فصل
كان أهل عصره ومصره في تلك الأزمان قد اشتدت غربة الإسلام بينهم، وعفت آثار الدين لديهم، وانهدمت قواعد الملة الحنيفية، وغلب على الأكثرين ما كان عليه أهل الجاهلية، وانطمست أعلام الشريعة في ذلك الزمان، وغلب الجهل والتقليد والإعراض عن السنة والقرآن، وشب الصغير وهو لا يعرف من الدين إلا ما كان عليه أهل تلك البلدان، وهرم الكبير على ما تلقاه عن الآباء والأجداد، وأعلام الشريعة مطموسة، ونصوص التنزيل وأصول السنة فيما بينهم مدروسة، وطريقة الآباء والأسلاف مرفوعة الأعلام، وأحاديث الكهان والطواغيت مقبولة غير مردودة ولا مدفوعة، قد خلعوا ربقة التوحيد والدين، وجدوا واجتهدوا في الاستغاثة والتعلق على غير الله من الأولياء والصالحين، والأوثان والأصنام والشياطين، وعلماؤهم ورؤساؤهم على ذلك مقبلون، ومن البحر١ الأجاج شاربون، وبه٢ راضون، وإليه مدى الزمان
_________________
(١) ١ في الأصل: "بحر الإجاج". ٢ سقطت "و" من الأصل.
[ ٢١ ]
داعون، قد أعشتهم العوائد والمألوفات، وحبستهم الشهوات والإرادات، عن الارتفاع إلى طلب الهدى من النصوص المحكمات، والآيات البينات، يحتجون بما رروه١ من الآثار الموضوعات، والحكايات المختلفة والمنامات، كما يفعله أهل الجاهلية وغبر الفترات. وكثير منهم يعتقد النفع في الأحجار والجمادات، ويتبركون بالآثار والقبور في جميع الأوقات ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، [الحشر:١٩]، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾، [الأنعام:١]، ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٢-٣٣] .
فأما بلاد نجد.
فإنه قد بالغ الشيطان في كيدهم وجد، وكانوا ينتابون قبر زيد بن الخطاب، ويدعونه رغبًا ورهبًا بفصيح الخطاب، ويزعمون أنه يقضي لهم الحوائج، ويرونه من أكبر الوسائل والولائج.
وكذلك عند قبر يزعمون أنه قبر ضرار بن الأزور وذلك كذب ظاهر وبهتان مزور.
_________________
(١) ١ في الأصل: "روده".
[ ٢٢ ]
وكذلك عندهم نخل فحال١ ينتابه النساء والرجال، ويفعلون عنده أقبح الفعال، والمرأة إذا تأخر عنها الزواج، ولم ترغب فيها الأزواج، تذهب إليه وتضمه٢ بيديها، وتدعوه برجاء وابتهال، وتقول: يا فحل الفحول، أريد زوجًا قبول الحول.
وشجرة عندهم تسمى الطريفية٣ أغراهم الشيطان بها، وأوحى إليهم التعلق عليها، وأنها ترجب منها البركة، ويعلقون عليها الخرق لعل الولد يسلم من السوء.
وفي أسفل بلدة الدرعية مغارة في الجبل يزعمون أنها انفلقت٤ من الجبل لامرأة تسمى بنت الأمير، أراد بعض الناس أن يظلمها ويضير، فانفلق٥ الغار ولم يكن له
_________________
(١) ١ هو ذكر النخل الذي يلقح به حوائل النخل. يقال له: الفحل. والفحال. ولا يقال لغير الذكر من النخل فحال. قاله ابن سيده. وأنشد: يطفن بفحال كأن ضبابه بطون الموالي يوم عيد تفدّت ينظر اللسان لابن منظور ٥/٣٣٥٨. ٢ في الأصل: "فتضمه". ٣ في الأصل: "الطريقة". وذكر الشيخ حسين بن غنام في تاريخه ١/٧ ط الحجرية أنها: شجرة الطرفية. ٤ في الأصل: "انفتقت". ٥ في ط المنار: "فانفلقت"، وفي ط الرياض" فانفلجب".
[ ٢٣ ]
عليها اقتدار، وكانوا يرسلون إلى هذا المكان من اللحم والخبز ما يقتات به جند الشيطان.
