهر كَمَاله فِي كل جُزْء وفرد من أَجزَاء الْعَالم وَلم يَتَعَدَّد بِتَعَدُّد مظاهره بل هُوَ وَاحِد فِي جَمِيع تِلْكَ الْمظَاهر وسر هَذَا السريان أَن خلق الْعَالم من نَفسه وَهُوَ لَا يتَجَزَّأ فَكل شَيْء من الْعَالم هُوَ بِكَمَالِهِ وَاسم الخليقة على ذَلِك الشَّيْء بِحكم الْعَارِية لَا كَمَا يزْعم من زعم أَن الْأَوْصَاف الإلهية هِيَ الَّتِي تكون بِحكم الْعَارِية إِلَى العَبْد وَأَشَارَ إِلَى ذَلِك بقوله
(أعارته طرفا رَآهَا بِهِ فَكَانَ الْبَصِير بهَا طرفها)
فَإِن الْعَارِية مَا هِيَ فِي الْأَشْيَاء إِلَّا نِسْبَة الْوُجُود الخلقي إِلَيْهَا فَإِن الْوُجُود الحقي لَهَا أصل فأعار الْحق خلقه اسْم الخليقة ليظْهر بذلك أسرار الإلهية ومقتضياتها من التضاد فَكَانَ الْحق هيولى الْعَالم
قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا خلقنَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ فَمثل الْعَالم مثل الثَّلج وَالْحق سُبْحَانَهُ المَاء الَّذِي هُوَ أصل الثَّلج فاسم الثَّلج على ذَلِك المعتقد معار وَاسم المائية عَلَيْهِ حَقِيقَة وَقد نبهت على ذَلِك فِي القصيدة الْمُسَمَّاة بالبوادر العينية بِقَوْلِي
(وَمَا الْخلق فِي التمثال إِلَّا كثلجة وَأَنت لَهَا المَاء الَّذِي هُوَ نابع)
(وَلَكِن بذوب الثَّلج يرفع حكمه وَيُوضَع حكم المَاء وَالْأَمر وَاقع)
(تجمعت الأضداد فِي وَاحِد النهى وَفِيه تلاشت فَهُوَ عَنْهُن صادع)
انْتهى
[ ٥٨ ]
وَكتابه الْمَذْكُور مشحون بِهَذَا الهذيان وَهُوَ من الصراحة بالاتحاد بِحَيْثُ لَا يلتبس إِلَّا على بَهِيمَة فَإِن شَككت فِيمَا حكيناه فَعَلَيْك بِالْكتاب الْمَذْكُور وَهَذَا الْمِثَال مَشْهُور عِنْد الْقَوْم لَا يُنكره أحد مِنْهُم بل رُبمَا جاوزه بَعضهم فَقَالَ إِن الْعَالم كالموج والباري ﷿ كالبحر والموج لَيْسَ غير الْبَحْر صرح بذلك الجامي فِي شرح نقش الفصوص لِابْنِ عَرَبِيّ
وعَلى الْجُمْلَة فقد سقنا إِلَيْك من نصوصهم مَا يعرفك بحالهم وَلَا فَائِدَة فِي الْإِكْثَار من كفرياتهم فَهَذِهِ كتبهمْ على ظهر البسيطة مَوْجُودَة بأيدي النَّاس فَإِذا أردْت العثور على أَضْعَاف أَضْعَاف هَذِه المخازي رَاجعهَا وَكن على حذر مِنْهَا فَإِنَّهَا مغناطيس الْقُلُوب الَّتِي لم تستحكم قُوَّة إيمَانهَا