فصل
قال العراقي: (ومنها: ما ذكر في "صحيح البخاري" من رواية أنس بن مالك ﵁ من استسقاء عمر بن الخطاب ﵁ في زمن خلافته بالعباس عم النبي ﷺ، لما اشتد القحط عام الرمادة، فسقوا، وفي "المواهب اللدنية" للعلامة القسطلاني: أن عمر ﵁ لما استسقى بالعباس ﵁ قال: يا أيها الناس، إن رسول الله ﷺ كان يرى للعباس ما يرى الولد للوالد، فاقتدوا به في عمه العباس، واتخذوه وسيلة إلى الله تعالى) .
والجواب أن نقول: قد ثبت في "صحيح البخاري" عن أنس: أن عمر استسقى بالعباس بن عبد المطلب، وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقينا، فيسقون.
قال شيخ الإسلام: فاستسقوا به، كما كانوا يستسقون بالنبي ﷺ في حياته، وهو أنهم يتوسلون بدعائه وشفاعته،
[ ٥٥١ ]
فيدعو لهم، ويدعون معه، كالإمام والمأمومين، من غير أن يكونوا يقسمون على الله بمخلوق، كما ليس لهم أن يقسم بعضهم على بعض بمخلوق، ولما مات النبي ﷺ توسلوا بدعاء العباس، واستسقوا به، ولهذا قال الفقهاء: يستحب الاستسقاء بأهل الخير والدين، والأفضل أن يكونوا من أهل بيت النبي ﷺ.
وقد استسقى معاوية بيزيد بن الأسود الجرشي، وقال: اللهم إنا نستسقي بيزيد بن الأسود، يا يزيد: ارفع يديك، فرفع يديه، ودعا، ودعا الناس، حتى أمطروا، وذهب الناس.
ولم يذهب أحد من الصحابة إلى قبر نبي ولا غيره يستسقي عنده، ولا به. انتهى.
فهذا هو التوسل المشروع، وهذا هو المنقول عن الصحابة، لا كما يلفقه هؤلاء الغلاة من الأحاديث الموضوعة، التي لا تثبت بها الأحكام الشرعية.
وأما ما ذكره عن القسطلاني في "المواهب اللدنية" فلا شك أنه من الموضوعات، لأنه لم يذكره بسند يعتمد على مثله، وفي "المواهب اللدنية" من الموضوعات، والأحاديث المعلولة، والأقوال المردودة، ما لا يحصى، فلا يعتمد على مثل هذا النقل، والله أعلم.
[ ٥٥٢ ]