مِنْهَا عَزله أكَابِر الصَّحَابَة من أَعْمَالهم وولاها دونهم من أَقَاربه كَأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَن الْبَصْرَة وَعَمْرو بن الْعَاصِ عَن مصر وعمار بن يَاسر عَن الْكُوفَة والمغيرة بن شُعْبَة عَنْهَا أَيْضا وَابْن مَسْعُود عَنْهَا أَيْضا وأشخصه إِلَى الْمَدِينَة
وَجَوَابه أَنه إِنَّمَا فعل ذَلِك لأعذار أوجبت عَلَيْهِ ذَلِك فَأَما أَبُو مُوسَى فَإِن جند عمله شكوا شحه وجند الْكُوفَة نقموا عَلَيْهِ أَنه أَمرهم بِأَمْر عمر لَهُم بِطَاعَتِهِ بِفَتْح رامهرمز ففتحوها وَسبوا نساءها وذراريها فَلَمَّا بلغه ذَلِك قَالَ إِنِّي كنت أمنتهم فَكَتَبُوا لعمر فَأمر بتحليفه فَحلف فَأمر برد مَا أَخذ مِنْهُم فَرَفَعُوهُ لعمر فعتب عَلَيْهِ وَقَالَ لَو وجدنَا من يكفينا عَمَلك عزلناك فَلَمَّا توفّي عمر اشْتَدَّ غضب الجنديين عَلَيْهِ فَعَزله عُثْمَان خوف الْفِتْنَة
وَأما عَمْرو بن الْعَاصِ فلإكثار أهل مصر شكايته وَقد عَزله عمر لذَلِك ثمَّ رده لما ظهر لَهُ التنصل مِمَّا شكوه مِنْهُ وتوليته ابْن أبي سرح بدله فَهُوَ وَإِن كَانَ ارْتَدَّ فِي زَمَنه ﷺ فأهدر دَمه يَوْم الْفَتْح أسلم وَصلح حَاله بل ظَهرت مِنْهُ فِي
[ ١ / ٣٣١ ]
ولَايَته آثَار محمودة كفتح طَائِفَة كَثِيرَة من تِلْكَ النواحي وَكَفاهُ فخرا أَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ قَاتل تَحت رايته ككثير من الصَّحَابَة بل وجدوه أقوم لسياسة الْأَمر من عَمْرو بن الْعَاصِ وَمن أحسن محاسنه اعتزاله الْفَرِيقَيْنِ لما قتل عُثْمَان وَأَنه لم يُقَاتل مُسلما بعد قِتَاله الْمُشْركين
وَأما عمار فَالَّذِي عَزله عمر لَا عُثْمَان
وَأما الْمُغيرَة فأنهي لعُثْمَان أَنه ارتشى فَلَمَّا رأى تصميمهم على ذَلِك ظهر أَن الْمصلحَة فِي عَزله وَإِن كَانُوا كاذبين عَلَيْهِ
وَأما ابْن مَسْعُود فَكَانَ ينقم على عُثْمَان كثيرا فظهرت لَهُ الْمصلحَة فِي عَزله على أَن الْمُجْتَهد لَا يعْتَرض عَلَيْهِ فِي الْأُمُور الاجتهادية لَكِن أُولَئِكَ الملاعين المعترضين لَا فهم لَهُم بل وَلَا عقل
وَمِنْهَا أَنه أسرف فِي بَيت المَال حَيْثُ أعْطى أَكْثَره لأقاربه كَالْحكمِ الَّذِي رده للمدينة وَكَانَ النَّبِي ﷺ نَفَاهُ عَنْهَا إِلَى الطَّائِف وكاتبه مَرْوَان أعطَاهُ مائَة ألف وَخمْس أفريقية والْحَارث أعطَاهُ عشر مَا يُبَاع بسوق الْمَدِينَة وجاءه أَبُو مُوسَى بحلية ذهب وَفِضة فَقَسمهَا بَين نِسَائِهِ وَبنَاته وَأنْفق أَكثر بَيت المَال فِي ضيَاعه ودوره
وَجَوَاب ذَلِك أَن أَكثر ذَلِك مختلق عَلَيْهِ ورده الحكم إِنَّمَا كَانَ لكَونه
[ ١ / ٣٣٢ ]
