فصل
قال العراقي: (الثاني: أن المشركين اعتقدوا أن تلك الآلهة تستحق العبادة، بخلاف المسلمين فإنهم لم يعتقدوا أن أحدًا من المتوسلين بهم مستحق لأقل عبادة، وليس عندهم المستحق للعبادة إلا الله وحده) .
والجواب أن نقول: هذه العبادة التي صرفها المشركون الأولون لآلهتهم هي ما يفعله المشركون من عباد القبور في هذه الأزمان سواء بسواء، وإن زعموا أن هذا توسل، فالعبرة بالحقائق لا بالأسماء.
فإن المشركين الأولين ما زعموا أن آلهتهم التي عبدوها من دون الله من الأنبياء والأولياء والصالحين والملائكة، شاركوا الله في خلق السموات والأرض، أو استقلوا بشيء من التدبير والتأثير والإيجاد، ولو في خلق ذرة من الذرات، ولا أنهم مستحقون للعبادة، وإنما كانوا يدعونهم ويلتجئون إليهم، ويسألونهم على وجه التوسل بجاههم وشفاعتهم، ليقربوهم إلى الله زلفى.
[ ٤٠٦ ]
ويقال لهذا الملحد أيضًا:
لايخلو معتقد هذه الأفعال عن أحد ثلاثة أمور: إما أن يعتقد أنهم مستحقون للعبادة من دون الله، أو مع الله. وإما أن لا يعتقد ذلك، لكن ليقربوهم إلى الله زلفى. وإما أن لا تكون هذه الأفعال عبادة.
فإن كان أراد أن هذه الأفعال١ ليست بعبادة؛ فقد كابر العقل والشرع، وباهت في الضروريات.
وإن كان أراد بها ليقربوهم إلى الله زلفى، مع اعتقادهم أن الله هو النافع الضار، المدبر لجميع الأمور، وأنه لا خالق إلا الله، فهذا هو شرك الجاهلية.
وإن أراد أنهم مستحقون للعبادة من دون الله، أو مع الله، كان هذا أعظم من شرك الجاهلية، فإن هذا شرك في الربوبية والألوهية معًا.
فإذا عرفت أن هذا الشرك الذي يسميه هؤلاء توسلًا وتشفعًا بجاه النبي ﷺ أو بحقه، وغير ذلك من الألفاظ، أو بجاه غير النبي ﷺ كالملائكة والأولياء والصالحين، وهو أن يعتقد أحدهم في غير الله أنه بذاته يقدر على جلب منفعة لمن دعاه، أو استغاث به، أو دفع مضرة، أو أن
_________________
(١) ١ سقطت "الأفعال" من ط الرياض.
[ ٤٠٧ ]
هذا١ يحصل ببركته وشفاعته كان هذا هو العبادة التي لا يستحقها إلا الله، فإن العبادة التي لا يستحقها إلا الله مع الإقرار بتوحيد الربوبية هي أفعال العبد الصادرة منه، كالدعاء والحب والخوف والرجاء والخضوع، والخشوع والإنابة والتوكل والمحبة، والتعظيم والاستغاثة والدعاء والالتجاء والاستعانة، والاستعاذة والذبح والنذر، وغير ذلك من أنواع العبادة التي اختص الله٢ بها دون من سواه، وهو المستحق لها دون من عداه، فمن صرف منها شيئًا لغير الله كان مشركًا، سواء اعتقد التأثير فيمن٣ يدعوه ويستغيث به، أو أنه مستحق لذلك، أو غير مستحق، أو لم يعتقد ذلك، وإن فر من تسمية فعله ذلك٤ شركًا، وتألهًا وعبادة، فإنه من المعلوم عند كل عاقل أن حقائق الأشياء لا تتغير بتغير أسمائها، فلا تزول هذه المفاسد بتغير أسمائها، كتسمية عبادة غير الله توسلًا وتشفعًا أو تبركًا، وتعظيمًا للصالحين، وتوقيرًا، فإن الاعتبار بحقائق الأمور لا بالأسماء
_________________
(١) ١ سقطت "هذا" من ط الرياض. ٢ سقطت "الله" من ط الرياض. ٣ في ط الرياض: "فيما". ٤ سقطت "ذلك" من ط الرياض.
