وَفِي آدَاب أُخْرَى قَالَ ﷺ (إِن أهل بَيْتِي سيلقون بعدِي من أمتِي قتلا وتشريدا وَإِن أَشد قَومنَا لنا بغضا بَنو أُميَّة وَبَنُو وَبَنُو الْمُغيرَة وَبَنُو مَخْزُوم) صَححهُ الْحَاكِم لَكِن فِيهِ إِسْمَاعِيل وَالْجُمْهُور على أَنه ضَعِيف لسوء حفظه وَمِمَّنْ وَثَّقَهُ البُخَارِيّ فقد نقل التِّرْمِذِيّ عَنهُ أَنه ثِقَة مقارب الحَدِيث وَمن اشد النَّاس بغضا لأهل الْبَيْت مَرْوَان بن الحكم وَكَأن هَذَا هُوَ سر الحَدِيث الَّذِي صَححهُ الْحَاكِم أَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ﵁ قَالَ كَانَ لَا يُولد لأحد مَوْلُود إِلَّا أَتَى بِهِ النَّبِي ﷺ فيدعو لَهُ فَأدْخل عَلَيْهِ مَرْوَان بن الحكم فَقَالَ (هَذَا الوزغ ابْن الوزغ الملعون ابْن الملعون)
وروى بعده بِيَسِير عَن مُحَمَّد بن زيد قَالَ لما بَايع مُعَاوِيَة ﵁ لِابْنِهِ يزِيد قَالَ مَرْوَان سنة أبي بكر وَعمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر بل سنة هِرقل وَقَيْصَر فَقَالَ لَهُ مَرْوَان أَنْت الَّذِي
[ ٢ / ٥٢٧ ]
أنزل الله فِيك ﴿وَالَّذِي قَالَ لوَالِديهِ أُفٍّ لَكمَا﴾ الْأَحْقَاف ١٧ فَبلغ ذَلِك عَائِشَة ﵂ فَقَالَت كذب وَالله مَا هُوَ بِهِ وَلَكِن رَسُول الله ﷺ لعن أَبَا مَرْوَان ومروانه فِي صلبه
ثمَّ روى عَن عَمْرو بن مرّة الْجُهَنِيّ وَكَانَت لَهُ صُحْبَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن الحكم ابْن أبي الْعَاصِ اسْتَأْذن على رَسُول الله ﷺ فَعرف صَوته فَقَالَ (ائذنوا لَهُ عَلَيْهِ لعنة الله وعَلى من يخرج من صلبه إِلَّا الْمُؤمن مِنْهُم وَقَلِيل مَا هم يشرفون فِي الدُّنْيَا ويصغرون فِي الْآخِرَة ذَوُو مكر وخديعة يُعْطون فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُم فِي الْآخِرَة من خلاق)
قَالَ ابْن ظفر وَكَانَ الحكم هَذَا يرْمى بالداء العضال وَكَذَلِكَ أَبُو جهل كَذَا ذكر ذَلِك كُله الدَّمِيرِيّ فِي حَيَاة الْحَيَوَان
ولعنته ﷺ للْحكم وَابْنه لَا تضرهما لِأَنَّهُ ﷺ تدارك ذَلِك بقوله مِمَّا بَينه فِي الحَدِيث الآخر (أَنه بشر يغْضب كَمَا يغْضب الْبشر وَأَنه سَأَلَ ربه أَن من سبه أَو لَعنه أَو دَعَا عَلَيْهِ أَن يكون ذَلِك رَحْمَة لَهُ وَزَكَاة وَكَفَّارَة وطهارة)
وَمَا نَقله عَن ابْن ظفر فِي أبي جهل لَا يلام عَلَيْهِ فِيهِ بِخِلَافِهِ فِي الحكم فَإِنَّهُ
[ ٢ / ٥٢٨ ]
صَحَابِيّ وقبيح أَي قبح أَن يرْمى صَحَابِيّ بذلك فليحمل على أَنه إِن صَحَّ ذَلِك كَانَ يرْمى بِهِ قبل الْإِسْلَام وَمر فِي أَحَادِيث الْمهْدي أَنه ﷺ رأى فتية من بني هَاشم فاغرورقت عَيناهُ وَتغَير لَونه ثمَّ قَالَ (إِنَّا أهل بَيت اخْتَار الله لنا الْآخِرَة على الدُّنْيَا وَإِن أهل بَيْتِي سيلقون بعدِي بلَاء وتشريدا وتطريدا)