ﷺ وعده بذلك لما استأذنه فِيهِ فنقله لِلشَّيْخَيْنِ فَلم يقبلاه لكَونه وَاحِدًا فَلَمَّا ولي قضى بِعِلْمِهِ كَمَا هُوَ قَول أَكثر الْفُقَهَاء على أَن الحكم تَابَ مِمَّا نفي لأَجله
وَالْحق فِي مَرْوَان أَن مَا تعذر نَقله من أثاث أفريقية وحيوانها اشْتَرَاهُ من ابْن أبي سرح الْأَمِير بِمِائَة ألف نقد أَكْثَرهَا وَسبق مبشرا بِفَتْحِهَا فَترك عُثْمَان لَهُ الْبَقِيَّة جَزَاء لبشارته فَإِن قُلُوب الْمُسلمين كَانَت فِي غَايَة القلق بِشدَّة أَمر إفريقية وَللْإِمَام أَن يُعْطي المبشر مَا يرَاهُ لائقا بتعبه وخطر بشارته وَتلك المئة ألف إِنَّمَا جهزها من مَال بَيت الْحَارِث وثروة عُثْمَان جَاهِلِيَّة وإسلاما لَا تنكر وَمَا ذَكرُوهُ فِي العشور غير صَحِيح نعم جعل لَهُ السُّوق لينْظر فِيهِ بِالْمَصْلَحَةِ فَوَقع مِنْهُ جور فَعَزله
وقصة أبي مُوسَى ذكرهَا ابْن إِسْحَاق // بِسَنَد فِيهِ مَجْهُول // وَهُوَ لَيْسَ بِحجَّة فِي ذَلِك وغنى عُثْمَان الْوَاسِع وإنفاقه فِي غَزْوَة تَبُوك بِمَا هُوَ مَشْهُور عَنهُ يمْنَع نِسْبَة ذَلِك وَأَقل مِنْهُ وَأكْثر إِلَيْهِ غَايَة الْأَمر أَنه لَو سلم أَنه أَكثر من إِعْطَاء أَقَاربه من بَيت المَال كَانَ اجْتِهَادًا مِنْهُ فَلَا يعْتَرض بِهِ عَلَيْهِ وَزعم أَنه منع أَن لَا يَشْتَرِي أحد قبل وَكيله وَأَن لَا تسير سفينة من الْبَحْرين إِلَّا فِي تِجَارَته بَاطِل على أَنه
[ ١ / ٣٣٣ ]
كَانَ متبسطا فِي التِّجَارَات فَلَعَلَّهُ حمى سفنه أَن لَا يركب فِيهَا غَيره وفوض لزيد بن ثَابت نظر بَيت المَال ففضلت مِنْهُ فضلَة فصرفها فِي عمَارَة مَا زَاده فِي مَسْجده ﷺ فتقولوا أَنه صرفهَا فِي عمَارَة دوره كَمَا تَقولُوا أَنه حمى لنَفسِهِ مَعَ أَنه حمى لإبل الصَّدَقَة وَأَنه أقطع أَكثر أَرَاضِي بَيت المَال مَعَ أَنه إِنَّمَا أذن فِي الْإِحْيَاء على أَنه عوض أَشْرَاف الْيمن مثل مَا تَرَكُوهُ من أراضيهم لما جَاءُوا إِلَى الْمَدِينَة ليستمروا بهَا تجاه الْأَعْدَاء وَذَلِكَ فِيهِ مصلحَة عَامَّة فَلَا يعْتَرض بِهِ
وَمِنْهَا أَنه حبس عَطاء ابْن مَسْعُود وَأبي بن كَعْب وَنفى أَبَا ذَر إِلَى الربذَة وأشخص عبَادَة بن الصَّامِت من الشَّام إِلَى الْمَدِينَة لما اشتكاه مُعَاوِيَة وهجر ابْن مَسْعُود وَقَالَ لِابْنِ عَوْف إِنَّك مُنَافِق وَضرب عمار بن يَاسر وانتهك حُرْمَة كَعْب بن عجْرَة فَضَربهُ عشْرين سَوْطًا ونفاه إِلَى بعض الْجبَال وَكَذَلِكَ حُرْمَة الأشتر النَّخعِيّ
