فصل
قال العراقي: (تجسيم الوهابية:
إن الوهابية التي كفرت من زار قبر رسول الله ﷺ متوسلًا إلى الله تعالى، وعدت ذلك شركًا في ألوهيته، وقالت بوجوب تنزيهه تعالى قد خبطت كل الخبط في تنزيه الله تعالى، حيث أبت إلا جعل استوائه سبحانه ثبوتًا على عرشه، واستقرارًا وعلوًا فوقه، وأثبتت له الوجه واليدين، وبعضته سبحانه فجعلته ماسكًا بالسموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والملك على إصبع، ثم أثبتت له الجهة، فقالت: هو فوق السموات ثابت على العرش، يشار إليه بالأصابع إلى فوق إشارة حسية، وينزل إلى السماء الدنيا، ويصعد، قال بعضهم:
لئن كان تجسيمًا ثبوت استوائه على عرشه إني إذا لمجسم
وإن كان تشبيها ثبوت صفاته فعن ذلك التشبيه لا أتلعثم
[ ٢١٤ ]
وإن كان تنزيها جحود استوائه
وأوصافه أو كونه يتكلم
فمن ذلك التنزيه نزهت ربنا بتوفيقه والله أعلى وأعظم)
والجواب أن نقول: بل الذي خبط كل الخبط وهام في مهامه الخرط والهمط، وكشف جلباب الحياء، وسلك مسالك أهل الغي والردى، هذا العراقي الملحد، حيث جعل إثبات صفات الله ذي الجلال والإكرام تجسيمًا وتشبيهًا، ومن وصفه بها فقد بعضه، وصرح بعدم علوه على عرشه وارتفاعه عليه عنادًا وجحودًا، وتمردًا وتكبرًا وسمودًا، فتعالى الله عما يقول هذا الجاحد علوًا كبيرًا.
فأما كون الوهابية أبت إلا جعل استوائه سبحانه ثبوتًا على عرشه، واستقرارًا وعلوًا فوقه: فنعم، وبذلك أنزل الله كتبه وأرسل رسله، وأجمع على ذلك سلف الأمة وأئمتها.
فالوهابية يصفون الله تعالى بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ، من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تشبيه، ولا تمثيل، فيثبتون لله ما أثبته لنفسه من استوائه على عرشه وعلوه عليه، وأنه بائن من خلقه، ويثبتون ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، وينفون عنه النقائص
[ ٢١٥ ]
والعيوب، ومشابهة المخلوقات، إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل "فمن شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله تشبيهًا".
إذا تبين لك هذا وتحققته فنذكر من كلام الأئمة ما بيين غلط هذا الملحد، وخروجه عن الصراط المستقيم، وسلوكه طريق أصحاب الجحيم، ممن نكب عن الدين القويم، واتبع غير سبيل المؤمنين من الصحابة والتابعين والأئمة المهتدين.
قال شيخ الإسلام ﵀: ونحن نذكر من ألفاظ السلف بأعيانها وألفاظ من نقل مذهبهم إلى غير ذلك من الوجوه بحسب ما يحتمله هذا الموضع ما يعلم به مذهبهم:
روى أبو بكر البيهقي في "الأسماء والصفات" بإسناد صحيح عن الأوزاعي قال: "كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت فيه السنة من الصفات".
قال الشيخ في كتاب الفقه الأكبر المشهور عند أصحاب أبي حنيفة الذي رووه بالإسناد عن أبي مطيع بن
[ ٢١٦ ]
عبد الله١ البلخي: سألت أبا حنيفة عن الفقه الأكبر؟ فقال: لا تكفرن أحدًا بذنب، ولا تنف٢ أحدًا به من الإيمان، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. إلى أن قال:
قال أبو حنيفة عمن قال: "لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض" فقد كفر، لأن الله يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وعرشه فوق سبع سموات. قلت: فإن قال: إنه على العرش استوى، ولكنه يقول: لا أدري العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: هو كافر، لأنه أنكر أن يكون في السماء، لأنه تعالى في أعلى عليين، وأنه يدعي من أعلى لا من أسفل.
وفي لفظ: سألت أبا حنيفة عمن يقول: "لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض" قال: قد كفر قال: لأن الله يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، [وعرشه فوق سبع سموات. قال: فإنه يقول على العرش استوى] ٣. لكن لا يدري العرش في الأرض أم في
_________________
(١) ١ في الأصل: "ابن عبد". ٢ في النسخ: "لا تنفي" والمثبت من الحموية للشيخ ابن تيمية –مجموع الفتاوى ٥/٤٦. ٣ ما بين معقوفين من الحموية للشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى.