[ ٤٠٨ ]
والاصطلاحات، والحكم يدور مع الحقيقة وجودًا وعدمًا، لا مع الأسماء.
فقوله عن مشركي هذا الزمان: (إنهم لا يعتقدون أن أحدًا منهم بتوسله يزعم أنهم مستحقون لأقل عبادة) تمويه وسفسطة من هذا العراقي، لأن المستحق للعبادة هو الذي تألهه القلوب محبة، وإجلالًا وتعظيمًا فمن تأله غير الله فقد اعتقد أنه مستحق للعبادة بتألهه إياه بأنواع هذه العبادة، شاء أم أبى، ولا ينفعه إقراره أن المستحق للعبادة هو الله وحده، وهو يشرك به غيره.
وأما قوله: (الثالث أن المشركين عبدوا تلك الآلهة بالفعل، كما قال تعالى حكاية عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، والمسلمون ما عبدوا الأنبياء والصالحين في توسلهم إلى الله تعالى) .
فالجواب أن يقال: إن المشركين عبدوا تلك الآلهة بالفعل الصادر منهم، كالدعاء والحب والخوف والتعظيم والرجاء والاستغاثة، والاستعاذة والذبح لهم، والنذر والالتجاء إليه، فصرفوا لهم هذه العبادة، ليشفعوا لهم عند الله، وليقربوهم إلى الله زلفى، وهكذا حال
[ ٤٠٩ ]
مشركي هذه الأزمان، إنما عبدوهم بالفعل والاعتقاد فيهم، وتوسلوا بهم، وقصدوهم لأجل التبرك بهم، والاستشفاع بجاههم، لا لأجل أنهم مستحقون للعبادة، ولا أنهم مستقلون بالخلق والإيجاد، والنفع والضر -وأيضًا- فإن مجرد ارتكاب فعل أو قول، أو اعتقاد لغير الله، مما يعد من العبادة من الدعاء والذبح -وما تقدم ذكره- موقع في الإشراك، سواء وجد معه اعتقاد ألوهية غير الله أم لا.
وأما قوله: (الرابع: إن المشركين قصدوا بعبادة أصنامهم التقرب إلى الله تعالى، كما حكى الله، وأما المسلمون فلم يقصدوا بتوسلهم بالأنبياء وغيرهم التقرب إلى الله تعالى لما أن التقرب إليه لا يكون إلا بالعبادة، ولذلك قال الله حكاية عن المشركين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، بل المسلمون قصدوا التبرك والاستشفاع بهم، والتبرك بالشيء غير التقرب به، كما لا يخفى) .
فالجواب أن نقول: وهكذا حال مشركي العرب مع أوثانهم، إنما كانوا يعتقدون حصول البركة منها، بتعظيمها ودعائها والاستغاثة بها، والاعتماد عليها في حصول ما يرجونه منها، ويؤملونه ببركتها وشفاعتها، وغير ذلك،
[ ٤١٠ ]
فالتبرك بالصالحين أو بقبورهم، كالتبرك باللات، وبالأشجار والأحجار، كالعزى ومناة، من جملة فعل أولئك المشركين، مع تلك الأوثان، فمن فعل مثل ذلك، واعتقد في قبر أو صاحبه، أو حجر أو شجر، فقد ضاهى عباد هذه الأوثان فيما كانوا يفعلونه معها من هذا الشرك، على أن الواقع من هؤلاء المشركين في هذه الأزمان مع معبوديهم أعظم مما وقع من أولئك، فمن دعا غير الله، واستغاث به ولجأ إليه، وصرف له شيئًا من خالص حق الله، كان هذا الفعل منه بهذا القصد شركًا، بدليل ما رواه الترمذي، وصححه عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله ﷺ: "الله أكبر إنها السنن، قلتم -والذي نفسي بيده- كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، لتتبعن سنن من كان قبلكم" ١.