وَأخرج ابْن عَسَاكِر (إِن أول النَّاس هَلَاكًا قُرَيْش وَأول هَلَاك قُرَيْش هَلَاك أهل بَيْتِي)
وَنَحْوه للطبراني وَأبي يعلى
وَاعْلَم أَنه يتَأَكَّد فِي حق النَّاس عَامَّة وَأهل الْبَيْت خَاصَّة رِعَايَة أُمُور
الأول الاعتناء بتحصيل الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة فَإِنَّهُ لَا فَائِدَة فِي نسب من غير علم وَدَلَائِل الْحَث على الاعتناء بالعلوم الشَّرْعِيَّة وآدابها وآداب الْعلمَاء والمتعلمين وتفصيل ذَلِك كُله ظَاهر مَعْرُوف منكتب الْأَئِمَّة فَلَا نطول بِهِ
الثَّانِي ترك الْفَخر بِالْآبَاءِ وَعدم التعويل عَلَيْهِم من غير اكْتِسَاب للعلوم الدِّينِيَّة
فقد قَالَ تَعَالَى ﴿إِن أكْرمكُم عِنْد الله أَتْقَاكُم﴾ الحجرات ١٣ وَفِي البُخَارِيّ وَغَيره أَنه ﷺ سُئِلَ أَي النَّاس أكْرم فَقَالَ (أكْرمهم عِنْد الله أَتْقَاهُم)
[ ٢ / ٥٢٩ ]
وروى ابْن جرير وَغَيره (إِن الله لَا يسألكم عَن أحسابكم وَلَا أنسابكم يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا عَن أَعمالكُم إِن أكْرمكُم عِنْد الله أَتْقَاكُم)
وروى أَحْمد أَنه ﷺ قَالَ (أنظر فَإنَّك لست بِخَير من أَحْمَر وَلَا أسود إِلَّا أَن تفضله بتقوى)
وَأخرج ايضا من جملَة خطبَته ﷺ وَهُوَ بمنى (يَا أَيهَا النَّاس إِن ربكُم وَاحِد وَإِن أَبَاكُم وَاحِد وَلَا فضل لعربي على عجمي وَلَا لأحمر على أسود إِلَّا بالتقوى خَيركُمْ عِنْد الله أَتْقَاكُم)
وَأخرج الْقُضَاعِي وَغَيره مَرْفُوعا (من أَبْطَأَ بِهِ عمله لم يسْرع بِهِ نسبه)
وَهُوَ فِي مُسلم من جملَة حَدِيث
[ ٢ / ٥٣٠ ]
وَسبق فِي هَذَا الْبَاب تَخْصِيصه ﷺ لأهل بَيته بالحث على تقوى الله وخشيته وتحذيرهم على أَن لَا يكون أحد اقْربْ إِلَيْهِ مِنْهُم بالتقوى يَوْم الْقِيَامَة وَأَن لَا يؤثروا الدُّنْيَا على الْآخِرَة اغْتِرَارًا بأنسابهم وَأَن أولياءه ﷺ يَوْم الْقِيَامَة المتقون من كَانُوا حَيْثُ كَانُوا
وَقد ذكر أهل السّير أَن زيد بن مُوسَى الكاظم خرج على الْمَأْمُون فظفر بِهِ فَأرْسلهُ إِلَى أَخِيه الْآتِي عَليّ الرِّضَا فوبخه بِكَلَام كثير من جملَته مَا أَنْت قَائِل لرَسُول الله ﷺ إِذا سفكت الدِّمَاء وأخفت السَّبِيل وَأخذت المَال من غير حلّه أغرك حمقى أهل الْكُوفَة وَأَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (إِن فَاطِمَة قد أحصنت فرجهَا فَحرم الله ذريتها على النَّار) هَذَا لمن خرج من بَطنهَا مثل الْحسن وَالْحُسَيْن فَقَط لَا لي وَلَك وَالله مَا نالوا ذَلِك إِلَّا بِطَاعَة الله فَإِن أردْت أَن تنَال بِمَعْصِيَة الله مَا نالوه بِطَاعَة الله إِنَّك إِذا لأكرم على الله مِنْهُم انْتهى
