فصل
قال العراقي: (وأما ما تمسكت به الوهابية من النقول التي تثبت الإشارة إليه تعالى فهي ظواهر ظنية لا تعارض اليقينيات، فتؤول إما إجمالًا، ويفوض تفصيلها إلى الله كما عليه أكثر السلف، وإما تفصيلًا كما هو رأي الأكثرين، فما ورد من الإشارة إليه في السماء محمول على أنه تعالى خالق السماء، وأن السماء مظهر قدرته لما اشتملت عليه من العوالم العظيمة التي لم تكن أرضنا الحقيرة إلا ذرة بالنسبة إليها، وكذلك العروج إليه تعالى هو بمعنى العروج إلى موضع يتقرب إليه بالطاعات فيه، إلى غير ذلك من التأويلات) .
فالجواب أن نقول: قد كان من المعلوم أن طريقة الوهابية التمسك بكتاب الله وسنة رسوله، وأقواله سلف الأمة وأئمتها، فيثبتون ما أثبته الله ورسوله، وينفون ما نفاه الله ورسوله، ولا يعتقدون صواب ما ذهب إليه المتكلمون من تأويل آيات الصفات وأحاديثها، حيث
[ ٢٩٧ ]
قالوا إن نصوص الكتاب والسنة ظواهر ظنية لا تعارض اليقينيات، وما أشبه ذلك من التمويهات. وهذا الضرب من الناس هم الذين كثر في باب الدين اضطرابهم، وغلظ عن معرفة الله حجابهم، وإذا كان أدلة الكتاب والسنة ظواهر ظنية لا تعارض العقليات اليقينية فهلا قال رسول الله ﷺ يومًا من الدهر أو أحد من سلف الأمة: إن هذه الآيات والأحاديث ظواهر ظنية، فلا تعتقدوا ما دلت عليه، ولكن اعتقدوا الذي تقتضيه عقولكم ومقاييسكم، أو أولوها بكذا وكذا فإنه الحق، وما خالفه ظاهره فلا تعتقدوا ظاهره، وانظروا فيما وافق قياس عقولكم فاعتقدوه، لأن العقل مقدم على النقل إذ هو أصله؟!
ثم كيف يجوز أن يقال في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ما يعلم زيد وعمرو بعقله أنه باطل، وأن يكون كل من اشتبه عليه شيء مما أخبر به النبي ﷺ قدم رأيه على نص الرسول ﷺ في أنباء الغيب، وما أخبر به عن ربه، وما وصف به من صفات كماله ونعوت جلاله، بمجرد رأيه بدون الاستهداء بهدي الله، والاستضاءة بنور الله الذي أرسل به رسله، وأنزل به كتبه، مع علم كل أحد بقصوره، وتقصيره في هذا الباب، وبما وقع فيه الأكثرون من الاضطراب، ففي الجملة النصوص الثابتة في الكتاب والسنة لا يعارضها معقول قط، ولا يعارضها إلا ما فيه
[ ٢٩٨ ]
اشتباه واضطراب، وما علم أنه حق لا يعارضه ما فيه اضطراب واشتباه لم يعلم أنه حق، بل نقول قولًا عامًا كليًا: إن النصوص الثابتة عن رسول الله ﷺ لم يعارضها قط صريح معقول فضلًا عن أن يكون مقدمًا عليها، وإنما الذي يعارضها شبه وخيالات مبناها على معان متشابهة، وألفاظ مجملة، فمتى وقع الاستفسار والبيان ظهر أن ما عارضها شبة سوفسطية لا براهين عقلية.
ثم كيف تكون أدلة كتاب الله وسنة رسوله ظواهر ظنية، وقد جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره عن علي١ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إنها ستكون فتن" قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: "كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل، ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس٢ به الألسن، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبة، ولا يشبع منه العلماء ". وفي رواية: "ولا تختلف به الآراء، هو
_________________
(١) ١ في جميع النسخ: "عن عمار"، والصواب: أن الحديث من مسند علي بن أبي طالب ﵁. ٢ في ط: المنار والرياض: "تلبس".
[ ٢٩٩ ]
الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا. يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾، ومن قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم" ١.