_________________
(١) ١ اخرجه أحمد في المسند ٥/٢١٨، والترمذي في كتاب الفتن من جامعه ٤/٤٧٥، والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف ١١/١١٢، والاقتضاء لشيخ الإسلام ١/١٤٦، والشافعي كما في بدائع المنن ٢٣، والطيالسي في مسنده ص ١٩١، وعبد الرزاق في المصنف ١١/٣٦٩، وابن أبي شيبة في المصنف ١٥/١٠١، والحميدي في المسند ٢/٣٧٥، وابن أبي عاصم في السنة ١/٣٧، والمروزي في السنة ص ١١-١٢، والطبراني في الكبير ٣/٢٧٥-٢٧٦، وابن حبان في صحيحه -الإحسان- ٨/٢٤٨، والبيهقي في دلائل النبوة ٥/١٢٤-١٢٥، وفي المعرفة ١/١٠٨، وابن إسحاق -كما في سيرة ابن هشام- ٤/٧٠-٧١، والبغوي في تفسيره ٣/٥٤٤ –حاشية ابن كثير- جميعهم عن سنان بن أبي سنان عن أبي واقد الليثي به.
[ ٤١١ ]
فقوله: "وينوطون بها أسلحتهم" أي يعلقونها للبركة، ففي هذا بيان أن عبادتهم لها بالتعظيم والعكوف والتبرك، وبهذه الأمور الثلاثة عبدت الأشجار ونحوها، فظنوا أن هذا الأمر محبوب عند الله، فقصدوا التقرب به، فأقسم ﷺ أن طلبتهم كطلبة بني إسرائيل، بجامع أن كلا طلبه أن يجعل له ما يألهه ويعبده من دون الله، وإن اختلف اللفظان، فالمعنى واحد، فتغيير الاسم لا يغير الحقيقة.
ففي هذا الحديث دلالة واضحة على أن طلبتهم من النبي ﷺ أن يجعل لهم ذات أنواط، يتبركون بها، كطلبة بني إسرائيل من موسى أن يجعل لهم إلهًا، فأقسم ﷺ أن مقالة هؤلاء كمقالة أولئك سواء بسواء، وإذا كان القصد من الشرك بالشيء -كالتبرك مثلًا- هو القصد من التأله به، كان الكل عبادة يتقرب بها إلى الله، فالفرق بين العبادتين
[ ٤١٢ ]
لاختلاف اللفظين تحكم بغير دليل، فقد اتضح عدم الفرق في هذه القضية، فانجلت الشبهة العراقية.
وأما قوله: (الخامس: أن المشركين لما كانوا يقصدون أن الله تعالى جسم في السماء، أرادوا بقولهم: ليقربونا إلى الله زلفى. التقرب الحقيقي، ويدل عليه تأكيده بقولهم: (زلفى) إذ تأكيد الشيء بما ظاهره معناه يدل في الأكثر على أن المقصود به هو المعنى الحقيقي دون المجازي، فإذا قلنا: قلته قتلًا، تبادر القتل الحقيقي إلى الفهم، لا الضرب الشديد، بخلاف ما لو قلنا: قلته فقط. فإنه قد يراد به الضرب الشديد، وأما المسلمون فحيث لم يقصدوا أن الله جسم في السماء، بعد منهم أن يطلبوا التقرب الحقيقي إليه بالتوسل، فلا ينطبق عليهم حكم الآية) .
نعم. إن الوهابية لما اعتقدت أن الله تعالى جسم استوى على عرشه في السماء، لم تجد للتبرك الذي قصده المسلمون بتوسلهم معنى غير التقرب الذي يكون إلى الأجسام، ولذلك جعلت هذه الآية منطبقة عليهم) .
