فصل
كان مولده ﵀ سنة ١١١٥ خمسة عشرة بعد المائة والألف من الهجرة النبوية، في بلد العُيينة من أرض نجد، ونشأ بها، وقرأ القرآن بها حتى حفظه وأتقنه قبل بلوغه العشر، وكان حادّ الفهم، سريع الإدراك والحفظ، يتعجب أهله من فطنته وذكائه، وبعد حفظ القرآن اشتغل وجد في الطلب، وأدرك بعض الأرب، قبل رحلته لطلب العلم، وكان سريع الكتابة ربما كتب الكراسة في مجلس.
قال أخوه سليمان: كان والده يتعجب من فهمه، ويعترف بالاستفادة منه مع صغر سنه –ووالده هو مفتي تلك البلاد، وجده مفتي البلاد النجدية، وآثاره وتصانيفه وفتاويه تدل على علمه وفقهه، وكان جده إليه المرجع في الفقه والقتوى، وكان معاصرًا للشيخ١ منصور البهوتي الحنبلي خادم المذهب، اجتمع به بمكة- وبعد بلوغ الشيخ سن الاحتلام قدمه والده في الصلاة، ورآه أهلًا للائتمام، ثم
_________________
(١) ١ في ط المنار والرياض: "معاصر الشيخ"، وفي الأصل: "معاصر للشيخ".
[ ١٣ ]
طلب الحج إلى بيت الله الحرام، فأجابه والده إلى ذلك المقصد والمرام١، وبادر إلى قضاء حجة الإسلام، وأداء المناسك على التمام، ثم قصد المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وأقام بها قريبًا من شهرين.
ثم رجع إلى وطنه قرير العين، واشتغل بالقراءة في الفقه على مذهب الإمام أحمد ﵀.
ثم بعد ذلك رحل٢ يطلب العلم، وذاق حلاوة التحصيل والفهم، وزاحم العلماء والكبار، ورحل إلى البصرة والحجاز مرارًا، واجتمع بمن فيها من العلماء والمشايخ الأخيار، وأتى إلى الإحساء –وهي إذ ذاك آهلة بالمشايخ والعلماء، فسمع وناظر، وبحث واستفاد، وساعدته الأقدار الربانية بالتوفيق والإمداد.
وروى عن جماعة منهم الشيخ عبد الله بن إبراهيم النجدي، ثم المدني وأجازه من طريقين: وأول ما سمع منه الحديث المسلسل بالأولية، وكتب السماع بالسند المتصل إلى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في
_________________
(١) ١ في ط المنار والرياض: "المراد". ٢ في الأصل: "رخل".
[ ١٤ ]
الأرض يرحمكم من في السماء" ١.
_________________
(١) ١ أخرجه الحميدي في مسنده ٢/٢٦٩، والإمام أحمد في مسنده ٢/١٦٠، والبخاري في تاريخه الكبير ٩/٦٤، وأبو داود في سننه –كتاب الأدب- ٥/٢٣١، والترمذي في سننه –كتاب البر والصلة- ٤/٣٢٣-٣٢٤، والدارمي في الرد على الجهمية ص: ٢٧٢ –من عقائد السلف-، والحاكم في مستدركه ٤/١٥٩، والخطيب البغدادي في تاريخه ٣/٢٦٠، كلهم من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي قابوس عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله ﷺ فذكره. وإسناده ضعيف: أبو قابوس مولى عبد الله بن عمرو قال الذهبي في الميزان ٤/٥٦٣: لا يعرف، وذكره في الضعفاء له ٢/٨٠٣، وقال الحافظ في التقريب "مقبول" يعني حيث يتابع وإلا فلين كما نص على هذا في المقدمة. قلت: وللحديث من الشواهد ما يرفعه إلى درجة الصحة، لذلك صححه الترمذي والحاكم وأقره الذهبي –قال السخاوي في المقاصد من ٤٨:وكأن تصحيحهم له باعتبار ما له من الشواهد والمتابعات، وإلا فأبو قابوس لم يرو عنه سوى ابن دينار ولم يوثقه سوى ابن حبان على قاعدته في توثيق من لم يجرح اهـ. ومن شواهده ما أخرجه البخاري في صحيحه –كتاب الأدب ١٠/٤٢٦، ومسلم في صحيحه –كتاب الفضائل- ٤/١٨٠٨ عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: من لا يرحم لا يرحم. ومنها ما رواه البخاري في صحيحه ١٣/٣٥٨، ومسلم في صحيحه ٤/١٨٠٩ عن جرير بن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ: "من لا يرحم الناس لا يرحمه الله ﷿". ومنها ما رواه البخاري في صحيحه ٣/١٥١ و١٠/١١٨ و١٣/٣٥٨-٤٣٤، ومسلم في صحيحه ٢/٦٣٥-٦٣٦ عن أسامة بن زيد في قصة =
[ ١٥ ]