[ ٢١٧ ]
السماء؟ قال: إذًا أنكر أنه في السماء فقد كفر.
ففي هذا الكلام المشهور عن أبي حنيفة عند أصحابه أنه كفر الواقف الذي يقول: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض. فكيف يكون النافي الجاحد الذي يقول: ليس في السماء ولا في الأرض، واحتج على كفره بقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، قال: وعرشه على سبع سموات، وبين بهذا أن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] دالٌ على أن الله نفسه فوق العرش، ثم إنه أردف ذلك بتكفير من قال: إنه على العرش استوى، ولكن توقف في كون العرش في السماء أم في الأرض. قال: لأنه أنكر أنه في السماء، لأن الله في أعلى عليين، وأنه يدعي من أعلى لا من أسفل.
وهذا تصريح من أبي حنيفة بتكفير من أنكر أن يكون الله في السماء، واحتج على ذلك بأن الله في أعلى عليين، وأنه يدعي من أعلى لا من أسفل، وكل من هاتين الحجتين فطرية عقلية، فإن القلوب مفطورة على الإقرار بأن الله في العلو، وعلى أنه يدعى من أعلى لا من أسفل، وقد جاء اللفظ الآخر صريحًا عنه بذلك، فقال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر.
[ ٢١٨ ]
وروى هذا اللفظ بالإسناد عنه شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري الهروي في كتاب "الفاروق".
وروى أيضًا ابن أبي حاتم أن هشام بن عبد الله الرازي صاحب محمد بن الحسن قاضي الري الذي حبس رجلًا في التجهم فتاب، فجيء به إلى هشام ليطلقه فقال: الحمد لله على التوبة، فامتحنه هشام، فقال: أتشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه، فقال: أشهد أنه على عرشه، ولا أدري ما بائن من خلقه، فقال: ردوه إلى الحبس فإنه لم يتب.
وروي أيضًا عن يحيى بن معاذ الرازي أنه قال: إن الله على العرش بائن من الخلق، وقد أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، لا يشك في هذه المقالة إلا جهمي رديء ضليل، وهالك مرتاب، يمزج الله تعالى بخلقه ويخلظ منه الذات بالأقذار والأنتان.
وروى أيضًا عن ابن المديني لما سئل: ما قول أهل الجماعة؟ قال: يؤمنون بالرؤية والكلام، وأن الله فوق السموات على العرش استوى، فسئل عن قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، فقال: اقرأ ما قبلها: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْض﴾ [المجادلة: ٧] .
[ ٢١٩ ]
وروى أيضًا عن أبي عيسى الترمذي قال: هو على العرش كما وصف في كتابه، وعلمه وقدرته وسلطانه في كل مكان.
وروى عن أبي زرعة الرازي أنه لما سئل عن تفسير قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فقال: تفسيره كما تقرأ، هو على العرش، وعلمه في كل مكان، ومن قال غير هذا فعليه لعنة الله –إلى أن قال-:
وروى عبد الله بن أحمد وغيره بإسناد صحيح عن ابن المبارك أنه قيل له: بماذا نعرف ربنا؟ فقال: بأنه فوق السموات على عرشه، بائن من خلقه، ولا نقول كما تقول الجهمية، إنه هاهنا في الأرض.
وهكذا قال الإمام أحمد وغيره.
وروى بإسناد صحيح عن سليمان بن حرب الإمام: سمعت حماد بن زيد، وذكر هؤلاء الجهمية، فقال: إنما يحاولون أن يقولوا: ليس في السماء شيء.
وروى ابن أبي حاتم في كتاب "الرد على الجهمية" عن سعيد بن عامر الضبعي –إمام أهل البصرة علمًا ودينًا من شيوخ الإمام أحمد- أنه ذكر عنده الجهمية فقال: هم أشر١ قولًا من اليهود والنصارى، وقد اجتمع اليهود
_________________
(١) ١ في ط الرياض، والمنار: "شر".
[ ٢٢٠ ]
والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن الله على العرش، وقالوا هم: ليس على شيء.
وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة إمام الأئمة: من لم يقر أن الله فوق سمواته على عرشه، بائن من خلقه، وجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، ثم ألقي على مزبلة لئلا يتأذى بريحه أهل القبلة ولا أهل الذمة. ذكره عنه الحاكم بإسناد صحيح.
وذكر كلامًا طويلًا ثم قال:
وقال الحافظ أبو نعيم في كتاب "محجة الواثقين ومدرجة الوامقين"١تأليفه: وأجمعوا أن الله فوق سمواته، عال على عرشه، مستوٍ عليه، لا مستولٍ عليه كما تقول٢ الجهمية: إنه بكل مكان.
ثم ذكر الشيخ كلامًا إلى أن ذكر عن الشيخ الإمام أبي محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلاني قال في كتاب "الغنية": أما معرفة الصانع بالآيات والدلالات على وجه الاختصار فهو أن يعرف ويتيقن أن الله واحد أحد. إلى أن قال:
وهو بجهة العلو مستوٍ على العرش، محتو على
_________________
(١) ١ معنى الوامقين: المحبون ومنه قول الشاعر: وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا سوى أن يقولوا: إنني لك وامق ٢ في ط الرياض: "تقوله".
[ ٢٢١ ]
الملك محيط علمه بالأشياء ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُه﴾ [فاطر: ١٠] ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة:٥]، ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان، بل يقال: إنه في السماء على العرش استوى كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وذكر آيات وأحاديث إلى أن قال:
وينبغي إطلاق الاستواء من غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش. قال: وكونه على العرش مذكور في كل كتاب أنزله على كل نبي أرسل١ بلا كيف –وذكر كلامًا طويلًا لا يحتمله هذا الموضع.
وقال أبو الحسن الأشعري في الإبانة٢:
باب ذكر استواء على العرش:
فإن قال قائل ما تقولون في الاستواء؟ قيل له نقول: إن الله مستوٍ على عرشه، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وذكر آيات ثم قال: فالسموات فوقها العرش، فلما كان العرش فوق السموات قال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] لأنه مستوٍ على العرش الذي هو فوق السموات، وكل ما علا فوقه فهو سماء، فالعرش أعلى السموات. إلى أن قال:
_________________
(١) ١ في النسخ: "أنزله" والمثبت من الحموية. (ص١١٩-١٢٧) من ط الجامعة الإسلامية.
[ ٢٢٢ ]
فصل:
وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية بأن معنى قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] أنه استولى، وقهر وملك، وأن الله ﷿ في كل مكان، وجحدوا أن يكون الله على عرشه، كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى أنه القدرة، فلو كان كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة، لأن الله قادر على كل شيء، والأرض فالله قادر عليها، وعلى الحشوش، وعلى كل ما في العالم، فلو كان الله مستويًا على العرش بمعنى الإستيلاء، وهو ﷿ مستولٍ على الأشياء كلها، لكان مستويًا على العرش وعلى الأرض، وعلى السماء وعلى الحشوش والأقذار، لأنه قادر على الأشياء كلها، ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقال: إن الله مستو على الحشوش والأخلية، ولم يجز أن يكون الإستواء على العرش: الإستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معنى الإستواء يختص بالعرش دون الأشياء كلها –وذكر دلالات من القرآن والأحاديث الإجماع والعقل، انتهى.
وقال شيخ الإسلام أيضًا في الكتاب المسمى "بيان موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول":
[ ٢٢٣ ]
قال إسحاق بن راهويه: حدثنا بشر بن عمر سمعت غير واحد من المفسرين يقول: "الرحمن على العرش استوى أي ارتفع".
وقال البخاري في صحيحه: قال أبو العالية: "استوى إلى السماء" ارتفع. قال: وقال مجاهد: "استوى على العرش".
وقال الحسين بن مسعود البغوي في تفسيره المشهور: قال ابن عباس وأكثر مفسري السلف: "استوى إلى السماء: ارتفع إلى السماء" وكذلك قال الخليل بن أحمد.
وروى البيهقي في كتاب "الصفات" قال الفراء: ثم استوى أي صعد، قاله ابن عباس، وهو كقولك للرجل كان قاعدًا فاستوى قائمًا.
وروى الشافعي في مسنده عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال عن يوم الجمعة: "وهو اليوم الذي استوى فيه ربكم على العرش" ١.
