الشُّبْهَة الأولى زَعَمُوا أَنه ﷺ لم يول أَبَا بكر عملا يُقيم فِيهِ قوانين الشَّرْع والسياسة فَدلَّ ذَلِك على أَنه لَا يحسنهما وَإِذا لم يحسنهما لم تصح إِمَامَته لِأَن من شُرُوط الإِمَام أَن يكون شجاعا
وَالْجَوَاب عَن ذَلِك بطلَان مَا زعموه من أَنه ﷺ لم يوله عملا فَفِي البُخَارِيّ عَن سَلمَة بن الْأَكْوَع ﵁ غزوت مَعَ رَسُول الله ﷺ سبع غزوات وَخرجت فِيمَا يبْعَث من الْبعُوث تسع غزوات مرّة علينا أَبُو بكر وَمرَّة علينا أُسَامَة
وولاه ﷺ الْحَج بِالنَّاسِ سنة تسع
وَمَا زعموه من أَنه لَا يحسن ذَلِك بَاطِل أَيْضا كَيفَ وَعلي كرم الله وَجهه معترف بِأَنَّهُ أَشْجَع الصَّحَابَة فقد أخرج الْبَزَّار فِي مُسْنده عَن عَليّ أَنه قَالَ أخبروني من أَشْجَع النَّاس قَالُوا أَنْت قَالَ أما إِنِّي مَا بارزت أحدا إِلَّا انتصفت
[ ١ / ٧٦ ]
مِنْهُ وَلَكِن أخبروني بأشجع النَّاس قَالُوا لَا نعلم فَمن قَالَ أَبُو بكر إِنَّه لما كَانَ يَوْم بدر جعلنَا لرَسُول الله ﷺ عَرِيشًا فَقُلْنَا من يكون مَعَ رَسُول الله ﷺ لِئَلَّا يهوي إِلَيْهِ أحد من الْمُشْركين فوَاللَّه مَا دنا منا أحد إِلَّا أَبُو بكر شاهرا بِالسَّيْفِ على رَأس رَسُول الله ﷺ لَا يهوي إِلَيْهِ أحد إِلَّا أَهْوى إِلَيْهِ فَهَذَا أَشْجَع النَّاس قَالَ عَليّ وَلَقَد رَأَيْت رَسُول الله ﷺ وأخذته قُرَيْش فَهَذَا يجؤه وَهَذَا يتلتله وهم يَقُولُونَ أَنْت الَّذِي جعلت الْآلهَة إِلَهًا وَاحِدًا قَالَ فوَاللَّه مَا دنا منا أحد إِلَّا أَبُو بكر يضْرب هَذَا ويجؤ هَذَا ويتلتل هَذَا وَهُوَ يَقُول وَيْلكُمْ أَتقْتلونَ رجلا أَن يَقُول رَبِّي الله ثمَّ رفع عَليّ بردة كَانَت عَلَيْهِ فَبكى حَتَّى اخضلت لحيته ثمَّ قَالَ أمؤمن آل فِرْعَوْن خير أم أَبُو بكر فَسكت الْقَوْم فَقَالَ أَلا تُجِيبُونِي فوَاللَّه لساعة من أبي بكر خير من مثل مُؤمن آل فِرْعَوْن ذَلِك رجل يكتم إيمَانه وَهَذَا رجل أعلن إيمَانه
وَأخرج البُخَارِيّ عَن عُرْوَة بن الزبير سَأَلت عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ عَن أَشد مَا صنع الْمُشْركُونَ برَسُول الله ﷺ قَالَ رَأَيْت عقبَة بن أبي معيط جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي فَوضع رِدَاءَهُ فِي عُنُقه فخنقه خنقا شَدِيدا فجَاء أَبُو بكر حَتَّى دَفعه عَنهُ وَقَالَ أَتقْتلونَ رجلا أَن يَقُول رَبِّي الله وَقد جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ من ربكُم
وَأخرج ابْن عَسَاكِر عَن عَليّ ﵁ قَالَ لما اسْلَمْ أَبُو بكر أظهر إِسْلَامه ودعا إِلَى الله وَإِلَى رَسُوله
[ ١ / ٧٧ ]
وَأخرج ابْن عَسَاكِر عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ تباشرت الْمَلَائِكَة يَوْم بدر فَقَالُوا أما ترَوْنَ أَن أَبَا بكر الصّديق مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي الْعَريش
وَأخرج أَحْمد وَأَبُو يعلى وَالْحَاكِم عَن عَليّ قَالَ قَالَ لي رَسُول الله ﷺ يَوْم بدر وَلأبي بكر مَعَ أحد كَمَا جِبْرِيل وَمَعَ الآخر مِيكَائِيل
قَالَ بَعضهم وَمن الدَّلِيل على أَنه أَشْجَع من عَليّ أَن عليا أخبرهُ النَّبِي ﷺ بقتْله على يَد ابْن ملجم فَكَانَ إِذا لَقِي ابْن ملجم يَقُول لَهُ مَتى تخضب هَذِه من هَذِه وَكَانَ يَقُول إِنَّه قاتلي كَمَا يَأْتِي فِي أَوَاخِر تَرْجَمته فَحِينَئِذٍ كَانَ إِذا دخل الْحَرْب ولاقى الْخصم يعلم أَنه لَا قدرَة لَهُ على قَتله فَهُوَ مَعَه كَأَنَّهُ نَائِم على فرَاش وَأما أَبُو بكر فَلم يخبر بقاتله فَكَانَ إِذا دخل الْحَرْب لَا يدْرِي هَل يقتل أم لَا فَمن يدْخل الْحَرْب وَهُوَ لَا يدْرِي ذَلِك يقاسي من الْكر والفر والجزع والفزع مَا يقاسي بِخِلَاف من يدخلهَا كَأَنَّهُ نَائِم على فرَاشه
وَمن باهر شجاعته مَا وَقع لَهُ فِي قتال أهل الرِّدَّة فقد أخرج الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن عمر ﵁ لما قبض رَسُول الله ﷺ ارْتَدَّ من ارْتَدَّ من الْعَرَب وَقَالُوا لَا نصلي وَلَا نزكي فَأتيت أَبَا بكر فَقلت يَا خَليفَة رَسُول الله تألف النَّاس
[ ١ / ٧٨ ]
وارفق بهم فَإِنَّهُم بِمَنْزِلَة الْوَحْش فَقَالَ رَجَوْت نصرتك وجئتني بخذلانك جَبَّار فِي الْجَاهِلِيَّة خوار فِي الْإِسْلَام بِمَاذَا شِئْت أتألفهم بِشعر مفتعل أَو بِسحر مفترى هَيْهَات هَيْهَات مضى النَّبِي ﷺ وَانْقطع الْوَحْي وَالله لأجاهدنهم مَا استمسك السَّيْف فِي يَدي وَإِن مَنَعُونِي عقَالًا قَالَ عمر فَوَجَدته فِي ذَلِك أمضى مني وأحزم وأدب النَّاس على أُمُور هَانَتْ عَليّ كثيرا من مؤنتهم حِين وليتهم
فَعلم بِمَا تقرر عظم شجاعته وَلَقَد كَانَ عِنْده ﷺ وَكَذَلِكَ الصَّحَابَة من الْعلم بشجاعته وثباته فِي الْأَمر مَا أوجب لَهُم تَقْدِيمه للْإِمَامَة الْعُظْمَى إِذْ هَذَانِ الوصفان هما الأهمان فِي أَمر الْإِمَامَة لَا سِيمَا فِي ذَلِك الْوَقْت الْمُحْتَاج فِيهِ إِلَى قتال أهل الرِّدَّة وَغَيرهم
وَمن الدَّلِيل على اتصافه بهما أَيْضا قَوْله كَمَا فِي الصَّحِيح فِي صلح الْحُدَيْبِيَة لعروة بن مَسْعُود الثَّقَفِيّ حِين قَالَ للنَّبِي ﷺ كَأَنِّي بك وَقد فر عَنْك هَؤُلَاءِ امصص بظر اللات أَنَحْنُ نفر عَنهُ أَو ندعه استبعاد أَن يَقع ذَلِك
قَالَ الْعلمَاء وَهَذَا مُبَالغَة من أبي بكر ﵁ فِي سبّ عُرْوَة فَإِنَّهُ أَقَامَ معبود عُرْوَة وَهُوَ صنمه مقَام أمته وَحمله على ذَلِك مَا أغضبهُ بِهِ من نسبته إِلَى الْفِرَار والبظر بموحدة مَفْتُوحَة فمعجمة سَاكِنة قِطْعَة تبقى بفرج الْمَرْأَة بعد الْخِتَان وَاللات اسْم صنم وَالْعرب تطلق هَذَا اللَّفْظ فِي معرض الذَّم
فَانْظُر كَيفَ نطق لهَذَا الْكَافِر الشَّديد الْقُوَّة والمنعة حِينَئِذٍ بِهَذَا السب الَّذِي لَا سبّ فَوْقه عِنْد الْعَرَب وَلم يخْش شوكته مَعَ قوتها بِحَيْثُ صدوا النَّبِي ﷺ عَن
[ ١ / ٧٩ ]
دُخُول مَكَّة ذَلِك الْعَام وَوَقع الصُّلْح على أَن يدخلهَا من الْعَام الْقَابِل وَلم يَجْسُر أحد من الصَّحَابَة غير الصّديق على أَن يتفوه لعروة بِكَلِمَة مَعَ أَنه نسبهم أَجْمَعِينَ إِلَى الْفِرَار وَإِنَّمَا أَجَابَهُ الصّديق فَقَط فَدلَّ ذَلِك على أَنه أشجعهم كَمَا مر عَن عَليّ
وَمن شجاعته الْعُظْمَى قِتَاله لمانعي الزَّكَاة وعزمه عَلَيْهِ وَلَو لوحده كَمَا قَدمته مَبْسُوطا أول الْفَصْل الثَّالِث ومختصرا آنِفا فَرَاجعه
وَمن ذَلِك أَيْضا قِتَاله مُسَيْلمَة اللعين وَقَومه بني حنيفَة مَعَ أَن الله وَصفهم بِأَنَّهُم أولو باس شَدِيد بِنَاء على أَن الْآيَة نزلت فيهم كَمَا قَالَه جمع من الْمُفَسّرين مِنْهُم الزُّهْرِيّ والكلبي
وَمن ذَلِك أَيْضا ثباته عِنْد مصادمة المصائب المدهشة الَّتِي تذهل الْحَلِيم لعظمها كثباته حِين دهش النَّاس لمَوْت رَسُول الله ﷺ فَإِنَّهُم ذهلوا حَتَّى عمر وَهُوَ من هُوَ فِي الثَّبَات فَجزم بِأَنَّهُ ﷺ لم يمت وَقَالَ من زعم ذَلِك ضربت عُنُقه حَتَّى قدم أَبُو بكر من مَسْكَنه بالعوالي فَدخل على النَّبِي ﷺ وكشف عَن وَجهه فَعرف أَنه قد مَاتَ فأكب عَلَيْهِ يقبله ويبكي ثمَّ خرج إِلَيْهِم فاستسكت عمر عَن قَوْله مَا مر فَأبى لما هُوَ فِيهِ من الدهش فَتَركه وَتكلم
[ ١ / ٨٠ ]
فانحازوا إِلَيْهِ لعلمهم بعلو شَأْنه وتقدمه فخطبهم فَقَالَ أما بعد فَمن كَانَ يعبد مُحَمَّدًا فَإِن مُحَمَّدًا قد مَاتَ وَمن كَانَ يعبد الله فَإِن الله حَيّ لَا يَمُوت ثمَّ قَرَأَ وَمَا مُحَمَّد إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله الرُّسُل أَفَإِن مَاتَ أَو قتل انقلبتم على أعقابكم الْآيَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَغَيره فَحِينَئِذٍ صدقُوا بوفاته وكرروا هَذِه الْآيَة كَأَنَّهُمْ لم يسمعوها قبل لعَظيم مَا استولى عَلَيْهِم من الدهش وَمن ثمَّ كَانَ أَسد الصَّحَابَة رَأيا وأكملهم عقلا فقد أخرج تَمام وَابْن عَسَاكِر أَتَانِي جِبْرِيل فَقَالَ إِن الله يَأْمُرك أَن تستشير أَبَا بكر
وَالطَّبَرَانِيّ وَأَبُو نعيم وَغَيرهمَا أَنه ﷺ لما أَرَادَ أَن يسرح معَاذًا إِلَى الْيمن اسْتَشَارَ نَاسا من أَصْحَابه فيهم أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَأسيد بن حضير فَتكلم الْقَوْم كل إِنْسَان بِرَأْيهِ فَقَالَ (مَا ترى يَا معَاذ) فَقلت أرى مَا قَالَ أَبُو بكر فَقَالَ ﷺ (إِن الله يكره أَن يُخطئ أَبُو بكر)
[ ١ / ٨١ ]
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ بِسَنَد رِجَاله ثِقَات إِن الله يكره أَن يخطأ أَبُو بكر فَهَذَا دَلِيل أَي دَلِيل على أَنه أكملهم عقلا ورأيا وعَلى أَنه أعلمهم وَلَا مرية فِي ذَلِك
فَثَبت بِهَذِهِ الْأَدِلَّة عظم شجاعته وثباته وَكَمَال عقله ورأيه وَعلمه وَمن ثمَّ قَالَ الْعلمَاء إِنَّه صحب النَّبِي ﷺ من حِين أسلم إِلَى أَن توفّي لم يُفَارِقهُ سفرا وَلَا حضرا إِلَّا فِيمَا أذن لَهُ فِي الْخُرُوج فِيهِ من حج أَو غَزْو وَشهد مَعَه الْمشَاهد كلهَا وَهَاجَر مَعَه وَترك عِيَاله وَأَوْلَاده رَغْبَة فِي الله وَرَسُوله وَقَامَ بنصرته فِي غير مَوضِع وَله الْآثَار الحميدة فِي الْمشَاهد وَثَبت يَوْم أحد وَيَوْم حنين وَقد فر النَّاس فَكيف مَعَ ذَلِك كُله ينْسب إِلَيْهِ عدم شجاعة أَو عدم ثبات فِي الْأَمر كلا بل لَهُ فيهمَا الْغَايَة القصوى والْآثَار الحميدة الَّتِي لَا تستقصى فَرضِي الله تَعَالَى عَنهُ وكرم الله وَجهه
الشُّبْهَة الثَّانِيَة زَعَمُوا أَيْضا أَنه ﷺ لما ولاه قِرَاءَة بَرَاءَة على النَّاس بِمَكَّة عَزله وَولى عليا فَدلَّ ذَلِك على عدم أَهْلِيَّته
وجوابها بطلَان مَا زعموه هُنَا أَيْضا وَإِنَّمَا أتبعه عليا لقِرَاءَة بَرَاءَة لِأَن عَادَة الْعَرَب فِي أَخذ الْعَهْد ونبذه أَن يَتَوَلَّاهُ الرجل أَو أحد من بني عَمه وَلذَلِك لم يعْزل
[ ١ / ٨٢ ]
أَبَا بكر عَن إمرة الْحَج بل أبقاه أَمِيرا وعليا مَأْمُورا لَهُ فِيمَا عدا الْقِرَاءَة على أَن عليا لم ينْفَرد بِالْأَذَانِ بذلك فَفِي صَحِيح البُخَارِيّ أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ بَعَثَنِي أَبُو بكر فِي تِلْكَ الْحجَّة فِي مؤذنين بَعثهمْ يَوْم النَّحْر يُؤذنُونَ بمنى أَن لَا يحجّ بعد الْعَام مُشْرك وَلَا يطوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان قَالَ حميد بن عبد الرَّحْمَن ثمَّ أرْدف رَسُول الله ﷺ عَليّ بن أبي طَالب فَأمره أَن يُؤذن بِبَرَاءَة قَالَ أَبُو هُرَيْرَة فَأذن مَعنا عَليّ يَوْم النَّحْر فِي أهل منى بِبَرَاءَة أَن لَا يحجّ بعد الْعَام مُشْرك وَلَا يطوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان فَتَأَمّله تَجِد عليا إِنَّمَا أذن مَعَ مؤذني أبي بكر وَمِمَّا يُصَرح بِمَا ذَكرْنَاهُ أَن أَبَا بكر لما جَاءَ عَليّ لم يعْزل مؤذنيه فَعدم عَزله لَهُ وَجعله إيَّاهُم شُرَكَاء لعَلي صَرِيح فِي أَن عليا إِنَّمَا جَاءَ وَفَاء بعادة الْعَرَب الَّتِي قلناها لَا لعزل أبي بكر وَإِلَّا لم يسع أَبَا بكر أَن يبقي مؤذنيه يُؤذنُونَ مَعَ عَليّ فاتضح بذلك مَا قُلْنَاهُ وَأَنه لَا دلَالَة لَهُم فِي ذَلِك بِوَجْه من الْوُجُوه غير مَا يفترونه من الْكَذِب وينتحلونه من العناد وَالْجهل