وَجَوَاب ذَلِك أَن حَبسه لعطاء ابْن مَسْعُود وهجره لَهُ فَلَمَّا بلغه عَنهُ مِمَّا يُوجب ذَلِك إبْقَاء لأبهة الْولَايَة لَا سِيمَا وكل مِنْهُمَا مُجْتَهد فَلَا يعْتَرض مَا فعله أَحدهمَا مَعَ الآخر نعم زعم أَن عُثْمَان أَمر بضربه بَاطِل وَلَو فرضت صِحَّته لم يكن بأعظم من ضرب عمر لسعد بن أبي وَقاص بِالدرةِ على رَأسه حَيْثُ لم يقم لَهُ وَقَالَ إِنَّك لم تهب الْخلَافَة فَأَرَدْت أَن تعرف أَن الْخلَافَة لَا تهابك وَلم يتَغَيَّر
[ ١ / ٣٣٤ ]
سعد من ذَلِك فَابْن مَسْعُود أولى لِأَنَّهُ كَانَ يجبهُ عُثْمَان بِمَا لَا يبقي لَهُ حُرْمَة وَلَا أبهة أصلا بل رأى عمر أَبَيَا يمشي وَخَلفه جمَاعَة فعلاه بِالدرةِ وَقَالَ إِن هَذَا فتْنَة لَك وَلَهُم فَلم يتَغَيَّر أبي على أَن عُثْمَان جَاءَ لِابْنِ مَسْعُود وَبَالغ فِي استرضائه فَقيل قبله واستغفر لَهُ وَقيل لَا وَكَذَلِكَ مَا وَقع لَهُ مَعَ أبي ذَر فَإِنَّهُ كَانَ يتجاسر عَلَيْهِ بِمَا يخرم أبهة ولَايَته فَمَا فعله مَعَه وَمَعَ غَيره إِنَّمَا هُوَ صِيَانة لمنصب الشَّرِيعَة وحماية لحُرْمَة الدّين وَإِن عذر أَبُو ذَر بِقَصْدِهِ مِنْهُ أَن يجْرِي على مَا كَانَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ على أَنه جَاءَ أَن أَبَا ذَر إِنَّمَا اخْتَار التَّحَوُّل اعتزالا للنَّاس مَعَ أَمر عُثْمَان لَهُ بِعَدَمِهِ وَقَوله لَهُ أقِم عِنْدِي تَغْدُو عَلَيْك اللقَاح وَتَروح فَقَالَ لَا حَاجَة لي فِي الدُّنْيَا وَقَضِيَّة عبَادَة بَاطِلَة من أَصْلهَا وَكَذَا قصَّة عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ﵄ وَإِنَّمَا كَانَ مستوحشا مِنْهُ لِأَنَّهُ كَانَ يجبهه كثيرا وَلم يضْرب عمارا إِنَّمَا ضربه غلمانه لما كرر إرسالهم إِلَيْهِ ليجيء إِلَى الْمَسْجِد حَتَّى يعاتبه فِي أَشْيَاء نقمها عَلَيْهِ وَهُوَ يعْتَذر إِلَيْهِ فَلم يقبل وَقد حلف عُثْمَان وَغلظ أَنه لم يَأْمُرهُم بذلك ثمَّ بَالغ فِي استرضائه وَظهر مِنْهُ مَا يدل على أَنه رَضِي عَنهُ
وَفعله بكعب مَا ذكر فعذره فِيهِ أَنه كتب إِلَيْهِ فَأَغْلَظ عَلَيْهِ ثمَّ استدرك عُثْمَان ذَلِك فَبَالغ فِي استرضائه فَخلع قَمِيصه وَدفع إِلَيْهِ سَوْطًا ليقتص مِنْهُ فَعَفَا ثمَّ صَار من خواصه
[ ١ / ٣٣٥ ]
وَمَا فعله بالأشتر مَعْذُور فِيهِ فَإِنَّهُ رَأس فتْنَة فِي زمَان عُثْمَان بل هُوَ السَّبَب فِي قَتله بل جَاءَ أَنه هُوَ الَّذِي بَاشر قَتله بِيَدِهِ فَأعمى الله بصائرهم كَيفَ لم يذموا فعل هَذَا المارق وذموا فعل من شهد لَهُ الصَّادِق المصدوق بِأَنَّهُ الإِمَام الْحق وَأَنه يقتل شَهِيدا مَظْلُوما وَأَنه من أهل الْجنَّة
وَمِنْهَا أَنه أحرق الْمَصَاحِف الَّتِي فِيهَا الْقُرْآن