_________________
(١) ١ اخرجه الشافعي في مسنده من طريق شيخه إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى. وهو متهم. وقد روى الدارقطني الحديث في كتاب "الرؤية" من طريق شيخه أبي صالح عبد الرحمن بن سعيد ومحمد بن جعفر ومحمد بن علي قال: حدثنا عبد الله بن روح المدائني حدثنا سلام بن سليمان حدثنا ورقاء وإسرائيل وشعبة وجرير بن عبد الحميد كلهم قالوا: حدثنا ليث بن عثمان بن أبي حميد عن أنس بن مالك قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أتاني جبريل وفي كفه كالمرآة البيضاء يحملها، فيها كالنكتة السوداء، فقلت: ما هذه التي في يدك يا جبريل؟ فقال: هذه الجمعة، قلت: وما الجمعة، قال لكم فيها خير كثير، قلت: وما يكون لنا فيها؟ " الحديث وليس فيه ذكر الاستواء. وقد ساقه ابن القيم بطوله في كتابيه "زاد المعاد" و"حادي الأرواح" وقال عقبه في الكتاب الثاني: هذا حديث كبير عظيم الشأن، رواه أئمة السنة وتلقوه بالقبول، وجمل به الشافعي مسنده (١/١٢٨ من الترتيب) فرواه عن إبراهيم بن محمد قال حدثني موسى بن عبيدة قال حدثني أبو الأزهر عبد الله بن عبد الله بن عمير أنه سمع أنس بن مالك فذكره بنحوه. وقد تقدم لفظه. ثم قال الشافعي: أنبأنا إبراهيم قال حدثني أبو عمران إبراهيم بن الجعد عن أنس شبيهًا به، وزاد فيه أشياء اهـ.
[ ٢٢٤ ]
والتفاسير المأثورة عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين مثل تفسير محمد بن جرير الطبري، وتفسير عبد الرحمن بن إبراهيم المعروف بدحيم، وتفسير عبد الرحمن بن أبي حاتم، وتفسير ابن المنذر، وتفسير أبي بكر عبد العزيز، وتفسير أبي الشيخ الأصبهاني، وتفسير أبي بكر بن مردويه، وما قبل هؤلاء من التفاسير، مثل تفسير أحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم، وبقي بن مخلد وغيرهم، ومن قبلهم مثل تفسير عبد بن حميد، وتفسير عبد الرزاق، ووكيع بن الجراح فيها من هذا الباب الموافق لقول المثبتين
[ ٢٢٥ ]
ما لا يكاد يحصى، وكذلك الكتب المصنفة في السنة التي فيها آثار النبي ﷺ والصحابة والتابعين.
وقال أبو محمد حرب بن إسماعيل الكرماني في مسائله المعروفة التي نقلها عن أحمد وإسحاق وغيرهما وذكر معها من الآثار عن النبي ﷺ والصحابة وغيرهم ما ذكر، وهو كتاب كبير صنفه على طريقة الموطأ ونحوه من المصنفات، قال في آخره في الجامع:
باب القول في المذهب:
هذا مذهب أئمة العلم، وأصحاب الأثر، وأهل السنة المعروفين المقتدى بهم فيها، وأدركت من أدركت من علماء أهل العراق والحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئًا من هذه المذاهب أو طعن فيها، أو عاب قائلها: فهو مبتدع، خارج عن الجماعة، زائل عن منهج السنة وسبيل الحق، وهو مذهب أحمد وإسحاق بن إبراهيم وبقي بن مخلد، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور، وغيرهم ممن جالسنا، وأخذنا منهم العلم. وذكر الكلام في الإيمان والقدر والوعيد والإمامة وما أخبر به الرسول من أشراط الساعة، وأمر البرزخ والقيامة، وغير ذلك إلى أن قال:
وهو سبحانه بائن من خلقه، لا يخلو من علمه
[ ٢٢٦ ]
مكان، ولله عرش، وللعرش حملة يحملونه، وله حد الله أعلم بحده، والله على عرشه عز١ ذكره وتعالى جده ولا إله غيره، والله تعالى سميع لا يشك بصير لا يرتاب، عليم لا يجهل، جواد لا يبخل، حليم لا يعجل، حفيظ لا ينسى، يقظان لا يسهو، رقيب لا يغفل، يتكلم ويتحرك ويسمع ويبصر، وينظر ويقبض ويبسط ويفرح ويحب، ويكره ويبغض ويرضى، ويسخط، ويغضب ويرحم، ويغفر ويعفو، ويعطي ويمنع، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء وكما شاء، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ولم يزل الله متكلمًا عالمًا فتبارك الله أحسن الخالقين، انتهى.