الشُّبْهَة الثَّالِثَة زَعَمُوا أَن النَّبِي ﷺ لما ولاه الصَّلَاة أَيَّام مَرضه عَزله عَنْهَا
وجوابها أَن ذَلِك من قبائح كذبهمْ وافترائهم فقبحهم الله وخذلهم كَيفَ وَقد قدمنَا فِي سَابِع الْأَحَادِيث الدَّالَّة على خِلَافَته من الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة المتواترة مَا هُوَ صَرِيح فِي بَقَائِهِ إِمَامًا يُصَلِّي إِلَى أَن توفّي رَسُول الله ﷺ
وَفِي البُخَارِيّ عَن أنس قَالَ إِن الْمُسلمين بَيْنَمَا هم فِي صَلَاة الْفجْر من يَوْم الِاثْنَيْنِ وَأَبُو بكر يُصَلِّي بهم لم يفجأهم إِلَّا رَسُول الله ﷺ قد كشف ستر
[ ١ / ٨٣ ]
حجرَة عَائِشَة فَنظر إِلَيْهِم وهم فِي صُفُوف الصَّلَاة ثمَّ تَبَسم يضْحك فنكص أَبُو بكر على عَقِبَيْهِ ليصل الصَّفّ وَظن أَن رَسُول الله ﷺ يُرِيد أَن يخرج إِلَى الصَّلَاة قَالَ أنس وهم الْمُسلمُونَ أَن يفتتنوا فِي صلَاتهم فَرحا بِالنَّبِيِّ ﷺ فَأَشَارَ إِلَيْهِم ﷺ بِيَدِهِ أَن أَتموا صَلَاتكُمْ ثمَّ دخل الْحُجْرَة وأرخى السّتْر ثمَّ قبض وَقت الضُّحَى من ذَلِك الْيَوْم
فَتَأمل عَظِيم افترائهم وحمقهم على أَن صلَاته بِالنَّاسِ خلَافَة عَنهُ ﷺ مُتَّفق عَلَيْهَا وَمجمع منا وَمِنْهُم على وُقُوعهَا فَمن ادّعى انعزاله عَنْهَا فَعَلَيهِ الْبَيَان وَلَا بَيَان عِنْدهم وَإِنَّمَا الَّذِي انطووا عَلَيْهِ خبائث الافتراء والبهتان
وَعَن ابْن عَبَّاس وَغَيره لم يصل النَّبِي ﷺ خلف أحد من أمته إِلَّا خلف أبي بكر
وَأما عبد الرَّحْمَن بن عَوْف فصلى خَلفه رَكْعَة وَاحِدَة فِي سفر وَلم يقل أحد قطّ إِنَّه صلى خلف عَليّ فَهَذِهِ منقبة لأبي بكر أَي منقبة وخصوصية أَي خُصُوصِيَّة
الشُّبْهَة الرَّابِعَة زَعَمُوا أَنه أحرق من قَالَ أَنا مُسلم وَقطع يَد السَّارِق الْيُسْرَى وَتوقف فِي مِيرَاث الْجدّة حَتَّى رُوِيَ لَهُ أَن لَهَا السُّدس وَأَن ذَلِك قَادِح فِي خِلَافَته
[ ١ / ٨٤ ]
وجوابها بطلَان زعمهم قدح ذَلِك فِي خِلَافَته وَبَيَانه أَن ذَلِك لَا يقْدَح إِلَّا إِذا ثَبت أَنه لَيْسَ فِيهِ أَهْلِيَّة للِاجْتِهَاد وَلَيْسَ كَذَلِك بل هُوَ من أكَابِر الْمُجْتَهدين بل هُوَ أعلم الصَّحَابَة على الْإِطْلَاق للأدلة الْوَاضِحَة على ذَلِك
مِنْهَا مَا أخرجه البُخَارِيّ وَغَيره أَن عمر ﵁ فِي صلح الْحُدَيْبِيَة سَأَلَ رَسُول الله ﷺ عَن ذَلِك الصُّلْح قَالَ علام نعطي الدنية فِي ديننَا فَأَجَابَهُ النَّبِي ﷺ ثمَّ ذهب إِلَى أبي بكر فَسَأَلَهُ عَمَّا سَأَلَ عَنهُ رَسُول الله ﷺ من غير أَن يعلم بِجَوَاب النَّبِي ﷺ فَأَجَابَهُ بِمثل ذَلِك الْجَواب سَوَاء بِسَوَاء
وَمِنْهَا مَا أخرجه أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ وَأَبُو بكر الشَّافِعِي فِي فَوَائده وَابْن عَسَاكِر عَن عَائِشَة قَالَت لما توفّي رَسُول الله ﷺ أشرأب النِّفَاق أَي رفع رَأسه وارتدت الْعَرَب وانحازت الْأَنْصَار فَلَو نزل بالجبال الراسيات مَا نزل بِأبي لهاضها أَي فتتها فَمَا اخْتلفُوا فِي لَفْظَة إِلَّا طَار أبي بعبائها وفصلها قَالُوا أَيْن ندفن رَسُول الله ﷺ فَمَا وجدنَا عِنْد أحد فِي ذَلِك علما فَقَالَ أَبُو بكر سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (مَا من نَبِي يقبض إِلَّا دفن تَحت مضجعه الَّذِي مَاتَ فِيهِ) وَاخْتلفُوا فِي مِيرَاثه فَمَا وجدنَا عِنْد أحد فِي ذَلِك علما فَقَالَ أَبُو بكر سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (إِنَّا معشر الْأَنْبِيَاء لَا نورث مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة)
[ ١ / ٨٥ ]
قَالَ بَعضهم وَهَذَا أول اخْتِلَاف وَقع بَين الصَّحَابَة فَقَالَ بَعضهم فدفنه بِمَكَّة مولده ومنشئه وَبَعْضهمْ بمسجده وَبَعْضهمْ بِالبَقِيعِ وَبَعْضهمْ بِبَيْت الْمُقَدّس مدفن الْأَنْبِيَاء حَتَّى أخْبرهُم أَبُو بكر بِمَا عِنْده من الْعلم
قَالَ ابْن زَنْجوَيْه وَهَذِه سنة تفرد بهَا الصّديق من بَين الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَرَجَعُوا إِلَيْهِ فِيهَا وَمر آنِفا خبر أَتَانِي جِبْرِيل فَقَالَ إِن الله يَأْمُرك أَن تستشير أَبَا بكر وَخبر إِن الله يكره أَن يُخطئ أَبُو بكر // سَنَده صَحِيح // وَخبر لَا يَنْبَغِي لقوم فيهم أَبُو بكر أَن يؤمهم غَيره وَمر أول الْفَصْل الثَّالِث خبر أَنه وَعمر كَانَا يفتيان النَّاس فِي زمن النَّبِي ﷺ
وَعَن تَهْذِيب النَّوَوِيّ أَن أَصْحَابنَا استدلوا على عَظِيم علمه بقوله وَالله لأقاتلن من فرق بَين الصَّلَاة وَالزَّكَاة إِلَى آخِره وَأَن الشَّيْخ أَبَا إِسْحَاق اسْتدلَّ بِهِ على أَنه أعلم الصَّحَابَة بِأَنَّهُم كلهم وقفُوا عَن فهم الحكم فِي الْمَسْأَلَة إِلَّا هُوَ ثمَّ ظهر لَهُم بمباحثته لَهُم أَن قَوْله هُوَ الصَّوَاب فَرَجَعُوا إِلَيْهِ
وَلَا يُقَال بل عَليّ أعلم مِنْهُ للْخَبَر الْآتِي فِي فضائله أَنا مَدِينَة الْعلم وَعلي بَابهَا لأَنا نقُول سَيَأْتِي أَن ذَلِك الحَدِيث مطعون فِيهِ وعَلى تَسْلِيم صِحَّته أَو
[ ١ / ٨٦ ]
حسنه فَأَبُو بكر مِحْرَابهَا وَرِوَايَة فَمن أَرَادَ الْعم فليأت الْبَاب لَا تَقْتَضِي الأعلمية فقد يكون غير الأعلم يقْصد لما عِنْده من زِيَادَة الْإِيضَاح وَالْبَيَان والتفرغ للنَّاس بِخِلَاف الأعلم على أَن تِلْكَ الرِّوَايَة مُعَارضَة بِخَبَر الفردوس أَنا مَدِينَة الْعلم وابو بكر أساسها وَعمر حيطانها وَعُثْمَان سقفها وَعلي بَابهَا فَهَذِهِ صَرِيحَة فِي أَن أَبَا بكر أعلمهم وَحِينَئِذٍ فَالْأَمْر بِقصد الْبَاب إِنَّمَا هُوَ لنَحْو مَا قُلْنَاهُ لَا لزِيَادَة شرفه على مَا قبله لما هُوَ مَعْلُوم ضَرُورَة أَن كلا من الأساس والحيطان والسقف أَعلَى من الْبَاب وشذ بَعضهم فَأجَاب بِأَن معنى وَعلي بَابهَا أَي من الْعُلُوّ على حد قِرَاءَة ﴿هَذَا صِرَاط عَليّ مُسْتَقِيم﴾ بِرَفْع على وتنوينه كَمَا قَرَأَ بِهِ يَعْقُوب
وَأخرج ابْن سعد عَن مُحَمَّد بن سِيرِين وَهُوَ الْمُقدم فِي علم تَعْبِير الرُّؤْيَا بالِاتِّفَاقِ أَنه قَالَ كَانَ أَبُو بكر أعبر هَذِه الْأمة بعد النَّبِي ﷺ
وَأخرج الديلمي وَابْن عَسَاكِر أمرت أَن أولي الرُّؤْيَا أَبَا بكر وَمن ثمَّ كَانَ يعبر الرُّؤْيَا فِي زمن النَّبِي ﷺ وبحضرته فقد أخرج ابْن سعد عَن ابْن شهَاب قَالَ رأى رَسُول الله ﷺ رُؤْيا فَقَصَّهَا على أبي بكر فَقَالَ (رَأَيْت كَأَنِّي استبقت أَنا وَأَنت ودرجة فسبقتك بمرقاتين وَنصف) قَالَ يَا رَسُول الله يقبضك
[ ١ / ٨٧ ]
الله إِلَى مغْفرَة وَرَحْمَة وأعيش بعْدك سنتَيْن وَنصفا وَكَانَ كَمَا عبر فقد عَاشَ بعده سنتَيْن وَسَبْعَة اشهر أخرجه الْحَاكِم عَن ابْن عمر ﵄
وَأخرج سعيد بن مَنْصُور عَن عَمْرو بن شُرَحْبِيل قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (رَأَيْتنِي فِي غنم سود ثمَّ أردفتها غنم بيض حَتَّى مَا ترى السود فِيهَا) فَقَالَ أَبُو بكر يَا رَسُول الله أما الْغنم السود فَإِنَّهَا الْعَرَب يسلمُونَ ويكثرون وَالْغنم الْبيض الْأَعَاجِم يسلمُونَ على يَدي الْعَرَب حَتَّى لَا يرى الْعَرَب فيهم من كثرتهم فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (كَذَلِك عبرها الْملك سحيرا)
فَثَبت بِجَمِيعِ مَا قَرَّرْنَاهُ أَنه من أكَابِر الْمُجْتَهدين بل أكبرهم على الْإِطْلَاق وَإِذا ثَبت أَنه مُجْتَهد فَلَا عتب عَلَيْهِ فِي التحريق لِأَن ذَلِك الرجل كَانَ زنديقا وَفِي قبُول تَوْبَته خلاف وَأما النَّهْي عَن التحريق فَيحْتَمل أَنه لم يبلغهُ وَيحْتَمل أَنه بلغه وتأوله على غير نَحْو الزنديق وَكم من أَدِلَّة تبلغ الْمُجْتَهدين ويؤولونها لما قَامَ عِنْدهم لَا يُنكر ذَلِك إِلَّا جَاهِل بالشريعة وحامليها
وَأما قطعه يسَار السَّارِق فَيحْتَمل أَنه خطأ من الجلاد وَيحْتَمل أَنه لسرقة ثَالِثَة
[ ١ / ٨٨ ]
من أَيْن لَهُم أَنَّهَا السّرقَة الأولى وَأَنه قَالَ للجلاد اقْطَعْ يسَاره وعَلى التنزل فالآية شَامِلَة لما فعله فَيحْتَمل أَنه كَانَ يرى بقاءها على إِطْلَاقهَا وَإِن قطعه ﷺ الْيُمْنَى فِي الأولى لَيْسَ على الحتم بل الإِمَام مُخَيّر فِي ذَلِك وعَلى فرض إِجْمَاع فِي الْمَسْأَلَة فَيحْتَمل أَنهم أَجمعُوا على ذَلِك بعده بِنَاء على انْعِقَاد الْإِجْمَاع فِي مثل ذَلِك وَفِيه خلاف مَحَله كتب الْأُصُول وَقِرَاءَة أيمانهما يحْتَمل أَنَّهَا لم تبلغه فعلى كل تَقْدِير لَا يتَوَجَّه عَلَيْهِ فِي ذَلِك عتب وَلَا اعْتِرَاض بِوَجْه من الْوُجُوه
ثمَّ رَأَيْت ان الِاحْتِمَال الأول هُوَ الْحق الْوَاقِع فقد أخرج مَالك ﵁ عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد أَن رجلا من أهل الْيمن أقطع الْيَد وَالرجل قدم فَنزل على أبي بكر فَشَكا إِلَيْهِ أَن عَامل الْيمن ظلمه فَكَانَ يُصَلِّي من اللَّيْل فَيَقُول أَبُو بكر وَأَبِيك مَا ليلك بلَيْل سَارِق ثمَّ إِنَّهُم افتقدوا حليا لأسماء بنت عُمَيْس امْرَأَة أبي بكر فَجعل يطوف مَعَهم وَيَقُول اللَّهُمَّ عَلَيْك بِمن بَيت أهل هَذَا الْبَيْت الصَّالح فوجدوا الْحلِيّ عِنْد صائغ زعم أَن الأقطع جَاءَهُ بِهِ فاعترف الأقطع أَو شهد عَلَيْهِ وَأمر بِهِ أَبُو بكر فَقطعت يَده الْيُسْرَى وَقَالَ أَبُو بكر وَالله لدعاؤه على نَفسه أَشد عِنْدِي من سَرقته فاتضح الْأَمر وَبَطلَت شُبْهَة المعاندين
وَأما توقفه فِي مَسْأَلَة الْجدّة إِلَى أَن بلغه الْخَبَر فَيَنْبَغِي سِيَاق حَدِيثه فَإِن فِيهِ أبلغ رد على المعترضين
أخرج أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة وَمَالك عَن قبيصَة قَالَ جَاءَت الْجدّة إِلَى أبي بكر الصّديق تسأله مِيرَاثهَا قَالَ مَا لَك فِي كتاب الله وَمَا علمت لَك فِي سنة
[ ١ / ٨٩ ]
نَبِي الله ﷺ شَيْئا فارجعي حَتَّى أسأَل النَّاس فَسَأَلَ النَّاس فَقَالَ الْمُغيرَة بن شُعْبَة حضرت رَسُول الله ﷺ أَعْطَاهَا السُّدس فَقَالَ أَبُو بكر هَل مَعَك غَيْرك فَقَامَ مُحَمَّد بن مسلمة فَقَالَ مثل مَا قَالَ الْمُغيرَة فأنفذه لَهَا أَبُو بكر
