فصل
قال الملحد: (من الجهل ما قالته الوهابية هنا: من أن الشرع يحكم بالظاهر، والظاهر من نداء أحد لغير الله أنه يعتقد في ذلك الغير علمًا محيطًا بالغيب، وقدرة بالغة على قضاء الحوائج، وتصرفًا تامًا في الكون، مما هو مختص بالباري ﷿، ويكون اعتقاده في كفره كفرًا وشركًا.
قال: والجواب أن الظاهر من حال من نادى غير الله تعالى يدل على أنه نادى غير الله فقط، لا أنه اعتقد في ذلك الغير قدرة، وقضاء للحوائج، وغير ذلك مما ذكرته الوهابية، والاعتقاد أمر باطني قد يدل بعض الظاهر عليه، لكن النداء ليس من قبيلها، فقل للوهابية التي تجعل ظاهر النداء دالًا على الشرك والكفر: ما لكم لا تنظرون إلى ما للمسلم الذي تكفرونه من ظاهر الصلاة والصوم والزكاة، وغير ذلك من أركان الدين، فتعدونه دالًا على إيمانه وحسن اعتقاده. ومن العجيب أن ذلك المسلم الذي ينادي يصرح بعدم اعتقاده القدرة، وما شاكلها، لمن ناداه، وأنتم مع ذلك تجعلون ظاهر ندائه دالًا على ذلك
[ ٥٨٩ ]
الاعتقاد الذي نفاه عن نفسه، فليت شعري أي حكم لاستدلالكم بظاهر نداء الرجل على سوء اعتقاده، في مقابلة تصريحه لكم بحسن ما يعتقده) .
والجواب أن نقول: سبحان من طبع على قلوب أعدائه، حتى رأوا حسنًا ما ليس بالحسن، فإن من نادى غير الله، ودعاه والتجأ إليه، واستغاث به، لا يدعوه، ولا يلجأ إليه، ويستغيث به: إلا لما يعتقد أنه ينفعه، ويسمع دعاءه، ويغيثه لأن الاستغاثة طلب الغوث، وهو إزالة الشدة، وإذا طلب العبد هذا من غير الله فقد أشرك بالله في عبادته غيره، لأن الله هو المختص بهذه الأشياء، سواء اعتقد التأثير منه، أو لم يعتقد، فلا ينفعه ذلك مع وجود الشرك، والنداء المجرد من غير اعتقاد لا يتصور وقوعه إلا من مجذوب العقل الذي ينطق بما لا يعقل.
وأما قوله: (ما لكم لا تنظروا إلى ما للمسلم الذي تكفرونه من ظاهر الصلاة والصوم والزكاة ) إلى آخره.
فنقول: إذا أشرك بالله في عبادته غيره، لا ينفعه الصلاة والصوم والزكاة، وغيرها من الأعمال الظاهرة، ولا تدل على حسن باطنه، وهو عري من التقوى وإخلاص
[ ٥٩٠ ]
الدين لله وحده، قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣] .
يوضحه أن المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويصلون ويصومون، ويزكون ويجاهدون مع النبي ﷺ ولم يكن ظاهر الشهادتين، والصلاة والصوم، والزكاة، والجهاد، دالًا على حسن اعتقادهم، بل كانوا في الدرك الأسفل من النار، تحت عبدة الأوثان والصلبان.
وأما جعلنا ظاهر ندائه دالًا على ذلك الاعتقاد، وإن نفاه عن نفسه، فلأنه لا يكون في العقل أن من دعا غير الله لا يعتقد أنه لا يرجو بدعائه طلب نفع، أو دفع ضر، أو قضاء حاجة من يدعوه، فإذا اعتقد ذلك فيمن يدعوه فلا ينفعه أن ذلك إنما يكون ببركة من يدعوه لجاهه عند الله، وأن الله هو الفاعل لذلك خلقًا وإيجادًا، مع وجود السبب الداعي إلى الشرك، المنافي للتوحيد، لأنه لا فرق بين الدعاء والنداء، فمن دعا أو نادى غير الله فقد أشرك ذلك المنادى المدعو مع الله في عبادته، لأن المشركين الأولين لم يريدوا إلا الشفاعة بجاه من يدعونه وببركته.
[ ٥٩١ ]