ولو ذهبنا نذكر أقوال أهل العلم من الأئمة لاحتمل مجلدًا ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] .
وأما تفسير الاستواء بالاستقرار فهو من تفاسير أهل السنة والجماعة، قال ابن القيم ﵀ في "الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية":
_________________
(١) ١ في ط الرياض: "عن".
[ ٢٢٧ ]
فصل:
هذا وسادس عشرها إجماع أهل العلم أعني حجة الأزمان
من كل صاحب سنة شهدت له أهل الحديث وعسكر القرآن
لا عبرة بمخالف لهمو ولو كانوا عديد الشاء والبعران
أن الذي فوق السموات العلى والعرش وهو مبائن الأكوان
هو ربنا سبحانه وبحمده حقًا على العرش استوا الرحمن
ثم ذكر أقوال الأئمة إلى أن قال:
ولهم عبارات عليها أربع قد حصلت للفارس الطعان
وهي استقر وقد علا وكذلك ار تفع الذي ما فيه من نكران
وكذاك قد صعد الذي هو رابع وأبو عبيدة صاحب الشيباني
يختار هذا القول في تفسيره أدرى من الجهمي بالقرآن
وأما قوله: (وأثبت له الوجه واليدين) .
[ ٢٢٨ ]
فأقول: قد تقدم الكلام على ذلك، وبه الكفاية.
وأما قوله: (وبعضه سبحانه، فجعله ماسكًا بالسموات على أصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على أصبع، والملك على أصبع) الخ.
فالجواب أن يقال لمن وقف على هذا الجواب عليك أولًا أن تعلم أن هذا الكلام، أعني قوله: وبعضه سبحانه ليس هو من كلام أهل السنة المحضة، الذين لم يشوبوا عقائدهم بدم التشبيه، وعذرة التحريف، ونجاسة التعطيل، بل هو من مقدرات الأفكار، ونتائج قياسات عقول أفراخ المتفلسفة، وأتباع الهند واليونان، وورثة المجوس والمشركين، وضلال اليهود والنصارى والصابئين وأشكالهم وأشباههم، الذين يزعمون أنهم ينزهون الله تعالى عن الأبعاض، والحدود والجهات، فيسمع الغر المخدوع هذه الألفاظ فيتوهم١ منها أنهم ينزهون الله عما يفهم من معانيها عند الإطلاق من العيوب والنقائص والحاجة، فلا يشك أنهم يمجدونه ويعظمونه، ويكشف الناقد البصير ما تحت هذه الألفاظ فيرى تحتها الإلحاد،
_________________
(١) ١ في ط الرياض: "يتوهم".
[ ٢٢٩ ]
وتكذيب الرسل، وتعطيل الرب تعالى عما يستحقه من كماله.
فأما الأبعاض: فمرادهم بتنزيهه١ عنها: أنه ليس له وجه ولا يدان، ولا يمسك السموات على أصبع، والأرض على أصبع، والشجر على أصبع، والماء على أصبع، فإن ذلك كله أبعاض، والله منزه عن الأبعاض، كما ذكره ابن القيم ﵀ عنهم في "الصواعق المرسلة" فإذا عرفت هذا من قيلهم وعقائد قولبهم، وأنهم إنما نزهوه عما يليق بجلاله وعظمته وكبريائه، وإحاطته بجميع مخلوقاته، وأنهم ما عرفوا الله حق معرفته، ولا قدروه حق قدره، ولا عظموه حق عظمته، فخرجوا عن المعقول ونبذوا المنقول وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، فجاء هؤلاء الضلال الغلاة والملاحدة الجهال، فتوهموا أن هذا من قول الوهابية، وأنهم خرجوا بهذا القول عن جماعة أهل السنة المحضة، وما علم هؤلاء الجهلة أن هذا صريح الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧] .
قال العماد ابن كثير رحمه الله٢: يقول الله تعالى: ما
_________________
(١) ١ في الأصل: "تنزيههم"، وفي المطبوعتين "تنزيهه"؟ ٢ في تفسيره ط الشعب ٧/١٠٣-١٠٦.