فَتَأمل هَذَا السِّيَاق تَجدهُ قَاضِيا بالكمال الْأَسْنَى لأبي بكر فَإِنَّهُ نظر أَولا فِي الْقُرْآن وَفِي محفوظاته من السّنة فَلم يجد لَهَا شَيْئا ثمَّ اسْتَشَارَ الْمُسلمين ليستخرج مَا عِنْدهم من شَيْء حفظوه من السّنة فَأخْرج لَهُ الْمُغيرَة وَابْن مسلمة مَا حفظاه فَقضى بِهِ وَطَلَبه انضمام آخر إِلَى الْمُغيرَة احْتِيَاط فَقَط إِذْ الرِّوَايَة لَا يشْتَرط فِيهَا تعدد وَهَذَا يُؤَيّد مَا قدمْنَاهُ عَنهُ أَنه كَانَ إِذا جَاءَهُ الْخصم نظر فِي الْقُرْآن ثمَّ فِيمَا يحفظه من السّنة يشاور فِيهِ وَهَذَا هُوَ شَأْن الْمُجْتَهدين على أَنه غير بدع من الْمُجْتَهد أَن يبْحَث عَن مدارك الْأَحْكَام
وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد أَن جدتين أتتا أَبَا بكر تطلبان ميراثهما أم أم وَأم أَب فَأعْطى الْمِيرَاث أم الْأُم فَقَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن بن سهل الْأنْصَارِيّ البدري أَعْطَيْت الَّتِي لَو أَنَّهَا مَاتَت لم يَرِثهَا فَقَسمهُ بَينهمَا فَتَأمل رُجُوعه مَعَ كَمَاله إِلَى الْحق لما رَآهُ مَعَ أَصْغَر مِنْهُ
الشُّبْهَة الْخَامِسَة زَعَمُوا أَن عمر ذمه والمذموم من مثل عمر لَا يصلح للخلافة
وجوابها أَن هَذَا من كذبهمْ وافترائهم أَيْضا وَلم يَقع من عمر ذمّ لَهُ قطّ وَإِنَّمَا
[ ١ / ٩٠ ]
الْوَاقِع مِنْهُ فِي حَقه غَايَة الثَّنَاء عَلَيْهِ واعتقاد أَنه أكمل الصَّحَابَة علما ورأيا وشجاعة كَمَا يعلم مِمَّا قدمْنَاهُ عَنهُ فِي قصَّة الْمُبَايعَة وَغَيرهَا على أَن إِمَامَة عمر إِنَّمَا هِيَ بِعَهْد أبي بكر إِلَيْهِ فَلَو قدح فِيهِ لَكَانَ قادحا فِي نَفسه وإمامته
وَأما إِنْكَاره على أبي بكر كَونه لم يقتل خَالِد بن الْوَلِيد لقَتله مَالك بن نُوَيْرَة وَهُوَ مُسلم ولتزوجه امْرَأَته من ليلته وَدخل بهَا فَلَا يسْتَلْزم ذما لَهُ وَلَا إِلْحَاق نقص بِهِ لِأَن ذَلِك إِنَّمَا هُوَ من إِنْكَار بعض الْمُجْتَهدين على بعض فِي الْفُرُوع الاجتهادية وَهَذَا كَانَ شَأْن السّلف كَانُوا لَا يرَوْنَ فِيهِ نقصا وَإِنَّمَا يرونه غَايَة الْكَمَال على أَن الْحق عدم قتل خَالِد لِأَن مَالِكًا ارْتَدَّ ورد على قومه صَدَقَاتهمْ لما بلغه وَفَاة رَسُول الله ﷺ كَمَا فعل أهل الرِّدَّة وَقد اعْترف أَخُو مَالك لعمر بذلك وتزوجه امْرَأَته لَعَلَّه لانقضاء عدتهَا بِالْوَضْعِ عقب مَوته أَو يحْتَمل أَنَّهَا كَانَت محبوسة عِنْده بعد انْقِضَاء عدتهَا عَن الْأزْوَاج على عَادَة الْجَاهِلِيَّة وعَلى كل حَال فَخَالِد أتقى لله من أَن يظنّ بِهِ مثل هَذِه الرذالة الَّتِي لَا تصدر من أدنى الْمُؤمنِينَ فَكيف بِسيف الله المسلول على أعدائه فَالْحق مَا فعله أَبُو بكر لَا مَا اعْترض بِهِ عَلَيْهِ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَيُؤَيّد ذَلِك أَن عمر لما أفضت إِلَيْهِ الْخلَافَة لم يتَعَرَّض لخَالِد وَلم يعاتبه وَلَا تنقصه بِكَلِمَة فِي هَذَا الْأَمر قطّ فَعلم أَنه ظهر لَهُ حقية مَا فعله أَبُو بكر فَرجع عَن اعتراضه وَإِلَّا لم يتْركهُ عِنْد استقلاله بِالْأَمر لِأَنَّهُ كَانَ أتقى لله من أَن يداهن فِي دين الله أحدا
[ ١ / ٩١ ]
الشُّبْهَة السَّادِسَة زَعَمُوا أَن قَول عمر إِن بيعَة أبي بكر كَانَت فلتة لَكِن وقى الله شَرها فَمن عَاد إِلَى مثلهَا فَاقْتُلُوهُ قَادِح فِي حقيتها
وجوابها أَن هَذِه من غباوتهم وجهالتهم إِذْ لَا دلَالَة فِي ذَلِك لما زعموه لِأَن مَعْنَاهُ أَن الْإِقْدَام على مثل ذَلِك من غير مشورة الْغَيْر وَحُصُول الِاتِّفَاق مِنْهُ مَظَنَّة الْفِتْنَة فَلَا يقدمن أحد على ذَلِك على أَنِّي أقدمت عَلَيْهِ فَسلمت على خلاف الْعَادة ببركة صِحَة النِّيَّة وَخَوف الْفِتْنَة لَو حصل توان فِي هَذَا الْأَمر كَمَا مر مَبْسُوطا فِي فصل الْمُبَايعَة
الشُّبْهَة السَّابِعَة زَعَمُوا أَنه ظَالِم لفاطمة بِمَنْعه إِيَّاهَا من مخلف أَبِيهَا وَأَنه لَا دَلِيل لَهُ فِي الْخَبَر الَّذِي رَوَاهُ نَحن معاشر الْأَنْبِيَاء لَا نورث مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة لِأَن فِيهِ احتجاجا بِخَبَر الْوَاحِد مَعَ معارضته لآيَة الْمَوَارِيث وَفِيه مَا هُوَ مَشْهُور عِنْد الْأُصُولِيِّينَ
وَزَعَمُوا أَيْضا أَن فَاطِمَة معصومة بِنَصّ ﴿إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرا﴾ وَخبر فَاطِمَة بضعَة مني وَهُوَ مَعْصُوم
[ ١ / ٩٢ ]
فَتكون معصومة وَحِينَئِذٍ فَيلْزم صدق دَعْوَاهَا الْإِرْث
وجوابها أما عَن الأول فَهُوَ لم يحكم بِخَبَر الْوَاحِد الَّذِي هُوَ مَحل الْخلاف وَإِنَّمَا حكم بِمَا سَمعه من رَسُول الله ﷺ وَهُوَ عِنْده قَطْعِيّ فساوى آيَة الْمَوَارِيث فِي قطيعة الْمَتْن وَأما حمله على مَا فهمه مِنْهُ فلانتقاء الِاحْتِمَالَات الَّتِي يُمكن تطرقها إِلَيْهِ عَنهُ بِقَرِينَة الْحَال فَصَارَ عِنْده دَلِيلا قَطْعِيا مُخَصّصا لعُمُوم تِلْكَ الْآيَات
وَأما عَن الثَّانِي فَمن أهل الْبَيْت أَزوَاجه على مَا يَأْتِي فِي فَضَائِل أهل الْبَيْت ولسن بمعصومات اتِّفَاقًا فَكَذَلِك بَقِيَّة أهل الْبَيْت
وَأما بضعَة مني فمجاز قطعا فَلم يسْتَلْزم عصمتها وَأَيْضًا فَلَا يلْزم مُسَاوَاة الْبَعْض للجملة فِي جَمِيع الْأَحْكَام بل الظَّاهِر أَن المُرَاد أَنَّهَا كبضعة مني فِيمَا يرجع للخير والشفقة
ودعواها أَنه ﷺ نحلهَا فدك لم تأت عَلَيْهَا بِبَيِّنَة إِلَّا بعلي وَأم أَيمن فَلم يكمل نِصَاب الْبَيِّنَة على أَن فِي قبُول شَهَادَة الزَّوْج لزوجته خلافًا بَين الْعلمَاء وَعدم حكمه بِشَاهِد وَيَمِين وَإِمَّا لعِلَّة كَونه مِمَّن لَا يرَاهُ ككثيرين من الْعلمَاء أَو أَنَّهَا لم تطلب الْحلف مَعَ من شهد لَهَا
وزعمهم أَن الْحسن وَالْحُسَيْن وَأم كُلْثُوم شهدُوا لَهَا بَاطِل على أَن شَهَادَة الْفَرْع وَالصَّغِير غير مَقْبُولَة وَسَيَأْتِي عَن الإِمَام زيد بن عَليّ بن الْحُسَيْن ﵃ أَنه صوب مَا فعله أَبُو بكر وَقَالَ لَو كنت مَكَانَهُ لحكمت بِمثل مَا حكم بِهِ وَفِي رِوَايَة تَأتي فِي الْبَاب الثَّانِي أَن أَبَا بكر كَانَ رحِيما وَكَانَ يكره أَن يُغير
[ ١ / ٩٣ ]
شَيْئا تَركه رَسُول الله ﷺ فَأَتَتْهُ فَاطِمَة فَقَالَت إِن رَسُول الله ﷺ أَعْطَانِي فدكا فَقَالَ هَل لَك بَيِّنَة فَشهد لَهَا عَليّ وَأم أَيمن فَقَالَ لَهَا فبرجل وَامْرَأَة تستحقيها ثمَّ قَالَ زيد وَالله لَو رفع الْأَمر فِيهَا إِلَيّ لقضيت بِقَضَاء أبي بكر ﵁
وَعَن أَخِيه الباقر أَنه قيل لَهُ أظلمكم الشَّيْخَانِ من حقكم شَيْئا فَقَالَ لَا ومنزل الْفرْقَان على عَبده ليَكُون للْعَالمين نذيرا مَا ظلمانا من حَقنا مَا يزن حَبَّة خردلة
واخرج الدَّارَقُطْنِيّ أَنه سُئِلَ مَا كَانَ يعْمل عَليّ فِي سهم ذَوي الْقُرْبَى قَالَ عمل فِيهِ بِمَا عمل بِهِ أَبُو بكر وَعمر وَكَانَ يكره أَن يخالفهما
وَأما عذر فَاطِمَة فِي طلبَهَا مَعَ رِوَايَته لَهَا الحَدِيث فَيحْتَمل أَنه لكَونهَا رَأَتْ أَن خبر الْوَاحِد لَا يخصص الْقُرْآن كَمَا قيل بِهِ فاتضح عذره فِي الْمَنْع وعذرها فِي الطّلب فَلَا يشكل عَلَيْك ذَلِك وتأمله فَإِنَّهُ مُهِمّ
ويوضح مَا قَرَّرْنَاهُ فِي هَذَا الْمحل حَدِيث البُخَارِيّ فَإِنَّهُ مُشْتَمل على نفائس تزيل مَا فِي نفوس القاصرين من شبه وَهُوَ عَن الزُّهْرِيّ قَالَ أَخْبرنِي مَالك بن
[ ١ / ٩٤ ]
أَوْس بن الْحدثَان النضري أَن عمر بن الْخطاب دَعَاهُ إِذْ جَاءَهُ حَاجِبه يرفأ فَقَالَ هَل لَك فِي عُثْمَان وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَالزُّبَيْر وَسعد يستأذنون قَالَ نعم فأدخلهم فَلبث قَلِيلا ثمَّ جَاءَ فَقَالَ هَل لَك فِي عَبَّاس وَعلي يستأذنان قَالَ نعم فَلَمَّا دخلا قَالَ عَبَّاس يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ اقْضِ بيني وَبَين هَذَا وهما يختصمان فِي الَّذِي أَفَاء الله على رَسُوله من بني النَّضِير فاستب عَليّ وعباس فَقَالَ الرَّهْط يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ اقْضِ بَينهمَا وأرح أَحدهمَا من الآخر فَقَالَ عمر اتئدوا أنْشدكُمْ بِاللَّه الَّذِي بِإِذْنِهِ تقوم السَّمَاء وَالْأَرْض هَل تعلمُونَ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (لَا نورث مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة) يُرِيد بذلك نَفسه قَالُوا قد قَالَ ذَلِك فَأقبل عمر على عَليّ وعباس فَقَالَ أنشدكما بِاللَّه هَل تعلمان أَن رَسُول الله ﷺ قد قَالَ ذَلِك قَالَا نعم قَالَ فَإِنِّي أحدثكُم عَن هَذَا الْأَمر إِن الله كَانَ خص رَسُوله ﷺ فِي هَذَا الْفَيْء بِشَيْء لم يُعْطه أحدا غَيره فَقَالَ وَمَا أَفَاء الله على رَسُوله مِنْهُم فَمَا أَوجَفْتُمْ عَلَيْهِ من خيل وَلَا ركاب إِلَى قَوْله ﴿قدير﴾ فَكَانَت هَذِه خَالِصَة لرَسُول الله ﷺ ثمَّ وَالله مَا اخْتَارَهَا دونكم وَلَا اسْتَأْثر بهَا عَلَيْكُم لقد أعطاكموها وَقسمهَا فِيكُم حَتَّى بَقِي هَذَا المَال مِنْهَا فَكَانَ رَسُول الله ﷺ ينْفق على أَهله نَفَقَة سنتهمْ من هَذَا المَال ثمَّ يَأْخُذ مَا بَقِي فَيَجْعَلهُ مجعل مَال الله فَعمل بذلك رَسُول الله ﷺ حَيَاته ثمَّ توفّي النَّبِي ﷺ فَقَالَ أَبُو بكر
[ ١ / ٩٥ ]
﵁ فَأَنا ولي رَسُول الله ﷺ فَقَبضهُ أَبُو بكر فَعمل فِيهِ بِمَا عمل فِيهِ رَسُول الله ﷺ وَأَنْتُم حِينَئِذٍ حاضرون وَأَقْبل على عَليّ وَالْعَبَّاس وَقَالَ تذكران أَن ابا بكر كَانَ فِيهِ كَمَا تقولان وَالله يعلم إِنَّه فِيهِ لصَادِق بار رَاشد تَابع للحق ثمَّ توفى الله أَبَا بكر فَقلت أَنا ولي رَسُول الله ﷺ وَأبي بكر فقبضته سنتَيْن من إمارتي أعمل فِيهِ بِمَا عمل فِيهِ رَسُول الله ﷺ وَأَبُو بكر وَالله يعلم إِنِّي فِي لصَادِق بار رَاشد تَابع للحق ثمَّ جئتماني كلاكما وكلمتكما وَاحِدَة وأمركما جَمِيع فجئتني يَعْنِي عباسا فَقلت لَكمَا إِن رَسُول الله ﷺ قَالَ (لَا نورث مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة) فَلَمَّا بدا لي أَن أدفعه إلَيْكُمَا قلت إِن شئتما دَفعته إلَيْكُمَا على أَن عَلَيْكُمَا عهد الله وميثاقه لتعملان فِيهِ بِمَا عمل فِيهِ رَسُول الله ﷺ وَأَبُو بكر وَمَا عملت فِيهِ مُنْذُ وليت وَإِلَّا فَلَا تكلماني فقلتما ادفعه إِلَيْنَا بذلك فَدَفَعته إلَيْكُمَا أفتلتمسان مني قَضَاء غير ذَلِك فوَاللَّه الَّذِي بِإِذْنِهِ تقوم السَّمَاء وَالْأَرْض لَا أَقْْضِي فِيهِ بِقَضَاء غير ذَلِك حَتَّى تقوم السَّاعَة فَإِن عجزتما عَنهُ فادفعاه إِلَيّ فَأَنا أكفيكماه قَالَ فَحدثت هَذَا الحَدِيث عُرْوَة بن الزبير فَقَالَ صدق مَالك ابْن أَوْس أَنا سَمِعت عَائِشَة زوج النَّبِي ﷺ تَقول أرسل أَزوَاج النَّبِي ﷺ عُثْمَان إِلَى أبي بكر يسألنه ثمنهن مِمَّا أَفَاء الله على رَسُوله ﷺ فَكنت أَنا أردهن فَقلت لَهُنَّ أَلا تتقين الله ألم تعلمن أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يَقُول (لَا نورث مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة) يُرِيد بذلك نَفسه إِنَّمَا يَأْكُل آل مُحَمَّد فِي هَذَا المَال فَانْتهى أَزوَاج النَّبِي ﷺ إِلَى مَا أخبرتهن قَالَ فَكَانَت هَذِه الصَّدَقَة بيد عَليّ منعهَا عَليّ