وفي بلدتهم رجل يدّعي الولاية، يسمى "تاج" يتبركون به، ويرجون منه العون والإفراج، وكانوا يأتون إليه، ويرغبون فيما عنده من المدد بزعمهم ولديه، فتخافه الحكام والظلمة، ويزعمون أن له تصرفًا وفتكًا بمن١ عصاه وملحمة، مع أنهم يحكون عنه الحكايات الشنيعة، التي تدل على انحلاله عن أحكام الملة والشريعة.
وهكذا سائر بلاد نجد، على ما وصفنا من الإعراض عن دين الله والجحد لأحكام الشريعة والرد.
ومن العجب أن هذه الاعتقادات الباطلة، والمذاهب الضالة، والعوائد الجائرة، والطرائق الخاسرة، قد فشت وظهرت، وعمت وطمت، حتى بلاد الحرمين الشريفين:
فمن ذلك ما يفعل عند قبر محجوب وقبة أبي طالب، فيأتون قبره بالسماعات والعلامات للاستغاقة عند نزول المصائب، وحلول النواكب، وكانوا له في غاية التعظيم، ولا ما يجب عند البيت الكريم، فلو دخل سارق، أو غاصب، أو ظالم قبر أحدهما لم يتعرض له أحد لما يرون له من وجوب التعظيم؛ والاحترام والمكارم.
_________________
(١) ١ في ط المنار والرياض: "لمن".
[ ٢٤ ]
ومن ذلك ما يفعل عند قبر ميمونة أم المؤمنين ﵂ في سرف. وكذلك عند قبر خديجة ﵂، يفعل عند قبرها ما لا يسوغ السكوت عنه من مسلم يرجو الله والدار الآخرة، فضلًا عن كونه من المكاسب الدينية الفاخرة، وفيه من اختلاط النساء بالرجال، وفعل الفواحش والمنكرات، وسوء الأفعال، ما لا يقره أهل الإيمان والكمال، وكذلك سائر القبور المعظمة المشرفة في بلد الله الحرام مكة المشرفة.
وفي الطائف قبر ابن عباس ﵁ يفعل عنده من الأمور الشركية التي تشمئز منها نفوس الموحدين، وتنكرها قلوب عباد الله المخلصين، وتردها الآيات القرآنية وما ثبت من النصوص عن سيد المرسلين، منها:
وقوف السائل عند القبر متضرعًا مستكينا
وإبداء الفاقة إلى معبودهم مستعينا
وصرف خالص المحبة التي هي محبة العبودية
والنذر والذبح لمن تحت ذاك المشهد والبَنِيَّة
وأكثر سوقتهم وعامتهم يلهجون بالأسواق اليوم: على الله وعليك يا ابن عباس، فيستمدون منه الرزق والغوث، وكشف الضر والبأس.
وذكر محمد بن حسين النعيمي الزبيدي ﵀: أن رجلًا رأى ما يفعل في الطائف من الشعب الشركية
[ ٢٥ ]
والوظائف، فقال: أهل الطائف لا يعرفون الله إنما يعرفون ابن عباس، فقال له بعض من يترشح بالعلم: معرفتهم لابن عباس كافية، لأنه يعرف الله. فانظر إلى هذا الشرك الوخيم، والغلو الذميم، المجانب للصراط المستقيم، ووازن بينه وبين قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] الآية. وقوله جل ذكره: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨]، وقد لعن رسول الله ﷺ اليهود والنصارى باتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد١ يعبد الله فيها، فكيف بمن عبد الصالحين ودعاهم مع الله؟! والنصوص في ذلك لا تخفى على أهل العلم.
وكذلك ما يفعل بالمدينة المشرفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام هو من هذا القبيل، بالبعد عن منهاج الشريعة والسبيل.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه –كتاب الصلاة- ١/٥٣٢ وفي الجنائز ٣/٢٠٠، وفي الأنبياء ٦/٤٩٤، وفي المغازي ٨/١٤٠، وفي اللباس ١٠/٢٧٧، ومسلم في صحيحه –كتاب المساجد ومواضع الصلاة- ١/٣٧٦-٣٧٧ عن عائشة وعبد الله بن عباس ﵃ قالا: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك: " لعنة الله على اليهود والنصاري اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما صنعوا.