[ ٢٣٠ ]
قدر المشركون الله حق قدره حتى عبدوا معه غيره، وهو العظيم الذي لا أعظم منه، القادر على كل شيء، المالك لكل شيء وكل شيء تحت قهره وقدرته. قال السدي: ما عظموه حق عظمته، وقال محمد بن كعب: لو قدروه حق قدره ما كذبوه، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هم الكفار الذي لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم، فمن آمن أن الله على كل شيء قدير فقد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن به فلم يقدر الله حق قدره.
وقد وردت أحاديث كثيرة متعلقة بهذه الآية، الطريق فيها وفي أمثالها مذهب السلف، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف. وذكر حديث ابن مسعود الذي رواه مسلم في "صحيحه" عن ابن مسعود ﵁ قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء على إصبع، والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك. فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه لقول الحبر. قرأ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية.
وفي رواية لمسلم: "والجبال والشجر على إصبع، ثم يهزهن فيقول: أن الملك أنا الله".
[ ٢٣١ ]
وفي رواية البخاري: "يجعل السموات على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع"١.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري، تفسير من صحيحه –في تفسير سورة الزمر- باب ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ حدثنا آدم حدثنا شيبان عن منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله ﵁ قال: "جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، إنا نجد أن الله يجعل السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء على إصبع، وسائل الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك. فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقًا لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ الآية. وأخرجه البخاري أيضًا في صحيحه -كتاب التوحيد- باب قول الله ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ حدثنا مسدد سمع يحيى بن سعيد عن سفيان حدثني منصور وسليمان عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله به، وفيه: "إن الله يمسك "،"والجبال على إصبع"، "والخلائق على إصبع". قال البخاري عقبه: قال يحيى بن سعيد. وزاد فيه فضيل بن عياض عن منصور عن إبراهيم بن عبيدة عن عبد الله: فضحك رسول الله ﷺ تعجبًا وتصديقًا له. ثم أخرجه في هذا الباب حدثنا عمر بن حفص بن غياث حدثنا أبي حدثنا الأعمش سمعت إبراهيم قال سمعت علقمة يقول: قال عبد الله به وفيه "والشجر والثرى على إصبع"، "ثم يقول: أنا الملك، أنا الملك ". وأخرجه في كتاب التوحيد من صحيحه –أيضًا- باب قول الله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ حدثنا موسى حدثنا أبو عوانة عن الأعمش عن إبراهيم عن عقلمة عن عبد الله به وفيه "إن الله يضع السماء "، "والشجر والأنهار على إصبع". وأخرجه أيضًا- في باب كلام الرب ﷿ يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم من حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله به وفيه: "إذا كان يوم القيامة جعل الله "، "ثم يهزهن". وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه –كتاب صفات المنافقين وأحكامهم- ٤/٢١٤٧-٢١٤٨ رقم: ٢٧٨٦ من طريق منصور عن إبراهيم عن عبيدة السلماني عن عبد الله بن مسعود. ومن طريق الأعمش قال: سمعت إبراهيم يقول: سمعت علقمة يقول: قال عبد الله فذكره.
[ ٢٣٢ ]
قال ابن كثير ﵀: ورواه البخاري في "صحيحه" في غير موضع، ومسلم، والإمام أحمد، والترمذي، والنسائي كلهم من حديث سليمان بن مهران –وهو الأعمش- عن إبراهيم بن عبيدة، عن ابن مسعود بنحوه قال: جاء رجل من أهل الكتاب إلى النبي ﷺ فقال: يا أبا القاسم أبلغك أن الله تعالى يحمل الخلائق على إصبع، والسموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والثرى على إصبع فضحك ﷺ حتى بدت نواجذه. قال: وأنزل الله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآية.
وهكذا رواه البخاري ومسلم والنسائي من طرق١ عن الأعمش به.
_________________
(١) ١ في النسخ: "من طريق".
[ ٢٣٣ ]
وقال الإمام أحمد حدثنا الحسين بن حسن الأشقر، حدثنا أبو كدينة، عن عطاء عن أبي الضحى عن ابن عباس قال: مر يهودي برسول الله ﷺ وهو جالس فقال: كيف تقول يا أبا القاسم يوم يجعل الله السموات على ذه –وأشار بالسبابة- والأرض على ذه والجبال على ذه، وسائر الخلق على ذه، كل ذلك يشير بأصبعه. فأنزل الله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ .
وكذا رواه الترمذي في التفسير بسنده عن أبي الضحى مسلم بن صبيح به. وقال: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه١.