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي في سننه –أبواب ثواب القرآن- باب ما جاء في فضل القرآن ٨/١١٢-١١٣ ط استانبول. من طريق حمزة الزيات عن أبي المختار الطائي عن ابن أبي الحارث الأعور عن الحارث عن علي به. وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وإسناده مجهول. وفي الحارث مقال اهـ. قال الحافظ ابن كثير في فضائل القرآن: لم ينفرد به حمزة الزيات، فقد رواه محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب عن الحارث، فبرئ حمزة من عهدته، على أنه وإن كان ضعيفًا الحديث فإنه إمام في القرآءة. والحديث مشهور من رواية الحارث وقصارى هذا الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وقد وهم بعضهم في رفعه. وهو كلام حسن صحيح، على أنه قد روي له شاهد عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ اهـ. وذكر ابن الأثير في جامع الأصول عن عمر بن الخطاب قال: نزل جبريل على رسول الله ﷺ فأخبره أنها ستكون فتن. قال: "فما المخرج منها يا جبريل"، قال فذكره نحوه. قال ابن الأثير: أخرجه رزين. اهـ. قال الشيخ الإمام محدث العصر العلامة محمد ناصر الدين الألباني حفظه الله تعالى: هذا حديث جميل المعنى، ولكن إسناده ضعيف، فيه الحارث الأعور، وهو لين، بل اتهمه بعض الأئمة بالكذب، ولعل أصله موقوف على علي ﵁ فأخطأ الحارث فرفعه إلى النبي ﷺ اهـ من تعليقه على الطحاوية.
[ ٣٠٠ ]
وهذا الملحد يقول: إن لأدلة الكتاب والسنة ظواهر ظنية لا تعارض اليقينيات، واليقينيات عنده نحاتة أفكار الفلاسفة، وفروخ اليونان، وورثة المجوس، وزبالة أذهانهم.
فالحمد لله الذي أخذ بنواصي الوهابية فلم يسكلوا طريقة هؤلاء المغضوب عليهم والضالين، بل سلك بهم طريقة أصحاب رسول الله ﷺ، وسلف الأمة وأئمتها، فلله الحمد لا نحصي ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني عليه أحد من خلقه.
قال شمس الدين ابن القيم رحمه الله تعالى في "إغاثة اللهفان": ومن حيله ومكايده الكلام الباطل، والآراء المتهافتة، والخيالات المتناقضة، التي هي زبالة الأذهان، ونحاتة الأفكار، والزبد الذي تقذف به القلوب المظلمة المتحيرة التي تعدل الحق بالباطل، والخطأ بالصواب، قد تقاذفت بها أمواج الشبهات، ورانت عليها غيوم الخيالات، فركبها القيل والقال، والشك والتشكيك، وكثرة الجدال، ليس لها حاصل من اليقين يعول عليه، ولا معتقد مطابق للحق يرجع إليه ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾
[ ٣٠١ ]
[الأنعام: ١١٢]، فقد اتخذوا لأجله ذلك القرآن مهجورًا، وقالوا من عند أنفسهم منكرًا من القول وزورًا، فهم في شكهم يعمهون، وفي حيرتهم يترددون، نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، واتبعوا ما تلته الشياطين على ألسنة أسلافهم من أهل الضلال فهم إليه محاكمون، وبه مخاصمون، فارقوا الدليل ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] .
ومن كيده بهم وتحيله على إخراجهم من العلم والدين: أن ألقى على ألسنتهم أن لكلام الله ورسوله ظواهر لفظية لا تفيد اليقين، وأوحى إليهم أن القواطع العقلية، والبراهين اليقينية، في المناهج الفلسفية والطرق الكلامية، فحال بينهم وبين اقتباس الهدي واليقين من مشكاة القرآن، وأحالهم على منطق يونان، وعلى ما عندهم من الدعاوى الكاذبة العرية عن البرهان، وقال لهم: تلك علوم قديمة صقلتها العقول والأذهان، ومرت عليها القرون والأزمان، فانظر كيف تلطف بكيده ومكره حتى أخرجهم من الإيمان كما أخرج الشعرة من العجين. انتهى١.
_________________
(١) ١ ١/١٨٧-١٨٨ ط المكتب الإسلامي.
[ ٣٠٢ ]
وأما قوله: (فتؤول إما إجمالًا ويفوض تفصيلها إلى الله تعالى كما عليه أكثر السلف) .
فالجواب أن نقول: قد أجاب عن هذا الكلام شيخ الإسلام قدس الله روحه، فقال:
ثم الكلام في هذا الباب عنهم أكثر من أن يمكن تسطيره في هذه الفتوى وأضعافها، يعرف ذلك من طلبه وتتبعه، ولا يجوز أيضًا أن يكون الخالفون أعلم من السابقين، كما يقوله بعض الأغبياء ممن لا يعرف قدر السلف، بل ولا عرف الله ورسوله والمؤمنين به حقيقة المعرفة المأمور بها: من أن طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم.