فالجواب أن يقال: قد كان من المعلوم أن مشركي
[ ٤١٣ ]
الجاهلية لا يعرفون من لفظ الجسم ما أحدثه هؤلاء المتأخرون من أنه مركب إما من المادة والصورة، أو من الجواهر المنفردة، أو ما تركب من أجزاء متفرقة، ولا كانوا يعرفون ما أحدثه هؤلاء من لفظ "الأعراض" و"الأغراض" و"الأبعاض" و"الحيز" و"الجهة". وإنما يعرف هذا عن١ ورثة المجوس، والمشركين وضلال اليهود، والنصارى والصابئين، وأفراخ المتفلسفة، وأتباع الهند، واليونان، وأما العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، فإن الجسم معناه في لغتهم البدن الكثيف، الذي لا يسمى في اللغة جسم سواه، فلا يقال للهواء جسم لغة، ولا للنار ولا للماء.
وإذا كان ذلك كذلك، كان هذا المعنى منفيًا عن الله تعالى عقلًا وسمعًا.
وكذلك ما يعني هؤلاء الملاحدة بالجسم أنه مركب إما٢ من المادة والصورة والهيولي، أو من الجواهر المنفردة٣، أو من الأجزاء المتفرقة: منفي عن الله تعالى باتفاق من أثبته ومن نفاه من العقلاء، حتى في الممكنات.
فإذا تمهد هذا فالكفار الجهال كانوا أصح عقولًا،
_________________
(١) ١ في ط الهند "من". ٢ سقطت "إما" من ط الرياض. ٣ في النسختين: (الفردة) .
[ ٤١٤ ]
وأسلم فطرًا من ورثة المتفلسفة، والصابئين، وأنباط فارس، والروم، فإنهم كانوا يعلمون بفطرهم التي فطروا عليها أن الله الذي خلقهم وأوجدهم: فوق السماء، كما قال ﷺ لحصين الخزاعي: "كم كنت تعبد؟ " قال: سبعة، ستة في الأرض وواحد في السماء. قال: "من كنت تعد لرغبتك ورهبتك؟ " قال: الذي في السماء١.
وكانوا إذا لجئوا إلى الله ودعوه رفعوا أبصارهم وأيديهم إلى السماء. ومن أشعارهم قول أمية بن أبي الصلت الثقفي، الذي أنشد للنبي ﷺ فاستحسنه، وقال: "آمن شعره وكفر٢ قلبه" قال٣:
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي في سننه كتاب الدعوات ٥/٥١٩ من طريق أبي معاوية عن شبيب بن شيبة عن الحسن البصري عن عمران بن حصين الحديث. وقال عقبه: هذا حديث غريب. وقد روى هذا الحديث عن عمران بن حصين من غير هذا الوجه. اهـ. وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير من هذا الطريق أيضًا، واختصر المتن ٣/٣. وأخرجه أحمد في المسند ٤/٤٤٤ من طريق منصور عن ربعي بن حراش عن عمران بن حصين أو غيره الحديث، وليس فيه سؤال النبي ﷺ، وفيه زيادة في الدعاء الذي قاله النبي ﷺ له. وأخرجه الحاكم من هذا الطريق أيضًا، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين وأقره الذهبي. المستدرك ١/٥١٠. ٢ في ط الرياض "وكفن". ٣ ذكره الذهبي في العلو ص: ٤٢-٤٣ وقال: إسناده منقطع. ورواه ابن عبد البر في التمهيد ٤/٧، وابن عساكر الكنز ١/١٥٢٤، وتهذيب تاريخ دمشق ٣/١٢٤. وروى البخاري ومسلم: "كاد أمية أن يسلم".