فَتَأمل ذَلِك فَمَا أعظم موقعه مِمَّن وَفقه الله من أهل هَذَا الْبَيْت المكرم فَإِن من يتَأَمَّل ذَلِك مِنْهُم لم يغتر بنسبه وَرجع إِلَى الله سُبْحَانَهُ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ مِمَّا لم يكن عَلَيْهِ المتقدمون الْأَئِمَّة من آبَائِهِ واقتدى بهم فِي عظم مآثرهم وزهدهم وعباداتهم وتحليهم بالعلوم السّنيَّة وَالْأَحْوَال الْعلية والخوارق الجلية أعَاد الله من بركتهم وحشرنا فِي زمرة محبيهم آمين
[ ٢ / ٥٣١ ]
وَأخرج أَبُو نعيم عَن مُحَمَّد الْجواد الْآتِي ابْن عَليّ الرِّضَا الْمُتَقَدّم آنِفا أَنه سُئِلَ عَن حَدِيث (إِن فَاطِمَة أحصنت فرجهَا)
الحَدِيث الْمَذْكُور فَقَالَ بِمَا مر عَن أَبِيه ذَاك خَاص بالْحسنِ وَالْحُسَيْن
وَلما اسْتَشَارَ زيد أَبَاهُ زين العابدين فِي الْخُرُوج نَهَاهُ وَقَالَ أخْشَى أَن تكون الْمَقْتُول المصلوب بِظهْر الْكُوفَة أما علمت أَنه لَا يخرج أحد من ولد فَاطِمَة على أحد من السلاطين قبل خُرُوج السفياني إِلَّا قتل فَكَانَ كَمَا قَالَ أَبوهُ كَمَا مرت قصَّته فِي هَذَا الْبَاب
وَأخرج أَحْمد وَغَيرهَا مَا حَاصله أَنه ﷺ كَانَ إِذا قدم من سفر أَتَى فَاطِمَة وَأطَال الْمكْث عِنْدهَا فَفِي مرّة صنعت لَهَا مِسْكين من ورق وقلادة وقرطين وسترا لباب بَيتهَا فَقدم ﷺ وَدخل عَلَيْهَا ثمَّ خرج وَقد عرف الْغَضَب فِي وَجهه حَتَّى جلس على الْمِنْبَر فظنت أَنه إِنَّمَا فعل ذَلِك لما رأى مَا صَنعته فَأرْسلت بِهِ إِلَيْهِ ليجعله فِي سَبِيل الله فَقَالَ (فعلت فداها أَبوهَا ثَلَاث مَرَّات لَيست الدُّنْيَا من مُحَمَّد وَلَا من آل مُحَمَّد وَلَو كَانَت الدُّنْيَا تعدل عِنْد الله فِي الْخَيْر جنَاح بعوضة مَا سقى مِنْهَا كَافِرًا شربة مَاء) ثمَّ قَامَ فَدخل ﷺ عَلَيْهَا زَاد أَحْمد أَنه ﷺ أَمر ثَوْبَان أَن يدْفع ذَلِك إِلَى بعض أَصْحَابه وَبِأَن يَشْتَرِي لَهَا قلادة من عصب وسوارين من عاج وَقَالَ (إِن هَؤُلَاءِ أهل بَيْتِي وَلَا أحب أَن يَأْكُلُوا طَيِّبَاتهمْ فِي حياتهم الدُّنْيَا)
[ ٢ / ٥٣٢ ]
فَتَأمل ذَلِك تَجِد الْكَمَال لَيْسَ إِلَّا بالتحلي بالزهد والورع والدأب فِي الطَّاعَات والتخلي عَن سَائِر الرذالات وَلَيْسَ فِي التحلي بِجمع الْأَمْوَال ومحبة الدُّنْيَا والترفع بهَا إِلَّا غَايَة المتاعب والنقائص والمثالب وَلَقَد طلق عَليّ الدُّنْيَا ثَلَاثًا وَقَالَ لقد رقعت مدرعتي هَذِه حَتَّى استحييت من راقعها
وَمر فِي فضائله طرف من ذَلِك
الثَّالِث تَعْظِيم الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ لأَنهم خير الْأُمَم بِشَهَادَة قَوْله تَعَالَى ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ آل عمرَان ١١٠ وَخير هَذِه الْأمة بِشَهَادَة الحَدِيث الْمُتَّفق على صِحَّته (خير الْقُرُون قَرْني)