[ ١ / ٩٦ ]
عباسا فغلبه عَلَيْهَا ثمَّ كَانَت بيد الْحسن بن عَليّ ﵄ ثمَّ بيد الْحُسَيْن بن عَليّ ثمَّ بيد عَليّ بن الْحُسَيْن وَحسن بن حسن كِلَاهُمَا كَانَا يتداولانها ثمَّ بيد زيد بن حسن ﵃ وَهِي صَدَقَة رَسُول الله ﷺ حَقًا
ثمَّ ذكر البُخَارِيّ بِسَنَدِهِ أَن فَاطِمَة وَالْعَبَّاس أَتَيَا أَبَا بكر يلتمسان ميراثهما أرضه من فدك وسهمه من خَيْبَر فَقَالَ أَبُو بكر سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (لَا نورث مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة إِنَّمَا يَأْكُل آل مُحَمَّد فِي هَذَا المَال) وَالله لقرابة رَسُول الله ﷺ أحب إِلَيّ أَن أصل من قَرَابَتي
فَتَأمل مَا فِي حَدِيث عَائِشَة وَالَّذِي قبله تعلم حقية مَا عَلَيْهِ أَبُو بكر ﵁ وَذَلِكَ أَن استباب عَليّ وَالْعَبَّاس صَرِيح فِي أَنَّهُمَا متفقان على أَنه غير إِرْث وَإِلَّا لَكَانَ للْعَبَّاس سَهْمه ولعلي سهم زَوجته وَلم يكن للخصام بَينهمَا وَجه فخصامهما إِنَّمَا هُوَ لكَونه صَدَقَة وكل مِنْهُمَا يُرِيد أَن يتولاها فَأصْلح بَينهمَا عمر ﵁ وأعطه لَهما بعد أَن بَين لَهما وللحاضرين السَّابِقين وهم من أكَابِر الْعشْرَة المبشرين بِالْجنَّةِ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (لَا نورث مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة) وَكلهمْ حَتَّى عَليّ وَالْعَبَّاس أخبر بِأَنَّهُ يعلم أَن النَّبِي ﷺ قَالَ ذَلِك فَحِينَئِذٍ اثْبتْ عمر أَنه غير إِرْث ثمَّ دَفعه إِلَيْهِمَا ليعملا فِيهِ بِسنة رَسُول الله ﷺ وبسنة أبي بكر فَأَخَذَاهُ على ذَلِك وَبَين لَهما أَن مَا فعله أَبُو بكر فِيهِ كَانَ فِيهِ صدقا بارا راشدا تَابعا للحق فصدقاه على ذَلِك
[ ١ / ٩٧ ]
فَهَل بَقِي لمعاند بعد ذَلِك من شُبْهَة فَإِن زعم بَقَاء شُبْهَة قُلْنَا يلزمك أَن تغلب عليا على الْجَمِيع وَأَخذه من الْعَبَّاس ظلم لِأَنَّهُ يلْزم على قَوْلكُم بِالْإِرْثِ أَن لعباس فِيهِ حِصَّة فَكيف مَعَ ذَلِك سَاغَ لعَلي أَن يتغلب على الْجَمِيع وَيَأْخُذهُ من الْعَبَّاس ثمَّ كَانَ فِي يَد بنيه وبنيهم من بعده وَلم يكن مِنْهُ شَيْء فِي يَد بني الْعَبَّاس فَهَل هَذَا من عَليّ وَذريته إِلَّا صَرِيح الِاعْتِرَاف بِأَنَّهُ صَدَقَة وَلَيْسَ بِإِرْث وَإِلَّا لزم عَلَيْهِ عصيان عَليّ وبنيه وظلمهم وفسقهم وحاشاهم الله من ذَلِك بل هم معصومون عِنْد الرافضة وَنَحْوهم فَلَا يتَصَوَّر لَهُم ذَنْب فَإِذا استبدوا بذلك جَمِيعه دون الْعَبَّاس وبنيه علمنَا بِأَنَّهُم قَائِلُونَ بِأَنَّهُ صَدَقَة وَلَيْسَ بِإِرْث وَهَذَا عين مدعانا وَتَأمل أَيْضا أَن أَبَا بكر ﵁ منع أَزوَاج النَّبِي ﷺ من ثمنهن أَيْضا فَلم يخص الْمَنْع بفاطمة وَالْعَبَّاس وَلَو كَانَ مَدَاره على مُحَابَاة لَكَانَ أولى من يحابيه وَلَده فَلَمَّا لم يحاب عَائِشَة وَلم يُعْطهَا شَيْئا علمنَا أَنه على الْحق المر الَّذِي لَا يخْشَى فِيهِ لومة لائم
وَتَأمل أَيْضا تَقْرِير عمر ﵁ للحاضرين ولعلي وَالْعَبَّاس ﵄ بِحَدِيث لَا نورث وَتَقْرِير عَائِشَة لأمهات الْمُؤمنِينَ بِهِ أَيْضا وَقَول كل مِنْهُمَا ألم تعلمُوا يظْهر لَك من ذَلِك أَن أَبَا بكر لم ينْفَرد بِرِوَايَة هَذَا الحَدِيث وَأَن أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ وعليا وَالْعَبَّاس وَعُثْمَان وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَالزُّبَيْر وسعدا كلهم كَانُوا يعلمُونَ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ ذَلِك وَأَن أَبَا بكر إِنَّمَا انْفَرد باستحضاره أَولا ثمَّ استحضره الْبَاقُونَ وَعَلمُوا أَنهم سَمِعُوهُ مِنْهُ ﷺ فالصحابة رضوَان الله عَلَيْهِم لم يعملوا بِرِوَايَة أبي بكر وَحدهَا وَإِن كَانَت كَافِيَة أَي كِفَايَة فِي ذَلِك وَإِنَّمَا عمِلُوا
[ ١ / ٩٨ ]
بهَا وَبِمَا انْضَمَّ إِلَيْهَا من علم أفاضلهم الَّذين ذَكَرْنَاهُمْ بهَا أَيْضا فَبَان بذلك اتضاح مَا فعله أَبُو بكر ﵁ وَأَنه لَا شُبْهَة فِيهِ بِوَجْه من الْوُجُوه وَأَنه الْحق الصدْق الَّذِي لَا يشوبه أدنى شَائِبَة تعصب وَلَا حمية وَأَن من خَالف فِي ذَلِك فَهُوَ كَاذِب جَاهِل أَحمَق معاند لَا يعبأ الله بِهِ وَلَا بقوله وَلَا يُبَالِي بِهِ فِي أَي وَاد هلك نسْأَل الله السَّلامَة فِي الْعقل وَالدّين
وَلَا يُقَال أقرّ أَبُو بكر أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ فِي حجرهن وَكَانَ يتَعَيَّن صرفهَا للْفُقَرَاء كَمَا فعل فِي فدك وَكَيف استجاز هُوَ وَعمر أَن يدفنا مَعَه ﷺ مَعَ قَوْله تَعَالَى ﴿لَا تدْخلُوا بيُوت النَّبِي إِلَّا أَن يُؤذن لكم﴾ وَلم دفع لعَلي بغلة رَسُول الله ﷺ وسيفه وَهُوَ لَا تحل لَهُ الصَّدَقَة وَلم كَانَ أَبُو بكر وَعمر يعطيان عَائِشَة فِي كل سنة عشرَة آلَاف دِرْهَم وَهل هَذِه إِلَّا مُحَابَاة إِذْ هُوَ فَاضل عَن نَفَقَتهَا الْمرتبَة فِي تَرِكَة رَسُول الله ﷺ من فدك وَغَيرهَا لأَنا نقُول
الْجَواب عَن الأول أَن الْحجر ملكهن واختصاصهن بِدَلِيل وَقرن فِي بيوتكن إِذْ يحْتَمل أَنه ﷺ قسمهَا بَينهُنَّ فِي حَيَاته فَلم يجز إخراجهن مِنْهَا كَمَا لم تخرج فَاطِمَة من حُجْرَتهَا أَو أَنه رأى الصّلاح فِي إِقْرَارهَا بأيديهن كيد فَاطِمَة على حُجْرَتهَا ولأنهن فِي حكم المعتدات لبَقَاء تحريمهن وَلِهَذَا قَالَ ﷺ (مَا تركت بعد نَفَقَة نسَائِي وَمؤنَة عيالي فَهُوَ صَدَقَة) فاستثناء نفقتهن
[ ١ / ٩٩ ]
صَرِيح فِيمَا قُلْنَاهُ
وَعَن الثَّانِي أَنه بَان أَن حجرَة عَائِشَة ملكهَا أَو اختصاصها وَلم يدفنا إِلَّا بِإِذْنِهَا وَلِهَذَا استأذنها عمر فِي ذَلِك ثمَّ أوصى أَن تستأذن بعد مَوته خوفًا أَنَّهَا لم تَأذن أَولا إِلَّا حَيَاء مِنْهُ
وَأَيْضًا فَالرَّأْي فِي الْحجر كَمَا كَانَ لَهُ ﷺ فِي حَيَاته يكون لخليفته بعده فَيحْتَمل أَنَّهُمَا أَرَادَا ذَلِك لمصْلحَة رأياها كدفن ظَالِم ثمَّ أَو أَنه أذن لَهما فِي ذَلِك فِي حَيَاته أَو أَشَارَ إِلَيْهِ كَمَا فِي قصَّة بِئْر اريس وَوضع أَحْجَار مَسْجِد قبَاء وَغَيرهمَا وَقد أَشَارَ إِلَيْهِ بكونهما كَانَا أقرب النَّاس مَكَانا لَهُ وَأكْثر مُلَازمَة وَمن ثمَّ قَالَ عَليّ لما دخل على عمر حِين وضع على سَرِيره ﵄ يَرْحَمك الله إِن كنت لأرجو أَن يجعلك الله مَعَ صاحبيك لِأَنِّي كثيرا مَا كنت اسْمَع رَسُول الله ﷺ يَقُول (كنت أَنا وَأَبا بكر وَعمر وَفعلت أَنا وَأَبا بكر وَعمر وانطلقنا أَنا وَأَبُو بكر وَعمر وَإِنِّي كنت لأرجو الله أَن يجعلك مَعَهُمَا وَقد أوصى الْحسن ﵁ أَن يدْفن مَعَهم فَمَنعه من ذَلِك مَرْوَان وَغَيره فَمَا أجابوا بِهِ عَنهُ كَانَ جَوَابنَا
وَعَن الثَّالِث أَنه لم يدْفع ذَلِك لعَلي مِيرَاثا وَلَا صَدَقَة لما مر بل بطرِيق الْوَصِيَّة مِنْهُ ﷺ إِلَيْهِ على مَا ورد وعَلى فرض عدم الْوَصِيَّة فَيحْتَمل أَنه دفعهما إِلَيْهِ عَارِية أَو نَحْوهَا ليستعين بهما فِي الْجِهَاد ولتميزه عَن غَيره بالشجاعة الْعُظْمَى
[ ١ / ١٠٠ ]
أوثر بذلك وَيحْتَمل أَن غَيره اشْترى ذَلِك وَدفعه إِلَيْهِ وَالصَّدََقَة لَا تحرم عَلَيْهِ نفلها
وَأما الْبردَة الَّتِي كَانَت بيد الْخُلَفَاء فَلَيْسَتْ من مخلفه ﷺ وَإِنَّمَا هِيَ الَّتِي كساها كَعْب بن زُهَيْر لما أنْشدهُ بَانَتْ سعاد فاشتراها مُعَاوِيَة مِنْهُ وَاسْتمرّ الْخُلَفَاء يتوارثونها
وَعَن الرَّابِع أَن بر أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ وَاجِب على كل أحد وَالْإِمَام أولى بذلك على أَنه إِنَّمَا يتَوَجَّه أَن لَو خصا عَائِشَة وَحَفْصَة بذلك وَلَيْسَ كَذَلِك بل أعطياه لكل مِنْهُنَّ على أَن عليا كَانَ يَفْعَله فَإِن توجه إِلَيْهِمَا بِهِ عتب توجه إِلَيْهِ كعثمان بل استزادت عَائِشَة عليا فَمنعهَا بقوله لَا أزيدها على مَا كَانَ يدْفع إِلَيْهَا عمر
وأدل دَلِيل وأقواه على أَن عليا لم يكن مُعْتَقدًا أَن رَسُول الله ﷺ يُورث وَأَن الشَّيْخَانِ ظلما أَنه لما ولي وَصَارَ مخلف رَسُول الله ﷺ بِيَدِهِ لم يُغير شَيْئا مِمَّا فعلاه وَلم يقسم لبني الْعَبَّاس وَلَا لأمهات الْمُؤمنِينَ مِنْهَا وَلَا لأولاده من فَاطِمَة نصِيبهم مِنْهَا مِمَّا ورثته فَدلَّ ذَلِك دلَالَة قَطْعِيَّة على أَن اعْتِقَاده مُوَافق لاعتقادهما كَبَقِيَّة الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ
تَنْبِيه لَا يُعَارض قَوْله ﷺ (نَحن معاشر الْأَنْبِيَاء لَا نورث) قَوْله تَعَالَى ﴿وَورث سُلَيْمَان دَاوُد﴾ لِأَن المُرَاد لَيْسَ وراثة المَال بل النُّبُوَّة وَالْملك وَنَحْوهمَا بِدَلِيل اخْتِصَاص سُلَيْمَان بِالْإِرْثِ مَعَ أَن لَهُ تِسْعَة عشر أَخا فَلَو كَانَ المُرَاد المَال لم يخْتَص بِهِ سُلَيْمَان وَسِيَاق علمنَا منطق الطير وأوتينا من كل شَيْء قَاض بِمَا ذَكرْنَاهُ
[ ١ / ١٠١ ]
ووراثة الْعلم قد وَقعت فِي آيَات مِنْهَا ﴿ثمَّ أَوْرَثنَا الْكتاب﴾ ﴿فخلف من بعدهمْ خلف ورثوا الْكتاب﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿فَهَب لي من لَدُنْك وليا يَرِثنِي﴾ لِأَن المُرَاد ذَلِك فِيهَا أَيْضا بِدَلِيل وَإِنِّي خفت الموَالِي من ورائي أَي أَن يضيعوا الْعلم وَالدّين وبدليل ﴿من آل يَعْقُوب﴾ وهم أَوْلَاده الْأَنْبِيَاء على أَن زَكَرِيَّا لم يحك أحد أَنه كَانَ لَهُ مَال حَتَّى يطْلب ولدا يَرِثهُ وَلَو سلم فمقام النَّبِي ﷺ يَأْبَى طلب ذَلِك إِذْ الْقَصْد بِالْوَلَدِ إحْيَاء ذكر الْأَب وَالدُّعَاء لَهُ وتكثير سَواد الْأمة فَمن طلبه لغير ذَلِك كَانَ ملوما سِيمَا إِن قصد بِهِ حرمَان عصبته من إِرْثه لَو لم يُوجد لَهُ ولد
الشُّبْهَة الثَّامِنَة زَعَمُوا أَن النَّبِي ﷺ نَص على الْخلَافَة لعَلي إِجْمَالا قَالُوا لأَنا نعلم قطعا وجود نَص جلي وَإِن لم يبلغنَا لِأَن عَادَته ﷺ فِي حَيَاته قاضية بالاستخلاف على الْمَدِينَة عِنْد غيبته عَنْهَا حَتَّى لَا يتركهم فوضى أَي متساوين لَا رَئِيس لَهُم فَإِذا لم يخل بذلك فِي حَيَاته فَبعد وَفَاته أولى