[ ٢٦ ]
وفي بندر جدة ما قد بلغ من الضلال حده، وهو القبر الذي يزعمون أنه قبر حواء، وصفه لهم بعض الشياطين، وأكثروا في شأنه الإفك المبين، وجعلوا له السدنة والخدم، وبالغوا في مخالفة ما جاء به محمد عليه أفضل السلام من النهي عن تعظيم القبور، والفتنة بمن فيها من الصالحين.
وكذلك مشهد العلوي بالغوا في تعظيمه، وتوقيره، وخوفه، ورجائه.
وقد جرى لبعض التجار أنه انكسر بمال عظيم لأهل الهند وغيرهم، وذلك في سنة "عشر ومائتين وألف" فهرب إلى مشهد العلوي مستجيرًا، ولائذًا به مستغيثًا، فتركه أرباب الأموال، ولم١ يتجاسر أحد من الرؤساء والحكام على هتك ذلك المشهد والمقام، واجتمع طائفة من المعروفين واتفقوا على تنجيمه٢ في مدة سنين، فنعوذ بالله من تلاعب الفجرة والشياطين.
_________________
(١) ١ سقطت: "لم" من ط المنار والرياض. ٢ قال أحمد بن محمد المقري في المصباح المنير ٢/١١٣: وكانوا يسمون الوقت الذي يحصل فيه الأداء نجمًا تجوزا، لأن الأداء لا يعرف إلا بالنجم، ثم توسعوا حتى سموا الوظيفة نجمًا، لوقوعها في الأصل في الوقت الذي يطلع فيه النجم، واشتقوا منه فقالوا: نجمت الدين –بالتثقيل- إذا جعلته نجومًا اهـ.
[ ٢٧ ]
وأما بلاد مصر وصعيدها وأعمالها فقد١ جمعت من الأمور الشركية، والعبادات الوثنية، والدعاوي الفرعونية ما لا يتسع له كتاب، ولا يدنو له خطاب، لا سيما عند مشهد أحمد البدوي، وأمثالهم من المعتقدين والمعبودين، فقد جاوزوا بهم ما ادعته الجاهلية لآلهتهم، وجمهورهم يرى له من تدبير الربوبية، والتصريف في الكون بالمشيئة والقدرة العامة، ما لم ينقل مثله عن أحد بعد الفراعنة والنماردة.
وبعضهم يقول: يتصرف في الكون سبعة. وبعضهم يقول: أربعة، وبعضهم يقول: القطب يرجعون إليه. وكثير منهم يرى أن الأمور شورى بين عدد ينتسبون إليه، فتعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥]، وقد استباحوا عند تلك المشاهد من المنكرات والفواحش والمفاسد ما لا يمكن حصره، ولا يستطاع وصفه، واعتمدوا في ذلك من الحكايات والخرافات والجهالات ما لا يصدر عن من له أدنى مسكة وحظ من المعقولات، فضلًا عن النصوص والشرعيات.
وكذلك ما يفعل في بلدان اليمن، جارٍ على تلك الطريق والسنن.
_________________
(١) ١ في ط المنار والرياض: "قد".
[ ٢٨ ]
ففي صنعاء وبرع١ والمخا وغيرها من تلك البلاد ما يتنزه العاقل عن ذكره ووصفه، ولا يمكن الوقوف على غاياته٢ وكشفه، وناهيك بقوم استخفهم الشيطان، وعدلوا عن عبادة الرحمن إلى عبادة القبور والشياطين، فسبحان من لا يعجل بالعقوبة على الجرائم، ولا يهمل الحقوق والمظالم، وفي حضر موت، والشحر٣، وعدن، ويافع ما تستك عن ذكره المسامع، يقول قائلهم: شيء لله عيدروس. شيء لله يا محي النفوس.