وَقد قدمت فِي الْمُقدمَة الأولى من هَذَا الْكتاب من الْأَحَادِيث الدَّالَّة على فَضلهمْ وكمالهم وَوُجُوب محبتهم واعتقاد كمالهم وبراءتهم من النقائص والجهالات وَالْإِقْرَار على بَاطِل مَا تقر بِهِ الْعُيُون وتزول بِهِ عَمَّن أَرَادَ الله توفيقه وهدايته مَا توالى عَلَيْهِ من المحن والغبون والفتون فاحذر أَن تكون إِلَّا مَعَ السوَاد الْأَعْظَم من هَذِه الْأمة أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَأَن تتخلف مَعَ أُولَئِكَ المتخلفين عَن الكمالات إخْوَان الأهوية والبدع والضلال والحمق والجهالات فَلَا ينفعك حِينَئِذٍ نسب وَرُبمَا سلبت الْإِسْلَام فألحقت بِأبي جهل وَأبي لَهب
الرَّابِع اعْلَم أَن مَا أُصِيب بِهِ الْحُسَيْن رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي يَوْم
[ ٢ / ٥٣٣ ]
عَاشُورَاء كَمَا سَيَأْتِي بسط قصَّته إِنَّمَا هُوَ الشَّهَادَة الدَّالَّة على مزِيد حظوته ورفعته ودرجته عِنْد الله وإلحاقه بدرجات أهل بَيته الطاهرين فَمن ذكر ذَلِك الْيَوْم مصابه لم يَنْبغ أَن يشْتَغل إِلَّا بالاسترجاع امتثالا لِلْأَمْرِ وإحرازا لما رتبه تَعَالَى عَلَيْهِ بقوله ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِم صلوَات من رَبهم وَرَحْمَة وَأُولَئِكَ هم المهتدون﴾ الْبَقَرَة ١٥٧ وَلَا يشْتَغل ذَلِك الْيَوْم إلابنلاء وَنَحْوه من عظائم الطَّاعَات كَالصَّوْمِ وإياه ثمَّ إِيَّاه أَن يشْغلهُ ببدع الرافضة من النّدب والحزن والنياحة والحزن إِذْ لَيْسَ ذَلِك من أَخْلَاق الْمُؤمنِينَ وَإِلَّا لَكَانَ يَوْم وَفَاته ﷺ أولى بذلك وَأَحْرَى أَو ببدع الناصبة المتعصبين على أهل الْبَيْت أَو الْجُهَّال المقابلين الْفَاسِد بالفاسد والبدعة بالبدعة وَالشَّر بِالشَّرِّ من إِظْهَار غَايَة الْفَرح وَالسُّرُور واتخاذه عيدا وَإِظْهَار الزِّينَة فِيهِ كالخضاب والاكتحال وَلبس جَدِيد الثِّيَاب وتوسيع النَّفَقَات وطبخ الْأَطْعِمَة والحبوب الْخَارِجَة عَن الْعَادَات واعتقادهم أَن ذَلِك من السّنة والمعتاد وَالسّنة ترك ذَلِك كُله فَإِنَّهُ لم يرد فِي ذَلِك شَيْء يعْتَمد عَلَيْهِ وَلَا أثر صَحِيح يرجع إِلَيْهِ
وَقد سُئِلَ بعض أَئِمَّة الحَدِيث وَالْفِقْه عَن الْكحل وَالْغسْل والحناء وطبخ الْحُبُوب وَلبس الْجَدِيد وَإِظْهَار السرُور يَوْم عَاشُورَاء فَقَالَ لم يرد فِيهِ حَدِيث صَحِيح عَنهُ ﷺ وَلَا عَن أحد من أَصْحَابه وَلَا استحبه أحد من أَئِمَّة الْمُسلمين لَا من الْأَرْبَعَة وَلَا من غَيرهم وَلم يرد فِي الْكتب الْمُعْتَمدَة فِي ذَلِك لَا صَحِيح وَلَا ضَعِيف وَمَا قيل (إِن من اكتحل يَوْمه لم يرمد ذَلِك الْعَام وَمن
[ ٢ / ٥٣٤ ]