ثم قال: قال البخاري: حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٤/٦٩، رقم: ٢٢٦٧، والترمذي في سننه –كتاب التفسير- ٨/٣٦٨ ط استانبول، قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على السند: إسناده –أي إسناد أحمد- ضعيف، لضعف حسين بن حسن الأشقر، أبو كدينة بضم الكاف: اسمه يحيى بن المهلب البجلي، وهو ثقة، وثقه ابن معين وأبو داود والنسائي وغيرهم، وترجمه البخاري في الكبير ٤/٢/٣٠٥. ولكن الحديث صحيح، لأنه ثابت من غير وراية الأشقر. فرواه الترمذي عن الدارمي عن محمد بن الصلت عن أبي كدينة. وقال الترمذي: "حديث حسن غريب صحيح، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وأبو كدينة اسمه يحيى بن المهلب. ورأيت محمد بن إسماعيل روى هذا الحديث عن الحسن بن شجاع عن محمد بن الصلت" اهـ كلام الشيخ أحمد شاكر.
[ ٢٣٤ ]
الليث، حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يقبض الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه فيقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ " تفرد به من هذا الوجه. ورواه مسلم من وجه آخر١.
وقال البخاري في موضع آخر: حدثنا مقدم بن
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب التفسير من صحيحه ٨/٥٥١، باب ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ بالسند والمتن الذي ذكره المؤلف. وأخرجه أيضًا في كتاب الرقاق ١١/٣٧٢ باب يقبض الله الأرض يوم القيامة عن محمد بن مقاتل أخبرنا عبد الله أخبرنا يونس عن أبي سلمة حدثني سعيد بن المسيب عن أبي هريرة به. وأخرجه أيضًا في كتاب التوحيد ١٣/٣٦٧، باب قول الله تعالى: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ عن أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن سعيد –وهو ابن المسيب- عن أبي هريرة به. قال البخاري عقبه: وقال شعيب والزبيدي وابن مسافر وإسحاق بن يحيى عن الزهري عن أبي سلمة اهـ. وأخرجه أيضًا في كتاب التوحيد ١٣/٣٩٣، باب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ من جهة الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "يقبض الله الأرض". وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه –كتاب صفات المنافقين وأحكامهم ٤/٢٤١٨ رقم: ٢٧٨٧ من جهة يونس عن ابن شهاب حدثني ابن المسيب أن أبا هريرة كان يقول: فذكره وفيه "يطوي السماء".
[ ٢٣٥ ]
محمد حدثني عمي القاسم بن يحيى، عن عبيد الله عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ قال: "إن الله تعالى يقبض يوم القيامة الأرضين، وتكون السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك" تفرد به أيضًا من هذا الوجه. ورواه مسلم من وجه آخر١.
وقد رواه الإمام أحمد من طريق آخر، بلفظ أبسط من هذا السياق وأطول، فقال: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن عبيد الله بن مقسم، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب التوحيد من صحيحه ١٣/٣٣٩ باب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن الله يقبض يوم القيامة الأرض، وتكون السموات بيمينه " الحديث. قال البخاري عقبه: رواه سعيد عن مالك، وقال عمر بن حمزة: سمعت سالمًا سمعت ابن عمر عن النبي ﷺ بهذا اهـ. وأخرجه مسلم في صحيحه –كتاب صفات المنافقين وأحكامهم- ٤/٢١٤٨ من طريق عمر بن حمزة عن سالم بن عبد الله أخبرني عبد الله بن عمر قال قال رسول الله ﷺ: " يطوي الله ﷿ السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك. أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله. ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ".
[ ٢٣٦ ]
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧] ورسول الله ﷺ يقول هكذا بيده يحركها، ويقبل بها ويدبر، يمجد الرب تعالى نفسه: "أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الملك، أنا العزيز، أنا الكريم"، فرجف برسول الله ﷺ المنبر حتى قلنا: ليخرّن به١ انتهى.
وهذه الأحاديث تدل على عظمته ﷾، وتبين أن الله تعالى على عرشه، ولم يقل النبي ﷺ في شيء منها: إن ظاهرها غير مراد، وإنها تدل على تشبيه صفات الله بصفات خلقه، ولو كان هذا حقًا لبلغه أمته، فإن الله أكمل به الدين، وأتم به النعمة، فبلغ البلاغ المبين، وصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه ومن يتبعهم إلى يوم الدين، وتلقى الصحابة ﵃ عن نبيهم ﷺ ما وصف به ربه من صفات كماله، ونعوت جلاله، فأمنوا به، وآمنوا بكتاب الله، وما تضمنه من صفات ربهم جل وعلا.