وفي أرض نجران من تلاعب الشيطان، وخلع ربقة الإيمان، ما لا يخفى على أهل العلم بهذا الشأن، من ذلك رئيسهم المسمى بالسيد، لقد أتوا من طاعته وتعظيمه وتقديمه وتصديره، والغلو فيه بما أفضى بهم إلى مفارقة الملة والإسلام، والانحياز إلى عبادة الأوثان والأصنام ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا
_________________
(١) ١ بُرَع جبل بناحية زبيد باليمن، وبرع حصن من حصون ذمار باليمن. معجم البلدان ١/٣٨٤. ٢ في الأصل: "غايته". ٣ في الأصل: "الشجر"، والشحر بكسر أوله وإسكان الحاء المهملة، هو شحر عمان، وهو ساحل اليمن، وهو ممتد بينها وبين عمان. وأرض الشحر متصلة بأرض حضرموت. وتطلق على أماكن أخرى. ينظر: الروض المعطار للحميري ص ٣٣٨، ٣٣٩، ومعجم البلدان للحموي ٣/٣٢٧ ط دار بيروت.
[ ٢٩ ]
إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١] .
وكذلك حلب ودمشق وسائر بلاد الشام فيها من تلك المشاهد والنصب والأعلام؛ ما لا يجامع عليه أهل الإيمان والإسلام من أتباع سيد الأنام، وهي تقارب ما ذكرنا في الكفريات المصرية، والتلطف١ بتلك الأحوال الوثنية الشركية.
وكذلك الموصل وبلاد الأكراد، ظهر فيها من أصناف الشرك والفجور والفساد.
وفي العراق من ذلك بحره المحيط بسائر الخلجان، وعندهم المشهد الحسيني قد اتخذه الرافضة وثنًا؛ بل ربًا مدبرًا، وخالقًا ميسرًا، وأعادوا به المجوسية، وأحيوا به معاهد اللات والعزى، وما كان عليه أهل الجاهلية.
وكذلك مشهد العباس، ومشهد علي، ومشهد أبي حنيفة، ومعروف الكرخي، والشيخ عبد القادر، فإنهم قد افتتنوا بهذه المشاهد رافضتهم وسنيهم٢، وعدلوا عن أسنى المطالب والمقاصد، ولم يعرفوا ما وجب عليهم من حق الله الفرد الصمد الواحد.
_________________
(١) ١ في الأصل: "التلفظ". ٢ أطلق المؤلف عليهم لقب "السنة" لمقارنتهم بالرافضة. فهم بالنسبة للرافضة أهل سنةٍ. وذلك لاستقامة معتقدهم في الصحابة ﵃، وإلا فليسوا بأهل سنةٍ مع عبادتهم القبور!
[ ٣٠ ]
وبالجملة فهم شر تلك الأمصار، وأعظمهم نفورًا عن الحق واستكبارًا، والرافضة يصلون لتلك المشاهد، ويركعون ويسجدون لمن في تلك المعاهد، وقد صرفوا من الأموال والنذور، لسكان تلك الأجداث والقبور، ما لا يحصل عُشر معشاره للملك العلي الغفور، ويزعمون أن زيارتهم لعلي وأمثاله أفضل من سبعين حجة، تعالى الله وتقدس في مجده وجلاله. ولآلهتهم من التعظيم والتوقير والخشية والإحترام ما ليس معه من تعظيم الله وتوقيره وخشيته وخوفه شيء للإله الحق والملك العلام، ولم يبق مما عليه النصارى سوى دعوى الولدية، غير أن بعضهم يرى الحلول لأشخاص بعض البرية، سبحان ربك رب العزة عما يصفون.
وكذلك جميع قرى الشط١ والمجرة٢ على غاية من الجهل.
_________________
(١) ١ الشطوط كثيرة. قال في معجم البلدان ٣/٣٤٤: شط: بفتح أوله، وتشديد ثانيه جانب النهر: قرية في حجر اليمامة قبلتها بين "الوتر" و"العرض" قد اكتنفها حجر اليمامة. قال الحفصي: شط "فيروز" فيه نخل ومحارث لبني العنبر من اليمامة. وشط الوتر: باليمامة أيضًا الخ اهـ. وقد ذكر الأعشى "الشط" في شعره حيث يقول: شاقتك من قيلة أوطانها فالشط فالوتر إلى حاجر فركن مهراس إلى مارد فقاع مَنْفُوْحَةَ فالحائر (ينظر صحيح الأخبار ١/٢٥١، ومعجم اليمامة ٢/٥٠) ٢ ذكر في معجم البلدان ٥/٥٨: المجرة، وقال: إنه موضع.