[ ٤١٥ ]
مجدوا الله فهو للمجد أهل ربنا في السماء أمسى كبيرًا
بالبناء الأعلى الذي سبق النا س وسوى فوق السماء سريرا
شرجعًا ما يناله بصر العـ ـين ترى دونه الملائك صورا
وقول عبد الله بن رواحة ﵁ حين قال:
شهدت بأن وعد الله حق وأن النار مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمينا١
وإذا كان العرب يعرفون بفطرهم أن الله فوق السماء، ولا كانوا يعرفون ما أحدثه هؤلاء من لفظ الجسم على اصطلاحهم الحادث الملعون، واختلافهم في ذلك، كان تفريعًا باطلًا على تأصيل باطل مخترع، فكان٢ من المعلوم
_________________
(١) ١ ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب ٣/٩٠٠-٩٠٢ ط البجاوي، وقال: (قصته مشهورة رويناها من وجوه صحاح)، وأسنده الذهبي في السير ١/٢٣٧-٢٣٨ وقال في العلو ص: ٤٢ وجوهه مرسلة. ٢ في ط الرياض: "وكان".
[ ٤١٦ ]
أن المشركين إنما اتخذوا من دونه أولياء يعبدونهم إنما هو بطلب القربة والمنزلة عند الله، بشفاعة من يعبدونه، والقربى هي المنزلة، فكان من المعلوم أنهم ما طلبوا منزلة مجازية لا حقيقة لها في الخارج.
قال البغوي ﵀ في تفسير هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاء﴾ [الزمر: ٣]، يعني: الأصنام ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ [الزمر: ٣]، أي قالوا ما نعبدهم: ﴿إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]،وكذلك قرأ ابن مسعود وابن عباس. قال قتادة: وذلك أنهم كانوا إذا قيل لهم: من ربكم ومن خلقكم، ومن خلق السموات والأرض؟ قالوا: الله، فيقال لهم: فما معنى عبادتكم الأوثان؟ قالوا: ليقربونا إلى الله زلفى. أي قربى، وهو اسم أقيم مقام المصدر، كأنه قال: إلا ليقربونا إلى الله تقريبًا ويشفعوا لنا عند الله.
وبهذا يندفع توهم هذا العراقي أن التقرب بالمعنى المجازي، لا على المعنى الحقيقي، لأنه لا يعتقد أن الله على عرشه، بائن من خلقه، فلذلك ظن أن١ المشركين كانوا يعتقدون أن الله في السماء على عرشه فوق خلقه، وإذا كان على عرشه فوق خلقه كان جسمًا، وقد بينا فيما
_________________
(١) ١ سقطت "أن" من ط الرياض.
[ ٤١٧ ]
تقدم بطلان ما توهمه من اللوازم التي أحدثوها، ما أنزل الله بها من سلطان ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣] .
وإذا تبين لك ما قدمناه، كان حكم الآية منطبقًا١ على هؤلاء المشركين، الذين يزعم هذا الملحد أنهم مسلمون.
وأيضًا فإن هذا الملحد، ومن نحا نحوه من المشركين، حيث أنكروا التقرب الحقيقي، فمرادهم أنه ليس فوق السموات رب، ولا على العرش إله، ولا يشار إليه بالأصابع إلى فوق إشارة حسية، كما أشار إليه أعلم الخلق به، ولا ينزل منه شيء، ولا يصعد إليه شيء، ولا تعرج الملائكة والروح إليه، ولا رفع المسيح إليه، ولا عرج برسول الله ﷺ إليه حقيقة، ولا يتقرب إليه بشيء، ولا يقرب منه أحد، لأنه يلزم على هذا عندهم أن يكون جسمًا، وقد علم بالاضطرار أن الله لا سمي له، ولا كفو له، ولا مثل له، فإنه أحد صمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، فلا ننفي عن الله ما أثبته لنفسه لتسمية الملاحدة أعداء الله ورسوله للموصوف بها جسمًا، وهؤلاء الضلال قد جمعوا بين الشرك في الإلهية، وبين تعطيل الرب عن صفات كماله، ونعوت جلاله، فكان المشركون
_________________
(١) ١ في ط الهند "منطبق".
[ ٤١٨ ]
الأولون أخف شركًا منهم، لأنهم ما أنكروا علو الله على عرشه، ولا عطلوه من صفات كماله.
[ ٤١٩ ]