اغْتسل لم يمرض كَذَلِك وَمن وسع على عِيَاله فِيهِ وسع الله عَلَيْهِ سَائِر سنته) وأمثال ذَلِك مثل فضل الصَّلَاة فِيهِ وَأَنه فِيهِ تَوْبَة آدم واستواء السَّفِينَة على الجودي وإنجاء إِبْرَاهِيم من النَّار وإفداء الذَّبِيح بالكبش ورد يُوسُف على يَعْقُوب فَكل ذَلِك مَوْضُوع إِلَّا حَدِيث التَّوسعَة على الْعِيَال لَكِن فِي سَنَده من تكلم فِيهِ فَصَارَ هَؤُلَاءِ لجهلهم يتخذونه موسما وَأُولَئِكَ لرفضهم يتخذونه مأتما وَكِلَاهُمَا مخطىء مُخَالف للسّنة كَذَا ذكر ذَلِك جَمِيعه بعض الْحفاظ
وَقد صرح الْحَاكِم بِأَن الاكتحال يَوْمه بِدعَة مَعَ رِوَايَته خبر (إِن من اكتحل بالإثمد يَوْم عَاشُورَاء لم ترمد عينه أبدا) لكنه قَالَ إِنَّه مُنكر وَمن ثمَّ أوردهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي الموضوعات من طَرِيق الْحَاكِم
قَالَ بعض الْحفاظ وَمن غير تِلْكَ الطَّرِيق وَنقل الْمجد اللّغَوِيّ عَن الْحَاكِم أَن سَائِر الْأَحَادِيث فِي فَضله غير الصَّوْم وَفضل الصَّلَاة فِيهِ والإنفاق والخضاب والادهان والاكتحال وطبخ الْحُبُوب وَغير ذَلِك كُله مَوْضُوع ومفترى
وَبِذَلِك صرح ابْن الْقيم أَيْضا
[ ٢ / ٥٣٥ ]
فَقَالَ حَدِيث الاكتحال والادهان والتطيب يَوْم عَاشُورَاء من وضع الْكَذَّابين وَالْكَلَام فِيمَن خص يَوْم عَاشُورَاء بالكحل وَمَا مر من أَن التَّوسعَة فِيهِ لَهَا أصل هُوَ كَذَلِك فقد أخرج حَافظ الْإِسْلَام الزين الْعِرَاقِيّ فِي أَمَالِيهِ من طَرِيق الْبَيْهَقِيّ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (من وسع على عِيَاله وَأَهله يَوْم عَاشُورَاء وسع الله عَلَيْهِ سَائِر سنته)
ثمَّ قَالَ عقبه هَذَا حَدِيث فِي إِسْنَاده لين لكنه حسن على رَأْي ابْن حبَان وَله طَرِيق آخر صَححهُ الْحَافِظ أَبُو الْفضل مُحَمَّد بن نَاصِر وَفِيه زيادات مُنكرَة
وَظَاهر كَلَام الْبَيْهَقِيّ أَن حَدِيث التَّوسعَة حسن على رَأْي غير ابْن حبَان أَيْضا فَإِنَّهُ رَوَاهُ من طرق عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة مَرْفُوعا ثمَّ قَالَ وَهَذِه الْأَسَانِيد وَإِن كَانَت ضَعِيفَة لَكِنَّهَا إِذا ضم بَعْضهَا إِلَى بعض أحدثت قُوَّة وإنكار ابْن تَيْمِية أَن التَّوسعَة لم يرد فِيهَا شَيْء عَنهُ ﷺ وهم لما علمت وَقَول أَحْمد إِنَّه حَدِيث لَا يَصح
أَي لذاته فَلَا يَنْفِي كَونه حسنا لغيره وَالْحسن لغيره يحْتَج بِهِ كَمَا بَين فِي علم الحَدِيث
[ ٢ / ٥٣٦ ]
الْخَامِس يَنْبَغِي لكل أحد أَن يكون لَهُ غيرَة على هَذَا النّسَب الشريف وَضَبطه حَتَّى لَا ينتسب إِلَيْهِ ﷺ أحد إِلَّا بِحَق وَلم تزل أَنْسَاب أهل الْبَيْت النَّبَوِيّ مضبوطة على تطاول الْأَيَّام وأحسابهم الَّتِي بهَا يتميزون مَحْفُوظَة عَن أَن يدعيها الْجُهَّال واللئام قد ألهم الله من يقوم بتصحيحها فِي كل زمَان وَمن يعتني بِحِفْظ تفاصيلها فِي كل أَوَان