فصل
قال العراقي: (ومنها ما رواه ابن ماجه بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من خرج من بيته إلى الصلاة، فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا إليك، فإني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا، ولا رياء، ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تنقذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. أقبل الله عليه بوجهه، واستغفر له سبعون ألف ملك" فقد توسل النبي ﵊ في قوله: "إني أسألك بحق السائلين عليك" بكل عبد مؤمن، وأمر أصحابه أن يدعوا بهذا الدعاء، فيتوسلوا مثل توسله، ولم يزل السلف من التابعين ومن تبعهم يستعملون هذا الدعاء عند خروجهم إلى الصلاة، ولم ينكر عليهم أحد) .
الجواب أن يقال: هذا الحديث رواه عطية العوفي، وفي ضعف.
[ ٥٣٢ ]
قال شيخ الإسلام: لكن بتقدير ثبوته، هو من هذا الباب، فإن حق السائلين عليه سبحانه أن يجيبهم، وحق المطيعين له أن يثيبهم، فالسؤال له، والطاعة له سبب لحصول إجابته وإثابته، فهو من التوسل به، والتوجه به، والتسبب به، ولو قدر أنه قسم لكان قسمًا بما هو من صفاته، فإن إجابته وإثابته من أفعاله وأقواله، فصار هذا كقوله ﷺ في الحديث الصحيح: "أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" والاستعاذة لا تصح بمخلوق، كما نص عليه الإمام أحمد، وغيره من الأئمة إلى آخر كلامه.
فتبين من كلام الشيخ أن السؤال بحق السائلين هو إجابتهم، وسؤاله بحق الطائعين إثابتهم، فيكون السائل بهاتين الصفتين سائلًا بصفات الله، فإن الإجابة والإثابة من أفعاله وأقواله ﷾، وسؤاله بأسمائه وصفاته، والتوسل بها ثابت بالكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وفي الحديث عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن رسول الله ﷺ سمع رجلًا يقول: "اللهم إني أسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد". فقال: "دعا الله باسمه الأعظم، الذي
[ ٥٣٣ ]
إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب" رواه الترمذي وأبو داود. إلى غير ذلك من الأحاديث.
وكذلك التوسل بالأعمال الصالحة، كما ثبت ذلك بالكتاب والسنة، كما روي عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "بينما ثلاث نفر يتماشون أخذهم المطر، فمالوا إلى غار في الجبل، فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل، فأطبقت عليهم، فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالًا عملتموها لله صالحة، فادعوا الله بها، لعله يفرجها" الحديث متفق عليه وهو في الصحيحين.
فليس في حديث أبي سعيد الخدري ما يدل على ما ادعاه هذا الملحد، من التوسل بذوات الأنبياء والأولياء والصالحين فضلًا عن دعائهم والاستغاثة بهم، والالتجاء إليهم، وبهذا يتبين عدم معرفتهم بمعاني ما أنزل الله على رسوله، ومعاني كلام رسوله، وأن هذا المعترض وأشباهه أجانب من ذلك لا عهد لهم به، ولا تمييز عندهم، فالله المستعان.
[ ٥٣٤ ]