وجوابها مر مَبْسُوطا فِي الْفَصْل الرَّابِع بأدلته وَمِنْه إِنَّمَا ترك ذَلِك لعلمه بِأَن الصَّحَابَة يقومُونَ بِهِ ويبادرون إِلَيْهِ لعصمتهم عَن الْخَطَأ اللَّازِم لتركهم لهومن ثمَّ لم ينص على كثير من الْأَحْكَام بل وَكلهَا إِلَى آراء مجتهديهم
[ ١ / ١٠٢ ]
على أَنا نقُول انْتِفَاء النَّص الْجَلِيّ مَعْلُوم قطعا وَإِلَّا لم يُمكن ستره عَادَة إِذْ هُوَ مِمَّا تتوفر الدَّوَاعِي على نَقله وَأَيْضًا لَو وجد نَص لعَلي لمنع بِهِ غَيره كَمَا منع أَبُو بكر مَعَ أَنه أَضْعَف من عَليّ عِنْدهم الْأَنْصَار بِخَبَر الْأَئِمَّة من قُرَيْش فأطاعوه مَعَ كَونه خبر وَاحِد وَتركُوا الْإِمَامَة وادعاءها لأَجله فَكيف حِينَئِذٍ يتَصَوَّر وجود نَص جلي بتعين عَليّ وَهُوَ بَين قوم لَا يعصون خبر الْوَاحِد فِي أَمر الْإِمَامَة وهم من الصلابة فِي الدّين بِالْمحل الْأَعْلَى بِشَهَادَة بذلهم الْأَنْفس وَالْأَمْوَال ومهاجرتهم الْأَهْل والوطن وقتلهم الْأَوْلَاد والآباء فِي نصْرَة الدّين ثمَّ لَا يحْتَج عَليّ عَلَيْهِم بذلك النَّص الْجَلِيّ بل وَلَا قَالَ أحد مِنْهُم عِنْد طول النزاع فِي أَمر الْإِمَامَة مَا لكم تتنازعون فِيهَا وَالنَّص الْجَلِيّ قد عين فلَانا لَهَا فَإِن زعم زاعم أَن عليا قَالَ لَهُم ذَلِك فَلم يطيعوه كَانَ جَاهِلا ضَالًّا مفتريا مُنْكرا للضروريات فَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ وَأما الْخَبَر الْآتِي فِي فَضَائِل عَليّ أَنه قَامَ فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ أنْشد الله من شهد يَوْم غَدِير خم إِلَّا قَامَ وَلَا يقوم رجل يَقُول نبئت أَو بَلغنِي إِلَّا رجل سَمِعت أذنَاهُ ووعاه قلبه فَقَامَ سَبْعَة عشر صحابيا وَفِي رِوَايَة ثَلَاثُونَ فَقَالَ هاتوا مَا سَمِعْتُمْ فَذكرُوا الحَدِيث الْآتِي وَمن جملَته من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ فَقَالَ صَدقْتُمْ وَأَنا على ذَلِك من الشَّاهِدين فَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك عَليّ بعد أَن آلت إِلَيْهِ الْخلَافَة لقَوْل أبي الطُّفَيْل رَاوِيه كَمَا ثَبت عِنْد أَحْمد وَالْبَزَّار جمع عَليّ النَّاس بالرحبة يَعْنِي بالعراق ثمَّ قَالَ لَهُم أنْشد الله من شهد يَوْم
[ ١ / ١٠٣ ]
غَدِير خم إِلَى آخر مَا مر فَأَرَادَ بِهِ حثهم على التَّمَسُّك بِهِ والنصرة لَهُ حِينَئِذٍ
الشُّبْهَة التَّاسِعَة زَعَمُوا وجود نَص على الْخلَافَة لعَلي تَفْصِيلًا وَهُوَ قَوْله تَعَالَى وأولو الْأَرْحَام بَعضهم أولى بِبَعْض وَهِي تعم الْخلَافَة وَعلي من أولي الْأَرْحَام دون أبي بكر
وجوابها منع عُمُوم الْآيَة بل هِيَ مُطلقَة فَلَا تكون نصا فِي الْخلَافَة فرق ظَاهر بَين الْمُطلق وَالْعَام إِذْ عُمُوم الأول بدلي وَالثَّانِي شمولي
الشُّبْهَة الْعَاشِرَة زَعَمُوا أَن من النَّص التفصيلي الْمُصَرّح بخلافة عَليّ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا وَلِيكُم الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا﴾ الْآيَة قَالُوا والوالي إِمَّا الأحق وَالْأولَى بِالتَّصَرُّفِ كولي الصَّبِي وَإِمَّا الْمُحب والناصر وَلَيْسَ لَهُ فِي اللُّغَة معنى ثَالِث والناصر غير مُرَاد لعُمُوم النُّصْرَة لكل الْمُؤمنِينَ بِنَصّ قَوْله تَعَالَى والمؤمنون الْمُؤْمِنَات بَعضهم أَوْلِيَاء بعض فَلم يَصح الْحصْر بإنما فِي الْمُؤمنِينَ الموصوفين بِمَا فِي الْآيَة فَتعين أَنه فِي الْآيَة الْمُتَصَرف وَهُوَ الإِمَام وَقد أجمع أهل التَّفْسِير على أَن المُرَاد بالذين يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَيُؤْتونَ الزَّكَاة وهم رَاكِعُونَ عَليّ إِذْ سَبَب نُزُولهَا أَنه سُئِلَ وَهُوَ رَاكِع فَأعْطى خَاتمه وَأَجْمعُوا أَن غَيره كأي بكر غير مُرَاد فَتعين أَنه المُرَاد فِي الْآيَة فَكَانَت نضا فِي إِمَامَته
[ ١ / ١٠٤ ]
وجوابها منع جَمِيع مَا قَالُوهُ إِذْ هُوَ حزر وتخمين من غير إِقَامَة دَلِيل يدل لَهُ بل الْوَلِيّ فِيهَا بِمَعْنى النَّاصِر وَيلْزم على مَا زعموه أَن عليا أولى بِالتَّصَرُّفِ حَال حَيَاة رَسُول الله ﷺ وَلَا شُبْهَة فِي بُطْلَانه وزعمهم الْإِجْمَاع على إِرَادَة عَليّ دون أبي بكر كذب قَبِيح لِأَن أَبَا بكر دَاخل فِي جملَة الَّذين آمنُوا وَالَّذين يُقِيمُونَ الصَّلَاة الخ لتكرر صِيغَة الْجمع فِيهِ فَكيف يحمل على الْوَاحِد ونزولها فِي حق عَليّ لَا يُنَافِي شمولها لغيره مِمَّن يجوز اشتراكه مَعَه فِي تِلْكَ الصّفة وَكَذَلِكَ زعمهم الْإِجْمَاع على نُزُولهَا فِي عَليّ بَاطِل أَيْضا فقد قَالَ الْحسن وناهيك بِهِ جلالة وإمامة إِنَّهَا عَامَّة فِي سَائِر الْمُؤمنِينَ وَيُوَافِقهُ أَن الباقر وَهُوَ من هُوَ سُئِلَ عَمَّن نزلت فِيهِ هَذِه الْآيَة أهوَ عَليّ فَقَالَ عَليّ من الْمُؤمنِينَ ولبعض الْمُفَسّرين قَوْله ﴿إِن الَّذين آمنُوا﴾ ابْن سَلام وَأَصْحَابه ولبعض آخر مِنْهُم قَول إِنَّه عبَادَة بن الصَّامِت لما تَبرأ من حلفائه من الْيَهُود وَقَالَ عِكْرِمَة وناهيك بِهِ حفظا لعلوم مَوْلَاهُ ترجمان الْقُرْآن عبد الله بن عَبَّاس ﵄ إِنَّهَا نزلت فِي أبي بكر فَبَطل مَا زعموه
[ ١ / ١٠٥ ]
وَأَيْضًا فَحمل الْوَلِيّ على مَا زعموه لَا يُنَاسب مَا قبلهَا وَهُوَ ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود﴾ إِلَخ إِذْ الْوَلِيّ فِيهَا بِمَعْنى النَّاصِر جزما وَلَا مَا بعْدهَا وَهُوَ من يتول الله وَرَسُوله الخ إِذْ التولي هُنَا بِمَعْنى النُّصْرَة فَوَجَبَ حمل مَا بَينهمَا عَلَيْهَا أَيْضا لتتلاءم أَجزَاء الْكَلَام
الشُّبْهَة الْحَادِيَة عشرَة زَعَمُوا أَن من النَّص التفصيلي الْمُصَرّح بخلافة عَليّ قَوْله ﷺ يَوْم غَدِير خم مَوضِع بِالْجُحْفَةِ مرجعه من حجَّة الْوَدَاع بعد أَن جمع الصَّحَابَة وَكرر عَلَيْهِم (السِّت أولى بكم من أَنفسكُم) ثَلَاثًا وهم يجيبون بالتصديق وَالِاعْتِرَاف ثمَّ رفع يَد عَليّ وَقَالَ (من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ اللَّهُمَّ وَال من وَالَاهُ وَعَاد من عَادَاهُ وَأحب من أحبه وابغض من ابغضه وانصر من نَصره واخذل من خذله وأدر الْحق مَعَه حَيْثُ دَار) قَالُوا فَمَعْنَى الْمولى الأولى أَي فلعلي عَلَيْهِم من الْوَلَاء مَاله ﷺ عَلَيْهِم مِنْهُ بِدَلِيل قَوْله (أَلَسْت أولى بكم) لَا النَّاصِر وَإِلَّا لما احْتَاجَ إِلَى جمعهم كَذَلِك مَعَ الدُّعَاء لَهُ لِأَن ذَلِك يعرفهُ كل أحد قَالُوا وَلَا يكون هَذَا الدُّعَاء إِلَّا لإِمَام مَعْصُوم مفترض الطَّاعَة قَالُوا فَهَذَا نَص صَرِيح صَحِيح على خِلَافَته انْتهى
وَجَوَاب هَذِه الشُّبْهَة الَّتِي هِيَ أقوى شبههم يحْتَاج إِلَى مُقَدّمَة وَهِي بَيَان الحَدِيث ومخرجيه وَبَيَانه أَنه // حَدِيث صَحِيح // لَا مرية فِيهِ وَقد // أخرجه جمَاعَة كالترمذي وَالنَّسَائِيّ وَأحمد // وطرقه كَثِيرَة جدا وَمن ثمَّ رَوَاهُ سِتَّة عشر صحابيا وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد أَنه سَمعه من النَّبِي ﷺ ثَلَاثُونَ صحابيا وشهدوا بِهِ لعَلي لما نوزع أَيَّام خِلَافَته كَمَا مر وَسَيَأْتِي وَكثير من أسانيدها صِحَاح وَحسان وَلَا
[ ١ / ١٠٦ ]
الْتِفَات لمن قدح فِي صِحَّته وَلَا لمن رده بِأَن عليا كَانَ بِالْيمن لثُبُوت رُجُوعه مِنْهَا وإدراكه الْحَج مَعَ النَّبِي ﷺ وَقَول بَعضهم إِن زِيَادَة اللَّهُمَّ وَال من وَالَاهُ الخ مَوْضُوعَة مَرْدُود فقد ورد ذَلِك من طرق صحّح الذَّهَبِيّ كثيرا مِنْهَا
وَبِالْجُمْلَةِ فَمَا زعموه مَرْدُود من وُجُوه نتلوها عَلَيْك وَإِن طَالَتْ لمسيس الْحَاجة إِلَيْهَا فأحذر أَن تسأمها أَو تغفل عَن تأملها
أَحدهَا أَن فرق الشِّيعَة اتَّفقُوا على اعْتِبَار التَّوَاتُر فِيمَا يسْتَدلّ بِهِ على الْإِمَامَة وَقد علم نَفْيه لما مر من الْخلاف فِي صِحَة هَذَا الحَدِيث بل الطاعنون فِي صِحَّته جمَاعَة من أَئِمَّة الحَدِيث وعدوله المرجوع إِلَيْهِم فِيهِ كَأبي دَاوُد السجسْتانِي وَأبي حَاتِم الرَّازِيّ وَغَيرهم فَهَذَا الحَدِيث مَعَ كَونه آحادا مُخْتَلف فِي صِحَّته فَكيف سَاغَ لَهُم أَن يخالفوا مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ من اشْتِرَاط التَّوَاتُر فِي أَحَادِيث الْإِمَامَة ويحتجون بذلك مَا هَذَا إِلَّا تنَاقض قَبِيح وتحكم لَا يعتضد بِشَيْء من أَسبَاب التَّرْجِيح
ثَانِيهَا لَا نسلم أَن معنى الْوَلِيّ مَا ذَكرُوهُ بل مَعْنَاهُ النَّاصِر لِأَنَّهُ مُشْتَرك بَين معَان كالمعتق والعتيق والمتصرف فِي الْأَمر والناصر والمحبوب وَهُوَ حَقِيقَة فِي كل مِنْهَا وَتَعْيِين بعض مَعَاني الْمُشْتَرك من غير دَلِيل يَقْتَضِيهِ تحكم لَا يعْتد بِهِ وتعميمه فِي مَعَانِيه كلهَا لَا يسوغ لِأَنَّهُ إِن كَانَ مُشْتَركا لفظيا بِأَن تعدد وَضعه بِحَسب تعدد مَعَانِيه كَانَ فِيهِ خلاف وَالَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُور الْأُصُولِيِّينَ وعلماء الْبَيَان واقتضاه استعمالات الفصحاء للمشترك أَنه لَا يعم جَمِيع مَعَانِيه على أَنا لَو قُلْنَا بتعميمه على القَوْل الآخر أَو بِنَاء على أَنه مُشْتَرك معنوي بِأَن وضع وضعا وَاحِدًا للقدر الْمُشْتَرك وَهُوَ الْقرب الْمَعْنَوِيّ من الْوَلِيّ بِفَتْح فَسُكُون لصدقه بِكُل مَا مر
[ ١ / ١٠٧ ]
فَلَا يَأْتِي تعميمه هُنَا لِامْتِنَاع إِرَادَة كل من الْمُعْتق والعتيق فَتعين إِرَادَة الْبَعْض وَنحن وهم متفقون على صِحَة إِرَادَة الْحبّ بِالْكَسْرِ وَعلي ﵁ سيدنَا وحبيبنا على أَن كَون الْمولى بِمَعْنى الإِمَام لم يعْهَد لُغَة وَلَا شرعا أما الثَّانِي فَوَاضِح وَأما الأول فَلِأَن أحدا من أَئِمَّة الْعَرَبيَّة لم يذكر أَن مفعلا يَأْتِي بِمَعْنى افْعَل وَقَوله تَعَالَى ﴿مأواكم النَّار هِيَ مولاكم﴾ أَي مقركم أَو ناصرتكم مُبَالغَة فِي نفي النُّصْرَة كَقَوْلِهِم الْجُوع زَاد من لَا زَاد لَهُ وَأَيْضًا فالاستعمال يمْنَع من أَن مفعلا بِمَعْنى افْعَل إِذْ يُقَال هُوَ أولى من كَذَا دون مولى من كَذَا وَأولى الرجلَيْن دون مولاهما وَحِينَئِذٍ فَإِنَّمَا جعلنَا من مَعَانِيه الْمُتَصَرف فِي الْأُمُور نظرا للرواية الْآتِيَة من كنت وليه فالغرض من التَّنْصِيص على موالاته اجْتِنَاب بغضه لِأَن التَّنْصِيص عَلَيْهِ أوفى بمزيد شرفه وصدره السِّت أولى بكم من أَنفسكُم ثَلَاثًا ليَكُون ابْعَثْ على قبولهم وَكَذَا بِالدُّعَاءِ لأجل ذَلِك أَيْضا ويرشد لما ذَكرْنَاهُ حثه ﷺ فِي هَذِه الْخطْبَة على أهل بَيته عُمُوما وعَلى عَليّ خُصُوصا ويرشد إِلَيْهِ أَيْضا مَا ابتدئ بِهِ هَذَا الحَدِيث وَلَفظه عِنْد الطَّبَرَانِيّ وَغَيره // بِسَنَد صَحِيح // أَنه ﷺ خطب بغدير خم تَحت شجرات فَقَالَ (أَيهَا النَّاس إِنَّه قد نَبَّأَنِي اللَّطِيف الْخَبِير أَنه لم يعمر نَبِي إِلَّا نصف عمر الَّذِي يَلِيهِ من قبله وَإِنِّي لأَظُن أَنِّي يُوشك أَن أدعى فَأُجِيب وَإِنِّي مسؤول وَإِنَّكُمْ مسؤولون فَمَاذَا أَنْتُم قَائِلُونَ) قَالُوا نشْهد إِنَّك قد بلغت وجاهدت وَنَصَحْت فجزاك الله خيرا فَقَالَ (أَلَيْسَ تَشْهَدُون أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله وَأَن جنته حق وَأَن ناره حق وَأَن الْمَوْت حق وَأَن الْبَعْث حق بعد الْمَوْت وَأَن السَّاعَة آتِيَة لَا ريب فِيهَا وَأَن الله يبْعَث من فِي الْقُبُور) قَالُوا بلَى نشْهد بذلك قَالَ (اللَّهُمَّ اشْهَدْ) ثمَّ قَالَ (يَا أَيهَا النَّاس إِن الله