خُصُوصا أَنْسَاب الطالبيين والمطلبيين وَمن ثمَّ وَقع الِاصْطِلَاح على اخْتِصَاص الذُّرِّيَّة الطاهرة ببني فَاطِمَة من بَين ذَوي الشّرف كالعباسيين والجعافرة بِلبْس الْأَخْضَر إِظْهَارًا لمزيد شرفهم قيل وَسَببه أَن الْمَأْمُون أَرَادَ أَن يَجْعَل الْخلَافَة فيهم أَي وَيدل عَلَيْهِ مَا يَأْتِي فِي تَرْجَمَة عَليّ الْجواد من أَنه عهد إِلَيْهِ بالخلافة فَاتخذ لَهُم شعارا أَخْضَر وألبسهم ثيابًا خضرًا لكَون السوَاد شعار العباسيين وَالْبَيَاض شعار سَائِر الْيَهُود فِي آخر الْأَمر ثمَّ انثنى عزمه عَن ذَلِك ورد الْخلَافَة لبني الْعَبَّاس فَبَقيَ ذَلِك شعار الْأَشْرَاف العلويين من بني الزهراء لكِنهمْ اختصروا الثِّيَاب إِلَى قِطْعَة ثوب خضراء تُوضَع على عمائمهم شعارا لَهُم ثمَّ انْقَطع ذَلِك إِلَى أَوَاخِر الْقرن الثَّامِن ثمَّ فِي سنة ثَلَاث وَسبعين وَسَبْعمائة أَمر السُّلْطَان الْأَشْرَف شعْبَان بن حُسَيْن بن النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون أَن يمتازوا على النَّاس بعصائب خضر على العمائم فَفعل ذَلِك بِأَكْثَرَ الْبِلَاد كمصر
[ ٢ / ٥٣٧ ]
وَالشَّام وَغَيرهمَا وَفِي ذَلِك يَقُول ابْن جَابر الأندلسي الْأَعْمَى نزيل حلب وَهُوَ صَاحب شرح ألفية ابْن مَالك الْمُسَمّى بالأعمى والبصير
(جعلُوا لأبناء الرَّسُول عَلامَة إِن الْعَلامَة شَأْن من لم يشهر)
(نور النُّبُوَّة فِي كريم وُجُوههم يُغني الشريف عَن الطّراز الْأَخْضَر)
وَقَالَ فِي ذَلِك جمَاعَة من الشُّعَرَاء مَا يطول ذكره وَمن أحْسنه قَول الأديب مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم ابْن بركَة الدِّمَشْقِي المزين
(أَطْرَاف تيجان أَتَت من سندس خضر بأعلام على الْأَشْرَاف)
(والأشرف السُّلْطَان خصهم بهَا شرفا ليعرفهم من الْأَطْرَاف)
هَذَا وَقد ورد التحذير الْعَظِيم عَن الانتساب إِلَى غير الْآبَاء وَأَنه كَافِر مَلْعُون فَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ
[ ٢ / ٥٣٨ ]
(من انتسب إِلَى غير أَبِيه أَو تولى إِلَى غير موَالِيه فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ) وَالْأَحَادِيث فِي ذَلِك كَثِيرَة مَشْهُورَة فَلَا نطيل بذكرها أعاذنا الله من الْكَذِب عَلَيْهِ وعَلى أنبيائه وأوليائه وحشرنا فِي زمرة أهل هَذَا الْبَيْت النَّبَوِيّ الْمُعظم المكرم فإننا من محبيهم وخدمة جنابهم وَمن أحب قوما رجى أَن يكون مَعَهم بِنَصّ الحَدِيث الصَّحِيح وَهَذَا هُوَ علالة الضَّعِيف المقصر مثلي عَن أَن يعْمل بأعمال الصَّادِقين أَو يتحلى بعلي أَحْوَال المخلصين لَكِن سَعَة الرَّجَاء فِي مواهب ذِي الْجلَال وَالْإِكْرَام تفيض إِن شَاءَ الله علينا غَايَة الْقبُول والإنعام إِنَّه أكْرم كريم وأرحم رَحِيم
[ ٢ / ٥٣٩ ]