وَلما فرغت من نظم هَذِه الأبيات قلت رُبمَا وقف عَلَيْهَا بعض من فت فِي عضد إيمَانه هينمة هَؤُلَاءِ المخذولين كَمَا نرَاهُ فِي كثير من أهل عصرنا الَّذين نفقت عِنْدهم تلبيسات هَؤُلَاءِ الشَّيَاطِين فَقَالَ شَيْطَانه مَا بَال هَذَا المحجوب يتَكَلَّم فِي أَوْلِيَاء الله تَعَالَى وَيتَعَاطَى كؤوس شرابهم الصافي الَّذِي لَا يعرفهُ مثله كَمَا قَالَ قَائِلهمْ من ذاق طعم شراب الْقَوْم يدريه وَلَوْلَا مرَارَة فَمه لما تغير عِنْده طعمه
(وَمن يَك ذَا فَم مر مَرِيض يجد مرا بِهِ المَاء الزلالا)
وَإِنَّمَا يعرف الصِّنَاعَة أَهلهَا ويتمتع بمحاسن الحسنا بَعْلهَا لَا من عمي عَن أسرار تِلْكَ الإشارات وَقصر عَن فهم تِلْكَ الْعبارَات
(فوامحنة الحسنا تعار إِلَى امرىء ضَرِير وعنين عَن الوجد خَالِيا)
فَمَا لَك والتلدد حول نجد أَيهَا الْمِسْكِين أما كَانَ لَك أُسْوَة بِمن تَأَول تِلْكَ المقالات من الْعلمَاء الهادين وناضل عَن مشكلات تِلْكَ
[ ٢٧ ]
الإشارات من الْأَئِمَّة الراسخين
(دع عَنْك تعنيفي وذق طعم الْهوى فَإِذا عشقت فَبعد ذَلِك عنف)
(وَكَيف ترى ليلى بِعَين ترى بهَا سواهَا وَمَا طهرتها بالمدامع)
(ويلتذ مِنْهَا بِالْحَدِيثِ وَقد جرى حَدِيث سواهَا فِي خروق المسامع)
وَأَقُول أَيهَا المخدوع
(مَا أَنْت أول سَار غره قمر ورائد أَعْجَبته خضرَة الدمن)
لَعَلَّك سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ شَيْئا فقلته وَلَو كنت كَمَا قيل
(وَإِنَّمَا رجل الدُّنْيَا وواحدها من لم يعول فِي الدُّنْيَا على رجل)
لم استربت فِي هَذَا الحَدِيث وَلَا نشبت بجسمك مخالب كل مخاتل خَبِيث وَقد آن أَن نبين لَك مَا أَنْت عَلَيْهِ من الإغترار ونعرفك بِبَعْض الْبَعْض من نهيق هَؤُلَاءِ الأشرار
(فَكُن رجلا رجله فِي الثرى وَهَامة همته فِي الثريا)
وَإِيَّاك أَن تكون كَمَا قَالَ من حقت عَلَيْهِ كلمة الضلال
(وَمَا أَنا إِلَّا من غزيَّة إِن غوت غويت وَإِن ترشد غزيَّة أرشد)
فَاعْلَم أَولا أَن أَصْحَابك الَّذين تجَادل عَنْهُم وتناضل مصرحون فِي كتبهمْ تَصْرِيحًا لَا يرتاب فِيهِ مبصر وَلَا كَامِل إِن من تَمام إِيمَان الْعلمَاء الحكم عَلَيْهِم بالْكفْر والزندقة والإفتاء بسفك دِمَائِهِمْ حَتَّى قَالَ قَائِلهمْ قَالَ بعض السَّادة القادة لَا يبلغ إِنْسَان دَرَجَة الْحَقِيقَة
[ ٢٨ ]
حَتَّى يشْهد عَلَيْهِ ألف صديق أَنه زنديق فَهَل يَلِيق بمثلك أَن تسترسل فِي غُبَار من طلب تَمام إيمَانه وَرَجا الْبلُوغ إِلَى دَرَجَة الصديقين بتكفير من يَجْعَل تَمام الْإِيمَان التَّصْرِيح بتكفيره فَمَا أولاك وأحقك بشكر من حكم على أَصْحَابك بالْكفْر والزندقة وَأفْتى بسفك دِمَائِهِمْ لِأَنَّهُ قد تمّ بذلكم إيمَانه وَصَارَ عِنْد مشائخك من الصديقين وَهَذَا أول غلط صدر مِنْك فِي المحاماة عَن أعراضهم وَهَا نَحن قد نبهناك عَلَيْهِ فَخذ بِهِ أَو دع