[ ٣١ ]
والمعروف في القطيف والبحرين من البدع الرافضية، والأحداث المجوسية، والمقامات الوثنية، ما يضاد ويصادم أصول الملة الحنيفية.
فمن اطلع على هذه الأفاعيل وهو عارف بالإيمان والإسلام وما فيهما من التفريع والتأصيل، تيقن أن القوم قد ضلوا عن سواء السبيل، وخرجوا من مقتضى القرآن والدليل، وتمسكوا بزخارف الشيطان١، وأحوال الكهان، وما شبه هذا القبيل، وازداد بصيرة في دينه، وقوي بمشاهدته إيمانه ويقينه، وجد في طاعة مولاه وشكره، واجتهد في الإنابة إليه وإدامة ذكره، وبادر إلى القيام بوظائف أمره، وخاف أشد الخوف على إيمانه من طغيان الشيطان وكفره. فليس العجب ممن هلك كيف هلك، إنما العجب ممن نجا كيف نجا.
فلما تفاقم هذا الخطب وعظم، وتلاطم موج الكفر والشرك في هذه الأمة وجسم، واندرست الرسالة المحمدية، وانمحت منها المعالم في جميع البرية، وطمست الآثار السلفية، وأقيمت البدع الرفضية، والأمور الشركية.
_________________
(١) ١ حصل في الأصل هنا تقدم صفحة على أخرى.
[ ٣٢ ]
تجرد الشيخ للدعوة إلى الله، ورد هذا الناس إلى ما كان عليه سلفهم الصالح في باب العلم والإيمان، وباب العمل الصالح والإحسان، وترك التعلق على غير الله من الأنبياء والصالحين وعبادتهم، والاعتقاد في الأحجار والأشجار، والعيون والمغار، وتجريد المتابعة لرسول الله ﷺ في الأقوال والأفعال، وهجر ما أحدثه الخلوف والأغيار١.
فجادل في الله وقرر حججه وبيناته، وبذل نفسه لله، وأنظر على أصناف بني آدم، الخارجين عما جاءت به الرسل المعرضين عنه، التاركين له.
وصنف في الرد على من عاند وجادل، وماحل٢ حتى ظهر الإسلام في الأرض، وانتشر في البلاد والعباد، وعلت كلمة الله، وظهر دينه، وانقمع أهل الشرك والفساد، واستبان لذوي الألباب والعلوم من دين الإسلام ما هو مقرر معلوم.
_________________
(١) ١ أي الذين بدلوا وغيروا ما كان عليه السلف، والأغيار جمع للدية مفرده: الغير. وأصلها المغايرة وهي المبادلة لأنها بدل من القتل. قال أبو عبيدة إنما سمى الدية غيرًا فيما أرى: لأنه كان يجب القود فغير القود دية. فسميت الدية غيرًا. وأصله من التغيير. ينظر: اللسان لابن منظور ٥/٣٣٢٥-٣٣٢٦. ٢ أي جادل وخاصم. ينظر القاموس ٤/٢١٠ –الترتيب.
[ ٣٣ ]
فهذه حقيقة حال الشيخ ونشأته، وظهور دعوته، وهذه حال أهل الأمصار في تلك الأوقات والأعصار، كما تقدم بيانه لذوي العقول والأبصار.
فمن شرح الله صدره للإسلام تبين له صحة ما دعا إليه هذا الإمام، ومن عمي عن طريق رشده وهداد، واتبع فيما ينتحله ما يهواه١، وتمرد على الله واستكبر وعتا٢ وتجبر، فإنما الهداية بيد الله ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] .
وبما ذكرناه يعرف كيفية الجواب عما تقدم من فاتحة كتاب هذا العراقي إلى مبدأ نشأة الشيوخ وظهور دعوته، وإنما تركنا الجواب لعدم المصلحة الراجحة في ذلك.
_________________
(١) ١ في الأصل: "فهواه". ٢ في الأصل: "وعني".
[ ٣٤ ]