[ ١ / ١٠٨ ]
مولَايَ وَأَنا مولى الْمُؤمنِينَ وَأَنا أولى لبم من أنفسهم فَمن كنت مَوْلَاهُ فَهَذَا مَوْلَاهُ يَعْنِي عليا اللَّهُمَّ وَال من وإلاه وَعَاد من عَادَاهُ) ثمَّ قَالَ (يَا أَيهَا النَّاس إِنِّي فَرَطكُمْ وَإِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَليّ الْحَوْض حَوْض أعرض مِمَّا بَين بصرى إِلَى صنعاء فِيهِ عدد النُّجُوم قدحان من فضَّة وَإِنِّي سَائِلكُمْ حِين تردون عَليّ عَن الثقلَيْن فانظروا كَيفَ تخلفوني فيهمَا الثّقل الْأَكْبَر كتاب الله ﷿ سَبَب طرفه بيد الله وطرفه بِأَيْدِيكُمْ فاستمسكوا بِهِ لَا تضلوا وَلَا تبدلوا وعترتي أهل بَيْتِي فَإِنَّهُ قد نَبَّأَنِي اللَّطِيف الْخَبِير أَنَّهُمَا لن ينقضيا حَتَّى يردا عَليّ الْحَوْض)
وَأَيْضًا فسبب ذَلِك كَمَا نَقله الْحَافِظ شمس الدّين الْجَزرِي عَن ابْن إِسْحَاق أَن عليا تكلم فِيهِ بعض من كَانَ مَعَه فِي الْيمن فَلَمَّا قضى رَسُول الله ﷺ حجه خطبهَا تَنْبِيها على قدره وردا على من تكلم فِيهِ كبريدة كَمَا فِي البُخَارِيّ أَنه كَانَ يبغضه وَسبب ذَلِك مَا صَححهُ الذَّهَبِيّ أَنه خرج مَعَه إِلَى الْيمن فَرَأى مِنْهُ جفوة فنقصه للنَّبِي ﷺ فَجعل يتَغَيَّر وَجهه وَيَقُول (يَا بُرَيْدَة أَلَسْت أولى بِالْمُؤْمِنِينَ من أنفسهم) قلت بلَى يَا رَسُول الله قَالَ (من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ)
وَأما رِوَايَة ابْن بُرَيْدَة عَنهُ لَا تقع يَا بُرَيْدَة فِي عَليّ فَإِن عليا مني وَأَنا مِنْهُ وَهُوَ وَلِيكُم بعدِي فَفِي سندها الْأَجْلَح وَهُوَ وَإِن وَثَّقَهُ ابْن معِين لَكِن
[ ١ / ١٠٩ ]
ضعفه غَيره على أَنه شيعي وعَلى تَقْدِير الصِّحَّة فَيحْتَمل أَنه رَوَاهُ بِالْمَعْنَى بِحَسب عقيدته وعَلى فرض أَنه رَوَاهُ بِلَفْظِهِ فَيتَعَيَّن تَأْوِيله على ولَايَة خَاصَّة نَظِير قَوْله ﷺ (أقضاكم عَليّ) على أَنه وَإِن لم يحْتَمل التَّأْوِيل فالإجماع على حقية ولَايَة أبي بكر وفرعيها قَاض بِالْقطعِ بحقيتها لأبي بكر وبطلانهما لعَلي لِأَن مفَاد الْإِجْمَاع قَطْعِيّ ومفاد خبر الْوَاحِد ظَنِّي وَلَا تعَارض بَين ظَنِّي وقطعي بل يعْمل بالقطعي ويلغى الظني على أَن الظني لَا عِبْرَة بِهِ فِيهَا عِنْد الشِّيعَة كَمَا مر
ثَالِثهَا سلمنَا أَنه أولى لَكِن لَا نسلم أَن المُرَاد أَنه الأولى بِالْإِمَامَةِ بل بالاتباع والقرب مِنْهُ فَهُوَ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِن أولى النَّاس بإبراهيم للَّذين اتَّبعُوهُ﴾ وَلَا قَاطع بل وَلَا ظاهرعلى نفي هَذَا الِاحْتِمَال بل هُوَ الْوَاقِع إِذْ هُوَ الَّذِي فهمه أَبُو بكر وَعمر وناهيك بهما من الحَدِيث فَإِنَّهُمَا لما سمعاه قَالَا لَهُ أمسيت يَا ابْن أبي طَالب مولى كل مُؤمن ومؤمنة // أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ // وَأخرج أَيْضا أَنه قيل لعمر إِنَّك تصنع بعلي شَيْئا لَا تَصنعهُ بِأحد من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ فَقَالَ إِنَّه مولَايَ
رَابِعهَا سلمنَا أَنه أولى بِالْإِمَامَةِ فَالْمُرَاد الْمَآل وَإِلَّا كَانَ هُوَ الإِمَام مَعَ وجوده ﷺ وَلَا تعرض فِيهِ لوقت الْمَآل فَكَانَ المُرَاد حِين يُوجد عقد الْبيعَة لَهُ فَلَا يُنَافِي حِينَئِذٍ تَقْدِيم الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة عَلَيْهِ لانعقاد الْإِجْمَاع حَتَّى من عَليّ عَلَيْهِ كَمَا مر وللأخبار السَّابِقَة المصرحة بإمامة أبي بكر وَأَيْضًا فَلَا يلْزم من أَفضَلِيَّة عَليّ على معتقدهم بطلَان تَوْلِيَة غَيره لما مر أَن أهل السّنة أَجمعُوا على صِحَة إِمَامَة الْمَفْضُول مَعَ وجود الْفَاضِل بِدَلِيل إِجْمَاعهم على صِحَة خلَافَة عُثْمَان وَاخْتِلَافهمْ
[ ١ / ١١٠ ]
فِي أفضليته على عَليّ وَإِن كَانَ أَكْثَرهم على أَن عُثْمَان أفضل مِنْهُ كَمَا يَأْتِي وَقد صَحَّ عَن سُفْيَان الثَّوْريّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه قَالَ من زعم أَن عليا كَانَ أَحَق بِالْولَايَةِ من الشَّيْخَيْنِ فقد خطأهما والمهاجرين وَالْأَنْصَار وَمَا أرَاهُ يرفع لَهُ عمل مَعَ هَذَا إِلَى السَّمَاء نقل ذَلِك النَّوَوِيّ عَنهُ كَمَا مر ثمَّ قَالَ هَذَا كَلَامه وَقد كَانَ حسن اعْتِقَاده فِي عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بِالْمحل الْمَعْرُوف انْتهى
وَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ من حسن اعْتِقَاده فِي عَليّ مَشْهُور بل أخرج أَبُو نعيم عَن زيد ابْن الْحباب أَنه كَانَ يرى رَأْي أَصْحَابه الْكُوفِيّين يفضل عليا على أبي بكر وَعمر ﵄ فَلَمَّا صَار إِلَى الْبَصْرَة رَجَعَ إِلَى القَوْل بتفضيلهما عَلَيْهِ
خَامِسهَا كَيفَ يكون ذَلِك نصا على إِمَامَته وَلم يحْتَج بِهِ هُوَ وَلَا الْعَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَلَا غَيرهمَا وَقت الْحَاجة إِلَيْهِ وَإِنَّمَا احْتج بِهِ عَليّ فِي خِلَافَته كَمَا مر فِي الْجَواب على الثَّامِنَة من الشّبَه فسكوته عَن الِاحْتِجَاج بِهِ إِلَى أَيَّام خِلَافَته قَاض على من عِنْده أدنى فهم وعقل بِأَنَّهُ علم مِنْهُ أَنه لَا نَص فِيهِ على خِلَافَته عقب وَفَاة النَّبِي ﷺ على أَن عليا نَفسه صرح بِأَنَّهُ ﷺ لم ينص عَلَيْهِ وَلَا على غَيره كَمَا سَيَأْتِي عَنهُ
وَفِي البُخَارِيّ وَغَيره حَدِيث خُرُوج عَليّ وَالْعَبَّاس من عِنْد النَّبِي ﷺ بِطُولِهِ وَهُوَ صَرِيح فِيمَا ذكره من أَنه ﷺ لم ينص عِنْد مَوته على أحد وكل عَاقل يجْزم بِأَن حَدِيث من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ لَيْسَ نصا فِي إِمَامَة عَليّ
[ ١ / ١١١ ]
وَإِلَّا لم يحْتَج هُوَ وَالْعَبَّاس إِلَى مُرَاجعَته ﷺ الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث البُخَارِيّ وَلما قَالَ الْعَبَّاس فَإِن كَانَ هَذَا الْأَمر فِينَا علمناه مَعَ قرب الْعَهْد جدا بِيَوْم الغدير إِذْ بَينهمَا نَحْو الشَّهْرَيْنِ وتجويز النسْيَان على سَائِر الصَّحَابَة السامعين لخَبر يَوْم الغدير مَعَ قرب الْعَهْد وهم من هم فِي الْحِفْظ والذكاء والفطنة وَعدم التَّفْرِيط والغفلة فِيمَا سَمِعُوهُ مِنْهُ ﷺ محَال غير عادي يجْزم الْعَاقِل بِأَدْنَى بديهته بِأَنَّهُ لم يَقع مِنْهُم نِسْيَان وَلَا تَفْرِيط وَأَنَّهُمْ حَال بيعتهم لأبي بكر كَانُوا متذكرين لذَلِك الحَدِيث عَالمين بِهِ وَبِمَعْنَاهُ على أَنه ﷺ خطب بعد يَوْم الغدير وأعلن بِحَق أبي بكر للْحَدِيث الثَّالِث بعد الْمِائَة الَّتِي فِي فضائله فَانْظُرْهُ ثمَّ وَسَيَأْتِي فِي الْآيَة الرَّابِعَة فِي فَضَائِل أهل الْبَيْت أَحَادِيث أَنه ﷺ فِي مرض مَوته وَإِنَّمَا حث على مَوَدَّتهمْ ومحبتهم واتباعهم وَفِي بَعْضهَا آخر مَا تكلم بِهِ النَّبِي ﷺ (اخلفوني فِي أهل بَيْتِي) فَتلك وَصِيَّة بهم وشتان مَا بَينهمَا وَبَين مقَام الْخلَافَة
وَزعم الشِّيعَة والرافضة بِأَن الصَّحَابَة علمُوا هَذَا النَّص وَلم ينقادوا لَهُ عناد ومكابرة بِالْبَاطِلِ كَمَا مر وَقَوله إِنَّمَا تَركهَا على تقية كذب وافتراء أَيْضا لما تلوناه عَلَيْك مَبْسُوطا فِيمَا مر وَمِنْه أَنه كَانَ فِي مَنعه من قومه مَعَ كثرتهم وشجاعتهم وَلذَا احْتج أَبُو بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ على الْأَنْصَار لما قَالُوا منا أَمِير ومنكم أَمِير بِخَبَر الْأَئِمَّة من قُرَيْش فَكيف سلمُوا لَهُ هَذَا الِاسْتِدْلَال
[ ١ / ١١٢ ]
ولأي شَيْء لم يَقُولُوا لَهُ ورد النَّص على إِمَامَة عَليّ فَكيف تحتج بِمثل هَذَا الْعُمُوم
وَقد أخرج الْبَيْهَقِيّ عَن أبي حنيفَة ﵁ أَنه قَالَ أصل عقيدة الشِّيعَة تضليل الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ
وَإِنَّمَا نبه ﵀ على الشِّيعَة لأَنهم أقل فحشا فِي عقائدهم من الرافضة وَذَلِكَ لِأَن الرافضة يَقُولُونَ بتكفير الصَّحَابَة لأَنهم عاندوا بترك النَّص على إِمَامَة عَليّ بل زَاد أَبُو كَامِل من رؤوسهم فَكفر عليا زاعما أَنه أعَان الْكفَّار على كفرهم وأيدهم على الكتمان وعَلى ستر مَا لَا يتم الدّين إِلَّا بِهِ أَي لِأَنَّهُ لم يرد عَنهُ قطّ أَنه احْتج بِالنَّصِّ على إِمَامَته بل تَوَاتر عَنهُ أَن أفضل الْأمة أَبُو بكر وَعمر وَقبل من عمر إِدْخَاله إِيَّاه فِي الشورى وَقد اتخذ الْمُلْحِدُونَ كَلَام هَؤُلَاءِ السفلة الكذبة ذَرِيعَة لطعنهم فِي الدّين وَالْقُرْآن وَقد تصدى بعض الْأَئِمَّة للرَّدّ على الْمُلْحِدِينَ المحتجين بِكَلَام الرافضة
وَمن جملَة مَا قَالَه أُولَئِكَ الْمُلْحِدُونَ كَيفَ يَقُول الله ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ وَقد ارْتَدُّوا بعد وَفَاة نَبِيّهم إِلَّا نَحْو سِتَّة أنفس مِنْهُم لامتناعهم من تَقْدِيم أبي بكر على عَليّ المرتضى الْمُوصى بِهِ فَانْظُر إِلَى حجَّة هَذَا الملحد
[ ١ / ١١٣ ]
تجدها عين حجَّة الرافضة قَاتلهم الله أَنى يؤفكون بل هم أَشد ضَرَرا على الدّين من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَسَائِر فرق الضلال كَمَا صرح بِهِ عَليّ ﵁ بقوله تفترق هَذِه الْأمة على ثَلَاث وَسبعين فرقة شَرها من ينتحل حبنا وَيُفَارق أمرنَا وَوَجهه مَا اشتملوا عَلَيْهِ من افترائهم من قبائح الْبدع وغايات العناد وَالْكذب حَتَّى تسلطت الْمَلَاحِدَة بِسَبَب ذَلِك على الطعْن فِي الدّين وأئمة الْمُسلمين بل قَالَ القَاضِي أَبُو بكر الباقلاني إِن فِيمَا ذهبت إِلَيْهِ الرافضة مِمَّا ذكر إبطالا لِلْإِسْلَامِ راسا لِأَنَّهُ إِذا أمكن اجْتِمَاعهم على الكتم للنصوص وَأمكن فيهم نقل الْكَذِب والتواطؤ عَلَيْهِ لغَرَض فَيمكن أَن سَائِر مَا نقلوه من الْأَحَادِيث زور وَيُمكن أَن الْقُرْآن عورض بِمَا هُوَ أفْصح مِنْهُ كَمَا تدعيه الْيَهُود وَالنَّصَارَى فكتمه الصَّحَابَة وَكَذَا مَا نَقله سَائِر الْأُمَم عَن جَمِيع الرُّسُل يجوز الْكَذِب فِيهِ والزور والبهتان لأَنهم إِذا ادعوا ذَلِك فِي هَذِه الْأمة الَّتِي هِيَ خير أمة أخرجت للنَّاس فادعاؤهم إِيَّاه فِي بَاقِي الْأُمَم أَحْرَى وَأولى فَتَأمل هَذِه الْمَفَاسِد الَّتِي ترتبت على مَا اصله هَؤُلَاءِ وَقد أخرج الْبَيْهَقِيّ عَن الشَّافِعِي ﵁ مَا من أهل الْأَهْوَاء أشهد بالزور من الرافضة وَكَانَ إِذا ذكرهم عابهم أَشد الْعَيْب