وَجَوَابه أَن هَذَا من فضائله لِأَن حُذَيْفَة وَغَيره أنهوا إِلَيْهِ أَن أهل الشَّام وَالْعراق اخْتلفُوا فِي الْقُرْآن وَيَقُول بَعضهم لبَعض قرآني خير من قرآنك وَهَذَا يكَاد أَن يكون كفرا فَرَأى عُثْمَان أَن يجمع النَّاس على مصحف وَاحِد فَأخذ صحف أبي بكر الَّتِي جمع الْقُرْآن فِيهَا فانتسخ مِنْهَا مُصحفا وَأمر النَّاس بِالْتِزَام مَا فِيهِ ثمَّ كتب مِنْهُ مصاحف وأرسلها إِلَى الْبلدَانِ وَأمر بذلك لاخْتِلَاف الْأمة وَمن ثمَّ قَالَ عَليّ كرم الله وَجهه وَالله لَو وليت لفَعَلت الَّذِي فعل عُثْمَان وَقَالَ لَا تسبوا عُثْمَان فِي جمعه ذَلِك فَإِنَّهُ لم يعمله إِلَّا عَن مَلأ منا وَقد بسطت هَذِه الْقِصَّة وَمَا فِيهَا من الْفَوَائِد فِي شرح الْمشكاة
[ ١ / ٣٣٦ ]
وَمِنْهَا تَركه قتل عبيد الله بن عمر بقتْله الهرمزان وجفينة وبنتا صَغِيرَة لأبي لؤلؤة قَاتل عمر مَعَ إِشَارَة عَليّ وَالصَّحَابَة بقتْله
وَجَوَاب ذَلِك أَن جفينة نَصْرَانِيّ وَابْنَة أبي لؤلؤة أَبوهَا مَجُوسِيّ وَأمّهَا حَالهَا مَجْهُول فَلم يتَحَقَّق إسْلَامهَا وَأما الهرمزان فَهُوَ المشير والآمر لأبي لؤلؤة على قتل عمر وَجَمَاعَة مجتهدون على أَن الْآمِر يقتل كالمأمور على أَنه خشِي ثوران فتْنَة عَظِيمَة لما أَرَادَ قَتله لَو توفرت فِيهِ الشُّرُوط لقالت قبائل من قُرَيْش لَا يقتل عمر أمس وَابْنه الْيَوْم فَترك قتل عبيد الله واسترضى أهل الهرمزان
وَمِنْهَا إِتْمَامه الصَّلَاة بمنى لما حج بِالنَّاسِ
وَجَوَابه أَن هَذِه مَسْأَلَة اجتهادية فالاعتراض بهَا جهل قَبِيح وغباوة ظَاهِرَة إِذْ أَكثر الْعلمَاء على أَن الْقصر جَائِز لَا وَاجِب
وَمِنْهَا أَنه كَانَ غادرا لما وَقع لَهُ مَعَ مُحَمَّد بن أبي بكر ﵁ مِمَّا يَأْتِي قَرِيبا
وَجَوَابه إِنَّه حلف لَهُم كَمَا يَأْتِي فصدقوه إِلَّا من فِي قلبه مرض
وَالْحَاصِل أَنه صَحَّ عَن الصَّادِق المصدوق ﷺ أَنه على الْحق وَأَن لَهُ الْجنَّة وَأَنه يقتل مَظْلُوما وَأمر باتباعه وَمن هُوَ كَذَلِك كَيفَ يعْتَرض عَلَيْهِ بِأَكْثَرَ تِلْكَ
[ ١ / ٣٣٧ ]
الترهات أَو بِجَمِيعِ مَا مر من الاعتراضات وَصَحَّ أَيْضا أَنه ﷺ أَشَارَ إِلَيْهِ أَنه سيتولى الْخلَافَة وَأَن الْمُنَافِقين سيراودونه على خلعه وَأَنه لَا يطيعهم هَذَا مَعَ مَا علم من سابقته وَكَثْرَة إِنْفَاقه فِي سَبِيل الله وَغَيرهمَا مِمَّا مر فِي مآثره رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ
[ ١ / ٣٣٨ ]
الْبَاب الثَّامِن فِي خلَافَة عَليّ كرم الله وَجهه ولنقدم عَلَيْهَا قصَّة قتل عُثْمَان ﵁ لما أَنَّهَا مترتبة على قَتله بمبايعة أهل الْحل وَالْعقد لَهُ حِينَئِذٍ كَمَا يَأْتِي
[ ١ / ٣٣٩ ]