وهذا الملحد الجاهل جعل ما تضمن كتاب الله وسنة رسوله أبعاضًا، وسمى إثبات علو الله على عرشه،
_________________
(١) ١ مسند الإمام أحمد ٧/٢٤٧-٢٤٨ ط شاكر، قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى في تعليقه على المسند: إسناده صحيح اهـ.
[ ٢٣٧ ]
وفوقيته ونزوله وصعوده: تجسيمًا ومن تمسك بكتاب الله وسنة رسوله، وكلام الأئمة: مجسمًا.
وأما قوله: حتى قال بعضهم:
لئن كان تجسيمًا ثبوت استوائه على عرشه إني إذا لمجسم
وإن كان تشبيها ثبوت صفاته فعن ذلك التشبيه لا أتلعثم
وإن كان تنزيها جحود استوائه وأوصافه أو كونه يتكلم
فمن ذلك التنزيه نزهت ربنا بتوفيقه والله أعلى وأعلم
فالجواب: أنا نعتقد هذا، وندين الله به، وأزيد ذلك تقريرًا له بقولي:
أقول نعم هذا هو الحق والهدى وعن وصفه بالحق لا أتلعثم
ومن حاد عن هذا وقال سفاهة طريقة جهم والمريسي أسلم
فقد حاد عن نهج الشريعة واعتدى وضل عن الحق الذي هو أحكم
[ ٢٣٨ ]
وأشهد أن الله جل ثناؤه على عرشه والله أعلى وأعظم
وأشهد أن الله ليس كمثله شبيه ولا مثل ولا كفو يعلم
فمن جحد الأوصاف لله ربنا ونزهه عن كونه يتكلم
وعن كونه فوق السموات قد علا على عرشه فهو الكفور المذمم
فليس بتجسيم ثبوت استوائه على عرشه لكنما الفوق يفهم
ويعلم من نص الكتاب وسنة لأفضل خلق الله من هو أعلم
أليس على هذا صحابة أحمد وأهل الحجا لو كنت ويحك تفهم
وإن لم يكن ما بلغوه هو الهدى فمن ذا الذي منه الهدى يتعلم
أولئك هم أهدى سبيلًا ومنهجًا وإن لم يكونوا المهتدين فمن هم
أجهم بن صفوان اللعين وحزبه وأتباعه من هم أضل وأظلم
[ ٢٣٩ ]
أم الحق ما قال الفلاسفة الألى ومن صار فيما أصلوا يتكلم
أولئك في بحر الضلالة قد هووا وهم في مرامي الغي والبغي هوم
فسار على منهاجهم في ضلالهم زنادقة من بعدهم حين أوهمو
بتنزيهه فيما يرون وقصدهم هو الكفر والتعطيل والقوم قد عموا
بإلزام أهل الحق بالبغي والهوى لوازم لا ترضى ولا هي تلزم
وإلزامهم ما ألزموه تعنت وبغي وإلحاد وإفك ومأثم
وما ذاك إلا أنه ليس عندهم إله بهذا الوصف حقًا يعظم
وما هذه الأوصاف إلا لمن له صفات وجسم وهو عنها يفخم
فإن كان تجسيمًا ثبوت صفاته لديكم فإني اليوم عبد مجسم
فسبحانه عن إفكهم وضلالهم وطغيانهم فالله أعلى وأعظم
[ ٢٤٠ ]
فلله وجه بل يدان حقيقة ويغضب بل يرضى ويعطي ويرحم
ويضحك ربي من قنوط عباده لمن شاء منهم قائلًا ويكلم
سميع بصير ذو اقتدار ورفعة ويعلم ما نبدي جهارًا ونكتم
وينزل شطر الليل نحو سمائه ويصعد والرحمن أعلى وأعظم
كما شاءه سبحانه وبحمده وسوف يجي يوم القيامة يحكم
ويفصل بين الخلق يوم معادهم بيوم به تبدو عيانًا جهنم
ونؤمن أن الله جل ثناؤه يرى ويُرى يوم المزيد وينعم
إلى غير ذا من كل أوصافه التي بها نطق القرآن والكل محكم
وصحت بها الأخبار من سيد الورى نقول بها جهرًا ولا نتلعثم
[ ٢٤١ ]