سادسها مَا الْمَانِع من قَوْله ﷺ فِي خطبَته السَّابِقَة يَوْم الغدير هَذَا الْخَلِيفَة
[ ١ / ١١٤ ]
بعدِي فعدوله إِلَى مَا سبق من قَوْله من كنت مَوْلَاهُ إِلَخ ظَاهر فِي عدم إِرَادَة ذَلِك بل ورد بِسَنَد رُوَاته مقبولون كَمَا قَالَه الذَّهَبِيّ وَله طرق عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قيل يَا رَسُول الله من نؤمر بعْدك فَقَالَ إِن تؤمروا أَبَا بكر تَجِدُوهُ أَمينا زاهدا فِي الدُّنْيَا رَاغِبًا فِي الْآخِرَة وَإِن تؤمروا عمر تَجِدُوهُ قَوِيا أَمينا لَا يخَاف فِي الله لومة لائم وَإِن تؤمروا عليا وَلَا أَرَاكُم فاعلين تَجِدُوهُ هاديا مهديا يَأْخُذ بكم الطَّرِيق الْمُسْتَقيم وَرَوَاهُ الْبَزَّار بِسَنَد رِجَاله ثِقَات أَيْضا كَمَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ
فَهُوَ يدل على أَن أَمر الإِمَام موكول إِلَى من يؤمره الْمُسلمُونَ بالبيعة وعَلى عدم النَّص بهَا لعَلي
وَقد أخرج جمع كالبزار // بِسَنَد حسن // وَالْإِمَام أَحْمد وَغَيرهمَا // بِسَنَد قوي // كَمَا قَالَه الذَّهَبِيّ عَن عَليّ أَنهم لما قَالُوا لَهُ اسْتخْلف علينا قَالَ لَا وَلَكِن أترككم كَمَا ترككم رَسُول الله ﷺ
وَأخرج الْبَزَّار وَرِجَاله رجال الصَّحِيح مَا اسْتخْلف رَسُول الله ﷺ فأستخلف عَلَيْكُم // وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ // أَيْضا وَفِي بعض طرقه زِيَادَة دَخَلنَا
[ ١ / ١١٥ ]
على رَسُول الله ﷺ فَقُلْنَا يَا رَسُول الله اسْتخْلف علينا قَالَ (لَا إِن يعلم الله فِيكُم خيرا يول عَلَيْكُم خَيركُمْ) قَالَ عَليّ ﵁ فَعلم الله فِينَا خيرا فولى علينا ابا بكر فقد ثَبت بذلك أَنه صرح بِأَن النَّبِي ﷺ لم يسْتَخْلف
وَأخرج مُسلم أَنه قَالَ من زعم أَن عندنَا شَيْئا نقرؤه إِلَّا كتاب الله وَهَذِه الصَّحِيفَة فِيهَا أَسْنَان الْإِبِل وَشَيْء من الْجِرَاحَات فقد كذب
وَأخرج جمع كالداقطني وَابْن عَسَاكِر والذهبي وَغَيرهم إِن عليا لما قَامَ بِالْبَصْرَةِ قَامَ إِلَيْهِ رجلَانِ فَقَالَا لَهُ أخبرنَا عَن مسيرك هَذَا الَّذِي سرت فِيهِ لتستولي على الْأُمَرَاء وعَلى الْأمة تضرب بَعضهم بِبَعْض أَعهد من رَسُول الله ﷺ عَهده إِلَيْك فحدثنا فَأَنت الموثوق بِهِ والمأمون على مَا سَمِعت فَقَالَ أما أَن يكون عِنْدِي عهد من النَّبِي ﷺ عَهده إِلَيّ فِي ذَلِك فَلَا وَالله لَئِن كنت أول من صدق بِهِ فَلَا أكون أول من كذب عَلَيْهِ وَلَو كَانَ عِنْدِي مِنْهُ عهد فِي ذَلِك مَا تركت أَخا بني تَمِيم بن مرّة وَعمر بن الْخطاب يثوبان على منبره ولقاتلتهما بيَدي وَلَو لم أجد إِلَّا بردتي هَذِه وَلَكِن رَسُول الله ﷺ لم يقتل قتلا وَلم يمت فَجْأَة مكث فِي مَرضه أَيَّامًا وليالي يَأْتِيهِ الْمُؤَذّن أَو بِلَال يُؤذنهُ بِالصَّلَاةِ فيأمر أَبَا بكر ليُصَلِّي بِالنَّاسِ وَهُوَ يرى مَكَاني وَلَقَد أَرَادَت امْرَأَة من نِسَائِهِ تصرفه عَن
[ ١ / ١١٦ ]
أبي بكر فَأبى وَغَضب وَقَالَ (أنتن صَوَاحِب يُوسُف مروا أَبَا بكر فَليصل بِالنَّاسِ) فَلَمَّا قبض رَسُول الله ﷺ نَظرنَا فِي أمورنا فاخترنا لدنيانا من رضيه رَسُول الله ﷺ لديننا وَكَانَت الصَّلَاة عظم الْإِسْلَام وقوام الدّين فَبَايعْنَا أَبَا بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَكَانَ لذَلِك أَهلا لم يخْتَلف عَلَيْهِ منا اثْنَان
وَفِي رِوَايَة فَأَقَامَ بَين أظهرنَا الْكَلِمَة وَاحِدَة وَالْأَمر وَاحِد لَا يخْتَلف عَلَيْهِ منا اثْنَان
وَفِي رِوَايَة فاخترنا لدنيانا من اخْتَارَهُ ﷺ لديننا فأديت إِلَى أبي بكر حَقه وَعرفت لَهُ طَاعَته وغزوت مَعَه فِي جُنُوده وَكنت آخذ إِذا أَعْطَانِي وأغزو إِذا أغزاني وأضرب بَين يَدَيْهِ الْحُدُود بسوطي فَلَمَّا قبض ولاها عمر فَأَخذهَا بِسنة صَاحبه وَمَا يعرف من أمره فَبَايعْنَا عمر لم يخْتَلف عَلَيْهِ منا اثْنَان فأديت لَهُ حَقه وَعرفت لَهُ طَاعَته وغزوت مَعَه فِي جيوشه وَكنت آخذ إِذا أَعْطَانِي وأغزو إِذا أغزاني وأضرب بَين يَدَيْهِ الْحُدُود بسوطي فَلَمَّا قبض تذكرت فِي نَفسِي قَرَابَتي وسابقتي وفضلي وَأَنا أَظن أَن لَا يعدل بِي وَلَكِن خشِي أَن لَا يعْمل الْخَلِيفَة بعده شَيْئا إِلَّا لحقه فِي قَبره فَأخْرج مِنْهَا نَفسه وَولده وَلَو كَانَت مُحَابَاة لآثر وَلَده بهَا وَبرئ مِنْهَا لرهط أَنا أحدهم وظننت أَن لَا يعدلُوا بِي فَأخذ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف مواثيقنا على أَن نسْمع ونطيع لمن ولاه الله أمرنَا ثمَّ بَايع عُثْمَان فَنَظَرت فَإِذا
[ ١ / ١١٧ ]
طَاعَتي قد سبقت بيعتي وَإِذا ميثاقي قد أَخذ لغيري فَبَايعْنَا عُثْمَان فأديت لَهُ حَقه وَعرفت لَهُ طَاعَته وغزوت مَعَه فِي جيوشه وَكنت آخذ إِذا أَعْطَانِي وأغزو إِذا أغزاني وأضرب بَين يَدَيْهِ الْحُدُود بسوطي فَلَمَّا أُصِيب نظرت فَإِذا الخليفتان اللَّذَان أخذاها بِعَهْد رَسُول الله ﷺ إِلَيْهِمَا بِالصَّلَاةِ قد مضيا وَهَذَا الَّذِي أَخذ لَهُ ميثاقي قد أُصِيب فبايعني أهل الْحَرَمَيْنِ وَأهل هذَيْن المصرين أَي الْكُوفَة وَالْبَصْرَة فَوَثَبَ فِيهَا من لَيْسَ مثلي وَلَا قرَابَته كقرابتي وَلَا علمه كعلمي وَلَا سابقته كسابقتي وَكنت أَحَق بهَا مِنْهُ يَعْنِي مُعَاوِيَة
وَأخرجه أَيْضا هَؤُلَاءِ وَإِسْحَاق بن رَاهْوَيْةِ من طرق أُخْرَى قَالَ الذَّهَبِيّ وَهَذِه طرق يُقَوي بَعْضهَا بَعْضًا قَالَ وأصحها مَا رَوَاهُ إِسْمَاعِيل بن علية وَذكره وَفِيه أَنه لما قيل لعَلي أخبرنَا عَن مسيرك هَذَا أَعهد عَهده إِلَيْك ﷺ أم رَأْي رَأَيْته فَقَالَ بل رأى رَأَيْته وَأخرج أَحْمد عَنهُ أَنه قَالَ يَوْم الْجمل لم يعْهَد إِلَيْنَا رَسُول الله ﷺ عهدا نَأْخُذ بِهِ فِي الْإِمَارَة وَلَكِن شَيْء رَأَيْنَاهُ من قبل أَنْفُسنَا
وَأخرج الْهَرَوِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ نَحوه بِزِيَادَة فَهَذِهِ الطّرق كلهَا عَن عَليّ متفقة على نفي النَّص بإمامته وَوَافَقَهُ على ذَلِك عُلَمَاء أهل بَيته فقد أخرج أَبُو نعيم عَن الْحسن الْمثنى بن الْحسن السبط أَنه لما قيل لَهُ ذَلِك أَي أَن خبر من كنت مَوْلَاهُ
[ ١ / ١١٨ ]
فعلي مَوْلَاهُ نَص فِي إِمَامَة عَليّ فَقَالَ أما وَالله لَو يَعْنِي النَّبِي ﷺ بذلك الْإِمَارَة وَالسُّلْطَان لأفصح لَهُم بِهِ فَإِن رَسُول الله ﷺ كَانَ أنصح النَّاس للْمُسلمين ولقال لَهُم ايها النَّاس هَذَا ولي أَمْرِي والقائم عَلَيْكُم بعدِي فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطيعُوا مَا كَانَ من هَذَا شَيْء فوَاللَّه لَئِن كَانَ الله وَرَسُوله اختارا عليا لهَذَا الْأَمر وَالْقِيَام بِهِ للْمُسلمين من بعده ثمَّ ترك عَليّ أَمر الله وَرَسُوله أَن يقوم بِهِ أَو يعْذر فِيهِ إِلَى الْمُسلمين إِن كَانَ أعظم النَّاس خَطِيئَة لعَلي إِذْ ترك أَمر الله وَرَسُوله الله ﷺ وحاشاه من ذَلِك وَفِي رِوَايَة وَلَو كَانَ هَذَا الْأَمر كَمَا تَقول وَأَن الله اخْتَار عليا للْقِيَام على النَّاس لَكَانَ عَليّ أعظم النَّاس خَطِيئَة أَن ترك أَمر رَسُول الله ﷺ وَلم يقم بِهِ فَقَالَ الرجل ألم يقل رَسُول الله ﷺ من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ فَقَالَ الْحسن أما وَالله لَو عَنى بِهِ الْقيام على النَّاس والإمرة لأفصح بِهِ وافصح عَنهُ كَمَا افصح عَن الصَّلَاة وَالزَّكَاة ولقال أَيهَا النَّاس إِن عليا ولي أَمركُم من بعدِي والقائم فِي النَّاس بأَمْري فَلَا تعصوا أمره
وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ عَن أبي حنيفَة أَنه لما قدم الْمَدِينَة سَالَ أَبَا جَعْفَر الباقر عَن أبي بكر وَعمر فترحم عَلَيْهِمَا فَقَالَ لَهُ أَبُو حنيفَة إِنَّهُم يَقُولُونَ عندنَا بالعراق إِنَّك تتبرأ مِنْهُمَا فَقَالَ معَاذ الله كذبُوا وَرب الْكَعْبَة ثمَّ ذكر لأبي حنيفَة تَزْوِيج
[ ١ / ١١٩ ]
عَليّ بنته أم كُلْثُوم بنت فَاطِمَة من عمر وَأَنه لَو لم يكن لَهَا لهلا مَا زوجه إِيَّاهَا فَقَالَ لَهُ أَبُو حنيفَة لَو كتبت إِلَيْهِم فَقَالَ لَا يطيعوني بالكتب وتزويجه إِيَّاهَا يقطع بِبُطْلَان مَا زَعمه الرافضة وَإِلَّا لَكَانَ قد تعاطى تَزْوِيج بنته من كَافِر على زعمهم الْفَاسِد قبحهم الله
سابعها قَوْلهم هَذَا الدُّعَاء وَهُوَ قَوْله ﷺ (اللَّهُمَّ وَال من وَالَاهُ وَعَاد من عَادَاهُ) لَا يكون إِلَّا لإِمَام مَعْصُوم دَعْوَى لَا دَلِيل عَلَيْهَا إِذْ يجوز الدُّعَاء بذلك لأدنى الْمُؤمنِينَ فضلا عَن أخصائهم شرعا وعقلا فَلَا يسْتَلْزم كَونه إِمَامًا مَعْصُوما
وَأخرج أَبُو ذَر الْهَرَوِيّ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (عمر معي وَأَنا مَعَ عمر وَالْحق بعدِي مَعَ عمر حَيْثُ كَانَ) وَلَا قيل بدلالته على إِمَامَة عمر عقب وَفَاة النَّبِي ﷺ وَلَا على عصمته ثمَّ إِن أَرَادوا بالعصمة مَا ثَبت للأنبياء قطعا فَبَاطِل أَو الْحِفْظ فَهَذَا يجوز لدوّنَ عَليّ من الْمُؤمنِينَ
ودعواهم وجوب عصمَة الإِمَام مَبْنِيّ على تحكيمهم الْعقل وَهُوَ وَمَا بني عَلَيْهِ بَاطِل لأمور بَينهَا القَاضِي أَبُو بكر الباقلاني فِي كِتَابه فِي الْإِمَامَة أتم بَيَان وأوفى تَحْرِير
[ ١ / ١٢٠ ]
وَقد أخرج الْحَاكِم وَصَححهُ وَحسنه غَيره عَن عَليّ أَنه قَالَ يهْلك فِي محب مفرط يقرظني بِمَا لَيْسَ فِي ومبغض مفتر يحملهُ شنآني على أَن يبهتني بِمَا لَيْسَ فِي ثمَّ قَالَ وَمَا أَمرتكُم بِمَعْصِيَة فَلَا طَاعَة لأحد فِي مَعْصِيّة الله تَعَالَى فَعلم بِهِ أَنه لم يثبت لنَفسِهِ الْعِصْمَة
ثامنها أَنهم اشترطوا فِي الإِمَام أَن يكون افضل الْأمة وَقد ثَبت بِشَهَادَة عَليّ الْوَاجِب الْعِصْمَة عِنْدهم أَن أفضلهَا أَبُو بكر ثمَّ عمر ﵄ فَوَجَبت صِحَة إمامتهما كَمَا انْعَقَد عَلَيْهِ الْإِجْمَاع السَّابِق