فإن هؤلاء المبتدعين الذين يفضلون طريقة الخلف من المتفلسفة ومن حذا حذوهم على طريقة السلف، إنما أوتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨] .
وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المعروفة عن حقائقها بأنواع المجازات، وغرائب اللغات.
[ ٣٠٣ ]
فهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالات التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهر، وقد كذبوا على طريقة السلف، وضلوا في تصويب طريقة الخلف، فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم، وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف.
وسبب ذلك اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص بالشبهات الفاسدة التي شاركوا فيها إخوانهم من الكافرين، فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر، وكان مع ذلك لا بد للنصوص من معنى بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى، وهي التي يسمونها طريقة السلف، وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع التكلف، وهي التي يسمونها طريقة الخلف، فصار هذا الباطل مركبًا من فساد العقل والكفر بالسمع، فإن النفي إنما اعتمدوا فيه على أمور عقلية ظنوها بيّنات وهي شبهات، والسمع حرفوا فيه الكلام عن مواضعه.
فلما ابتنى أمرهم على هاتين المقدمتين الكفريتين الكاذبتين، وكانت النتيجة استجهال السابقين، واستبلاههم، واعتقاد أنهم كانوا قومًا أميين بمنزلة الصالحين العامة، لم يتجردوا في حقائق العلم بالله، ولم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهي، وأن الخلف الفضلاء حازوا قصب السبق في هذا كله –إلى أن قال-:
[ ٣٠٤ ]
ثم هؤلاء المتكلمون المخالفون للسلف إذا حقق عليهم الأمر لم يوجد عندهم من حقيقة العلم بالله وخالص المعرفة له خبر، ولم يقفوا من ذلك على عين ولا أثر، كيف يكون هؤلاء المحجوبون المنقوصون المسبوقون الحيارى المتهوكون أعلم بالله وأسمائه وصفاته، وأحكم في باب ذاته وآياته من السابقين الأولين والمهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان من ورثة الأنبياء، وخلفاء الرسل، وأعلام الهدى، ومصابيح الدجى، الذين بهم قام الكتاب وبه نطق الكتاب وبه نطقوا، الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء، فضلًا عن سائر الأمم الذين لا كتاب لهم، وأحاطوا من حقائق المعارف، وبواطن الحقائق، وبما لو جمعت حكمة غيرهم إليها لاستحيا من يطلب المقابلة؟
ثم كيف يكون خير قرون الأمة أنقص في العلم والحكمة -لا سيما العلم بالله وأحكام أسمائه وآياته- من هؤلاء الأصاغر بالنسبة إليهم؟ أم كيف يكون أفراخ المتفلسفة وأتباع الهند واليونان، وورثة المجوس والمشركين، وضلال اليهود والنصارى والصابئين، وأشكالهم وأشباههم، أعلم بالله من ورثة الأنبياء وأهل القرآن. –وذكر كلامًا طويلًا- إلى أن قال:
فإن كان الحق فيما يقوله هؤلاء السالبون النافون
[ ٣٠٥ ]
للصفات الثابتة في الكتاب والسنة من هذه العبارات ونحوها دون ما يفهم من الكتاب والسنة إما نصًا وإما ظاهرًا فكيف يجوز على الله ثم على رسوله، ثم على خير الأمة، أنهم يتكلمون دائمًا بما هو نص أو ظاهر في خلاف الحق، ثم الحق الذي يجب اعتقاده لا يبوحون به قط، ولا يدلون عليه لا نصًا ولا ظاهرًا، حتى يجيء أنباط فارس والروم وفروخ اليهود والنصارى والفلاسفة يبينون للأمة العقيدة الصحيحة التي يجب على كل مكلف أو فاضل أن يعتقدها؟ لئن كان١ ما يقوله هؤلاء المتكلمون المتكلفون هو الاعتقاد الواجب، وهم مع ذلك أحيلوا في معرفته على مجرد عقولهم، وأن يدفعوا بما اقتضى قياس عقولهم ما دل عليه الكتاب والسنة نصًا أو ظاهرًا، لقد كان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير، بل كان وجود الكتاب والسنة ضررًا محضًا في أصل الدين، فإن حقيقة الأمر على ما يقوله هؤلاء أنكم يا معشر العباد لا تطلبوا معرفة الله ﷿ وما يستحقه من الصفات نفيًا وإثباتًا من الكتاب، ولا من السنة، ولا من طريق سلف الأمة، ولكن انظروا أنتم فما وجدتموه مستحقًا له من الصفات فصفوه به، سواء كان موجودًا في الكتاب والسنة،
_________________
(١) ١ في جميع النسخ: (لأن كل)، والتصويب من الفتوى الحموية لابن تيمية رحمه الله تعالى.