الشُّبْهَة الثَّانِيَة عشرَة زَعَمُوا أَنه من النَّص التفصيلي على عَليّ قَوْله ﷺ لَهُ لما خرج إِلَى تَبُوك واستخلفه على الْمَدِينَة (أَنْت مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى إِلَّا أَنه لَا نَبِي بعدِي) قَالُوا فَفِيهِ دَلِيل على أَن جَمِيع الْمنَازل الثَّابِتَة لهارون من مُوسَى سوى النُّبُوَّة ثَابِتَة لعَلي من النَّبِي ﷺ وَإِلَّا لما صَحَّ الِاسْتِثْنَاء وَمِمَّا ثَبت لهارون من مُوسَى اسْتِحْقَاقه الْخلَافَة عَنهُ لَو عَاشَ بعده إِذْ كَانَ خَلِيفَته فِي حَيَاته فَلَو لم يخلفه بعد مماته لَو عَاشَ بعده لَكَانَ لنَقص فِيهِ وَهُوَ غير جَائِز على الْأَنْبِيَاء وَأَيْضًا فَمن جملَة مَنَازِله مِنْهُ أَنه كَانَ شَرِيكا لَهُ فِي الرسَالَة وَمن لَازم ذَلِك وجوب
[ ١ / ١٢١ ]
الطَّاعَة لَو بَقِي بعده فَوَجَبَ ثُبُوت ذَلِك لعَلي إِلَّا أَن الشّركَة فِي الرسَالَة ممتنعة فِي حق عَليّ فَوَجَبَ أَن يبْقى مفترض الطَّاعَة على الْأمة بعد النَّبِي ﷺ عملا بِالدَّلِيلِ بأقصى مَا يُمكن
وجوابها أَن الحَدِيث إِن كَانَ غير صَحِيح كَمَا يَقُوله الْآمِدِيّ فَظَاهر وَإِن كَانَ صَحِيحا كَمَا يَقُوله أَئِمَّة الحَدِيث والمعول فِي ذَلِك لَيْسَ إِلَّا عَلَيْهِم كَيفَ وَهُوَ فِي الصَّحِيح فَهُوَ من قبيل الْآحَاد وهم لَا يرونه حجَّة فِي الْإِمَامَة
وعَلى التنزل فَلَا عُمُوم لَهُ فِي الْمنَازل بل المُرَاد مَا دلّ عَلَيْهِ ظَاهر الحَدِيث أَن عليا خَليفَة عَن النَّبِي ﷺ مُدَّة غيبته بتبوك كَمَا كَانَ هَارُون خَليفَة عَن مُوسَى ﵇ فِي قومه مُدَّة غيبته عَنْهُم للمناجاة وَقَوله ﵇ اخلفني فِي قومِي لَا عُمُوم لَهُ حَتَّى يَقْتَضِي الْخلَافَة عَنهُ فِي كل زمن حَيَاته وزمن مَوته بل الْمُتَبَادر مِنْهُ مَا مر أَنه خَلِيفَته مُدَّة غيبته فَقَط وَحِينَئِذٍ فَعدم شُمُوله لما بعد وَفَاة مُوسَى ﵇ إِنَّمَا هُوَ لقُصُور اللَّفْظ عَنهُ لَا لعزله كَمَا لَو صرح باستخلافه فِي زمن معِين
وَلَو سلمنَا تنَاوله لما بعد الْمَوْت وَأَن عدم بَقَاء خِلَافَته بعده عزل لَهُ لم يسْتَلْزم نقصا يلْحقهُ بل إِنَّمَا يسْتَلْزم كمالا لَهُ أَي كَمَال لِأَنَّهُ يصير بعده مُسْتقِلّا بالرسالة وَالتَّصَرُّف من الله تَعَالَى وَذَلِكَ أَعلَى من كَونه خَليفَة وشريكا فِي الرسَالَة
سلمنَا أَن الحَدِيث يعم الْمنَازل كلهَا لكنه عَام مَخْصُوص إِذْ من منَازِل هَارُون كَونه أَخا نَبيا وَالْعَام الْمَخْصُوص غير حجَّة فِي الْبَاقِي أَو حجَّة ضَعِيفَة على الْخلاف فِيهِ ثمَّ نَفاذ أَمر هَارُون بعد وَفَاة مُوسَى لَو فرض إِنَّمَا هُوَ للنبوة لَا للخلافة عَنهُ
[ ١ / ١٢٢ ]
وَقد نفيت النُّبُوَّة هُنَا لِاسْتِحَالَة كَون عَليّ نَبيا فَيلْزم نفس مسببه الَّذِي هُوَ افتراض الطَّاعَة ونفاذ الْأَمر
فَعلم مِمَّا تقرر أَنه لَيْسَ المُرَاد من الحَدِيث مَعَ كَونه آحادا لَا يُقَاوم الْإِجْمَاع إِلَّا إِثْبَات بعض الْمنَازل الكائنة لهارون من مُوسَى وَسِيَاق الحَدِيث وَسَببه يبينان ذَلِك الْبَعْض لما مر أَنه قَالَه لعَلي حِين اسْتَخْلَفَهُ فَقَالَ عَليّ كَمَا فِي الصَّحِيح أتخلفني فِي النِّسَاء وَالصبيان كَأَنَّهُ استنقص تَركه وَرَاءه فَقَالَ لَهُ أَلا ترْضى أَن تكون مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى يَعْنِي حَيْثُ اسْتَخْلَفَهُ عِنْد توجهه إِلَى الطّور إِذْ قَالَ اخلفني فِي قومِي وَأصْلح وَأَيْضًا فاستخلافه على الْمَدِينَة لَا يسْتَلْزم أولويته بالخلافة بعده من كل معاصريه افتراضا وَلَا ندبا بل كَونه أَهلا لَهَا فِي الْجُمْلَة وَبِه نقُول وَقد اسْتخْلف ﷺ فِي مرار أُخْرَى غير عَليّ كَابْن أم مَكْتُوم وَلم يلْزم مِنْهُ بِسَبَب ذَلِك أَنه أولى بالخلافة بعده
الشُّبْهَة الثَّالِثَة عشرَة زَعَمُوا أَيْضا أَن من النُّصُوص التفصيلية الدَّالَّة على خلَافَة عَليّ قَوْله ﷺ لعَلي (أَنْت أخي ووصيي وخليفتي وقاضي ديني) أَي بِكَسْر الدَّال وَقَوله (أَنْت سيد الْمُسلمين وَإِمَام الْمُتَّقِينَ وقائد الغر المحجلين) وَقَوله (سلمُوا على عَليّ بإمرة النَّاس)
[ ١ / ١٢٣ ]
وجوابها مر مَبْسُوطا قبيل الْفَصْل الْخَامِس وَمِنْه أَن هَذِه الْأَحَادِيث كذب بَاطِلَة مَوْضُوعَة مفتراة عَلَيْهِ ﷺ أَلا لعنة الله على الْكَاذِبين وَلم يقل أحد من أَئِمَّة الحَدِيث أَن شَيْئا من هَذِه الأكاذيب بلغ مبلغ الْآحَاد المطعون فِيهَا بل كلهم مجمعون على أَنَّهَا مَحْض كذب وافتراء فَإِن زعم هَؤُلَاءِ الجهلة الكذبة على الله وَرَسُوله وعَلى أَئِمَّة الْإِسْلَام ومصابيح الظلام أَن هَذِه الْأَحَادِيث صحت عِنْدهم قُلْنَا لَهُم هَذَا محَال فِي الْعَادة إِذْ كَيفَ تتفردون بِعلم صِحَة تِلْكَ مَعَ أَنكُمْ لم تتصفوا قطّ بِرِوَايَة وَلَا صُحْبَة مُحدث ويجهل ذَلِك مهرَة الحَدِيث وسباقه الَّذين أفنوا أعمارهم فِي الْأَسْفَار الْبَعِيدَة لتحصيله وبذلوا جهدهمْ فِي طلبه وَفِي السَّعْي إِلَى كل من ظنُّوا عِنْده شَيْئا مِنْهُ حَتَّى جمعُوا الْأَحَادِيث ونقبوا عَنْهَا وَعَلمُوا صحيحها من سقيمها ودونوها فِي كتبهمْ على غَايَة من الِاسْتِيعَاب وَنِهَايَة من التَّحْرِير وَكَيف وَالْأَحَادِيث الْمَوْضُوعَة جَاوَزت مئات الألوف وهم مَعَ ذَلِك يعْرفُونَ وَاضع كل حَدِيث مِنْهَا وَسبب وَضعه الْحَامِل لواضعه على الْكَذِب والافتراء على نبيه ﷺ فجزاهم الله خير الْجَزَاء وأكمله إِذْ لَوْلَا حسن صنيعهم هَذَا لاستولى المبطلون والمتمردة على المفسدون الدّين وغيروا معالمه وخلطوا الْحق بكذبهم حَتَّى لم يتَمَيَّز عَنهُ فضلوا وأضلوا ضلالا مُبينًا لَكِن لما حفظ الله على نبيه ﷺ شَرِيعَته من الزيغ والتبديل بل والتحريف وَجعل من أكَابِر أمته فِي كل عصر طَائِفَة على الْحق لَا يضرهم من خذلهم لم يبال الدّين بهؤلاء الكذبة المبطلة الجهلة وَمن ثمَّ قَالَ ﷺ تركتكم على الْوَاضِحَة الْبَيْضَاء لَيْلهَا كنهارها ونهارها كليلها لَا يزِيغ عَنْهَا بعدِي إِلَّا هَالك
[ ١ / ١٢٤ ]
وَمن عَجِيب أَمر هَؤُلَاءِ الجهلة أَنا إِذا استدللنا عَلَيْهِم بالأحاديث الصَّحِيحَة الدَّالَّة صَرِيحًا على خلَافَة أبي بكر كَخَبَر اقتدوا باللذين من بعدِي وَغَيره من الْأَخْبَار الناصة على خِلَافَته الَّتِي قدمتها مستوفاة فِي الْفَصْل الثَّالِث قَالُوا هَذَا خبر وَاحِد فَلَا يُغني فِيمَا يطْلب فِيهِ التَّعْيِين وَإِذا أَرَادوا أَن يستدلوا على مَا زعموه من النَّص على خلَافَة عَليّ أَتَوا بأخبار تدل لزعمهم كَخَبَر من كنت مَوْلَاهُ وَخبر أَنْت مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى مَعَ أَنَّهَا آحَاد وَإِمَّا بأخبار بَاطِلَة كَاذِبَة متيقنة الْبطلَان وَاضِحَة الْوَضع والبهتان لَا تصل إِلَى دَرَجَة الْأَحَادِيث الضعيفة الَّتِي هِيَ أدنى مَرَاتِب الْآحَاد فَتَأمل هَذَا التَّنَاقُض الصَّرِيح وَالْجهل الْقَبِيح لكِنهمْ لفرط جهلهم وعنادهم وميلهم عَن الْحق يَزْعمُونَ التَّوَاتُر فِيمَا يُوَافق مَذْهَبهم الْفَاسِد وَإِن أجمع أهل الحَدِيث والأثر على أَنه كذب مَوْضُوع مختلق ويزعمون فِيمَا يُخَالف مَذْهَبهم أَنه آحَاد وَإِن اتّفق أُولَئِكَ على صِحَّته وتواتر رُوَاته تحكما وعنادا وزيغا عَن الْحق فَقَاتلهُمْ الله مَا أجهلهم وأحمقهم
الشُّبْهَة الرَّابِعَة عشرَة زَعَمُوا أَنه لَو كَانَ أَهلا للخلافة لما قَالَ لَهُم أقيلوني أقيلوني لِأَن الْإِنْسَان لَا يستقيل من الشَّيْء إِلَّا إِذا لم يكن أَهلا لَهُ
وجوابها منع الْحصْر فِيمَا عللوا بِهِ فَهُوَ من مفترياتهم وَكم وَقع للسلف وَالْخلف التورع عَن أُمُور هم لَهَا أهل وَزِيَادَة بل لَا تكمل حَقِيقَة الْوَرع والزهد إِلَّا
[ ١ / ١٢٥ ]
بِالْإِعْرَاضِ عَمَّا تأهل لَهُ المعرض وَأما مَعَ عدم التأهل فالإعراض وَاجِب لَا زهد ثمَّ سَببه هُنَا أَنه إِمَّا خشِي من وُقُوع عجز مَا مِنْهُ عَن اسْتِيفَاء الْأُمُور على وَجههَا الَّذِي يَلِيق بِكَمَالِهِ أَو أَنه قصد بذلك استبانة مَا عِنْدهم وَأَنه هَل فيهم من يود عَزله فأبرز ذَلِك لذَلِك فَرَآهُمْ جَمِيعهم لَا يودون ذَلِك أَو أَنه خشِي من لعنته ﷺ لإِمَام قوم وهم لَهُ كَارِهُون فاستعلم أَنه هَل فيهم أحد يكرههُ أَو لَا
وَالْحَاصِل أَن زعم أَن ذَلِك يدل على عدم أَهْلِيَّته غَايَة فِي الْجَهَالَة والغباوة والحمق فَلَا ترفع بذلك رَأْسا
الشُّبْهَة الْخَامِسَة عشرَة زَعَمُوا أَيْضا أَن عليا إِنَّمَا سكت عَن النزاع فِي أَمر الْخلَافَة لِأَن النَّبِي ﷺ أوصاه أَن لَا يُوقع بعده فتْنَة وَلَا يسل سَيْفا
وجوابها أَن هَذَا افتراء وَكذب وحمق وجهالة مَعَ عَظِيم الغباوة عَمَّا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ إِذْ كَيفَ يعقل مَعَ هَذَا الَّذِي زعموه أَنه جعله إِمَامًا واليا على الْأمة بعده وَمنعه من سل السَّيْف على من امْتنع من قبُول الْحق وَلَو كَانَ مَا زعموه صَحِيحا لما سل عَليّ السَّيْف فِي حَرْب صفّين وَغَيرهَا وَلما قَاتل بِنَفسِهِ وَأهل بَيته وشيعته وجالد وبارز الألوف مِنْهُم وَحده أَعَاذَهُ الله من مُخَالفَة وَصِيَّة رَسُول الله ﷺ وَأَيْضًا فَكيف يتعقلون أَنه ﷺ يوصيه بِعَدَمِ سل السَّيْف على من يَزْعمُونَ فيهم أَنهم يجاهرون بأقبح أَنْوَاع الْكفْر مَعَ مَا أوجبه الله من جِهَاد مثلهم
قَالَ بعض أَئِمَّة أهل الْبَيْت النَّبَوِيّ والعترة الطاهرة وَقد تَأَمَّلت كلماتهم فَرَأَيْت قوما أعمى الْهوى بصائرهم فَلم يبالوا بِمَا ترَتّب على مقالاتهم من الْمَفَاسِد أَلا ترى
[ ١ / ١٢٦ ]
إِلَى قَوْلهم إِن عمر ﵁ قاد عليا بحمائل سَيْفه وَحصر فَاطِمَة فهابت فَأسْقطت ولدا اسْمه المحسن فقصدوا بِهَذِهِ الْفِرْيَة القبيحة والغباوة الَّتِي أورثتهم الْعَار والبوار والفضيحة إيغار الصُّدُور على عمر ﵁ وَلم يبالوا بِمَا يَتَرَتَّب على ذَلِك من نِسْبَة عَليّ ﵁ إِلَى الذل وَالْعجز والخور بل وَنسبَة جَمِيع بني هَاشم وهم أهل النخوة والنجدة والأنفة إِلَى ذَلِك الْعَار اللَّاحِق بهم الَّذِي لَا أقبح مِنْهُ عَلَيْهِم بل وَنسبَة جَمِيع الصَّحَابَة ﵃ إِلَى ذَلِك وَكَيف يسع من لَهُ أدنى ذوق أَن ينسبهم إِلَى ذَلِك مَعَ مَا استفاض وتواتر عَنْهُم من غيرتهم لنبيهم ﷺ وَشدَّة غضبهم عِنْد انتهاك حرماته حَتَّى قَاتلُوا وَقتلُوا الْآبَاء وَالْأَبْنَاء فِي طلب مرضاته وَلَا يتَوَهَّم إِلْحَاق أدنى نقص أَو سكُوت على بَاطِل بهؤلاء الْعِصَابَة الكمل الَّذين طهرهم الله من كل رِجْس ودنس وَنقص على لِسَان نبيه فِي الْكتاب وَالسّنة كَمَا قَدمته فِي الْمُقدمَة الأولى أول الْكتاب بِوَاسِطَة صحبتهم لَهُ ﷺ وَمَوته وَهُوَ عَنْهُم رَاض وَصدقهمْ فِي محبته واتباعه إِلَّا عبدا أضلّهُ الله وخذله ولعنه فباء مِنْهُ تَعَالَى بعظيم الخسار والبوار وأحله الله تَعَالَى نَار جَهَنَّم وَبئسَ الْقَرار نسْأَل الله السَّلامَة فِي الدّين آمين
[ ١ / ١٢٧ ]