[ ٣٠٦ ]
أو لم يكن موجودًا، وما لم تجدوه مستحقًا له في عقولكم فلا تصفوه به.
ثم هم ههنا فريقان أكثرهم يقولون: ما لم تثبته عقولكم فانفوه، ومنهم من يقول: بل توقفوا فيه، وما نفاه قياس عقولكم الذي أنتم فيه مختلفون ومضطربون اختلافًا أكثر من جميع الاختلاف على وجه الأرض فانفوه، وإليه عند التنازع فارجعوا، فإنه الحق الذي تعبدتكم به، وما كان مذكورًا في الكتاب والسنة مما يخالف قياسكم هذا أو يثبته ما لم تدركه عقولكم على طريقة أكثرهم فاعلموا أني امتحنتكم بتنزيله١ لا لتأخذوا الهدى منه، لكن لتجتهدوا في تخريجه على شواذ اللغة، ووحشي الألفاظ، وغرائب الكلام، وأن تسكتوا عنه مفوضين علمه إلى الله مع نفي دلالته على شيء من الصفات. هذا حقيقة الأمر على رأي هؤلاء المتكلمين إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى.
وقال أيضًا في "موافقة العقل الصحيح للنقل الصريح": وهؤلاء الذين يعارضون الكتاب والسنة بأقوالهم بنوا أمرهم على أصل فاسد: وهو أنهم جعلوا أقوالهم التي ابتدعوها هي الأقوال المحكمة التي جعلوها أصول دينهم،
_________________
(١) ١ في النسخ: أني أمتحنكم لا لتعلموا بتنزيله ولا لتأخذوا الهدي منه والمثبت من الحموية.
[ ٣٠٧ ]
وجعلوا قول الله ورسوله من المجمل الذي لا يستفاد منه علم ولا هدى، فجعلوا المتشابه من كلامهم هو المحكم، والمحكم من كلام الله ورسوله هو المتشابه، كما جعل الجهمية من المتفلسفة والمعتزلة ونحوهم ما أحدثوه من الأقوال التي نفوا بها صفات الله، ونفوا بها رؤيته في الآخرة، وعلوه على خلقه، وكون القرآن كلامه، ونحو ذلك، جعلوا تلك الأقوال محكمة، وجعلوا قول الله ورسوله مؤولًا أو مردودًا، أو غير ملتفت إليه، ولا متلقى للهدى منه، فتجدهم يقولون: ليس بجسم، ولا جوهر، ولا عرض، ولا له كم ولا كيف، ولا تحله الأعراض والحوادث، ونحو ذلك، وليس بمباين للعالم، ولا خارج عنه إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى.
وسيأتي الكلام على مسألة التفويض وبطلان قول من زعم أن هذه طريقة السلف.
وبما ذكرناه هنا من كلام أهل العلم يتبين لكل منصف بطلان تأويل هذا الملحد بقوله: (فما ورد من الإشارة إليه في السماء محمول على أنه تعالى خالق السماء، أو أن السماء مظهر قدرته، لما اشتملت عليه من العوالم العظيمة التي لم تكنأرضنا الحقيرة إلا ذرة بالنسبة إليها، وكذلك العروج إليه تعالى هو بمعنى العروج إلى موضع يتقرب إليه بالطاعات فيه) . إلى غير ذلك من
[ ٣٠٨ ]
التأويلات، وأنه بهذا قد خرج عن سبيل المؤمنين، وانتحل طريقة المتكلمين، الذين ليس لهم قدم صدق في العالمين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
ثم من العجب أنه يدعي تعظيم رسول الله ﷺ، ويرمي الوهابية المعظمين له في الحقيقة بالتنقص للنبي ﷺ، وهو قد تنقص رسول الله ﷺ، وهضمه أعظم الهضم، وأشد التنقص: بزعمه أنه لم يعرج برسول الله ﷺ إلى١ الله بذاته إلى أن٢ وصل فوق السماء السابعة، ورأى من آيات ربه الكبرى ما رأى، وأنه ما زاغ منه البصر وما طغى، لكماله ﵊، فلله الحمد على ما من به من الإيمان بالله، وبما أخبر به على لسان رسوله ﷺ على ما يليق بالله وبنعوت جلاله وعظمته.
_________________
(١) ١ في ط الرياض: "إلى أن الله". ٢ سقطت: "أن" من ط الرياض.
[ ٣٠٩ ]