_________________
(١) = موت ابن بنت رسول الله ﷺ وفيه: "إنما يرحم الله من عباده الرحماء". ومنها ما رواه الإمام أحمد في مسنده ٢/١٦٥ و٢١٩، والبخاري في الأدب المفرد ١/٤٧٠ بإسناد جيد عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال قال رسول الله ﷺ: "ارحموا ترحموا " الحديث. ومنها ما رواه الطبراني في الكبير ١٠/١٨٣، والصغير ١/١٠١، والأوسط، وأبو يعلى في مسنده –كما في المجمع ٨/١٨٧، والدارمي في الرد على الجهمية ص: ٢٧٣ –من عقائد السلف- والبغوي في شرح السنة ١٣/٣٨ جميعهم من طريق أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: "ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء". قال الحافظ ابن حجر في الفتح ١٠/٤٤٠: رواته ثقات. وقال الهيثمي: رجال أبي يعلى رجال الصحيح إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه فهو مرسل اهـ. ومنها ما رواه الطبراني في الأوسط كما في المجمع ٨/١٨٧ عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: "من لم يرحم الناس لم يرحمه الله" قال الهيثمي: إسناده حسن. وللحديث شواهد عن عدة من الصحابة غير ما ذكرنا، وقد أفرد السخاوي هذه الأحاديث بجزء أشار إليه في المقاصد الحسنة ص: ٤٩. فائدة: هذا الحديث من الأحاديث المسلسلة بالأولية كما أشار إليه المؤلف والحافظ ابن حجر في الفتح ١٠/٤٤٠ والعراقي في ألفيته ٢/٢٨٩ والعجلوني في كشف الخفاء ١/١٢٠. وحقيقة المسلسل عند المحدثين: ما توارد رجال إسناده على حالة واحدة أو صفة واحدة للرواة أو الرواية. وصور المسلسلات كثيرة منها (الأولية) وهي: أن يكون أول سماع التلميذ من شيخه لحديث معين، وهذا الشيخ أول سماعه من شيخه لهذا الحديث وهكذا. تنبيه: قال العراقي في التبصرة ٢/٢٨٩: ومن المسلسل ما هو ناقص التسلسل بقطع السلسلة في وسطه أو أوله أو آخره كحديث عبد الله بن عمرو المسلسل بالأولية، فإنه إنما يصح التسلسل فيه إلى سفيان بن عيينة وانقطع التسلسل بالأوليه في سماع سفيان بن عيينة من عمرو، وفي سماع عمرو من أبي قابوس، وفي سماع أبي قابوس من عبد الله بن عمرو وفي سماع عبد الله من النبي ﷺ وقد وقع لنا بإسناد متصل التسلسل إلى آخره، ولا يصح ذلك، والله أعلم اهـ.
[ ١٦ ]
وسمع منه مسلسل الحنابلة بسنده إلى أنس بن مالك رضي الله عنه١ قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا أراد الله بعبده خيرًا استعمله"، قالوا: كيف يستعمله؟ قال:" يوفقه لعمل صالح قبل موته" ٢، وهذا٣ الحديث من ثلاثيات أحمد ﵀.
_________________
(١) ١ سقطت "الله" من ط الرياض. ٢ أخرجه ابن المبارك في الزهد ص ٣٤٥، والإمام أحمد في مسنده ٣/١٠٦ و١٢٠، والترمذي في سننه –كتاب القدر- ٤/٤٥٠، وابن أبي عاصم في السنة ١/١٧٥، وابن حبان في صحيحه –الموارد- ص ٤٥١، والحاكم في المستدرك ١/٣٣٩ و٣٤٠، والبيهقي في الزهد ص ٣٢٦، والبغوي في شرح السنة ١٤/٢٩٠ جميعهم من طرق، عن حميد الطويل عن أنس بن مالك به وإسناده صحيح. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبي. فائدة: هذا الحديث من ثلاثيات الإمام أحمد كما أشار إلى ذلك المؤلف، فقد رواه أحمد عن محمد بن أبي عدي –ثقة- ثنا حميد الطويل عن أنس به. وللحديث شواهد، منها ما رواه الإمام أحمد ٥/٢٢٤، والطحاوي في مشكل الآثار ٣/٢٦١، وابن حبان في صحيحه –موارد- ص ٤٥١، والحاكم في المستدرك ١/٣٤٠، والبيهقي في الزهد ص ٣٢٧ جميعهم من طريق زيد بن الحباب ثنا معاوية بن صالح حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عمرو بن الحمق الخزاعي أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إذا أراد بعبد خيرًا استعمله" قيل: وما استعمله؟ قال: "يفتح له عمل صالح بين يدي موته حتى يرضى عنه من حوله". هذا لفظ أحمد. ولفظ الباقين "عسله" قيل: وما علسه . الحديث إسناده حسن. وصححه الحاكم وأقره الذهبي وأخرجه أبو يعلى في مسنده ٦/٤٠١-٤٠٢-٤٤٠-٤٥٢. ورواه الإمام أحمد ٤/١٣٥ من طريق خالد بن معدان ثنا جبير أن عمرا حدثه به. ورواه الطحاوي في مشكل الآثار ٣/٢٦١، والخطيب في تاريخه ١١/٤٣٤ من طريق عبد الله بن يحيى بن أبي كثير عن أبيه عن جبير عن عمرو بن الحمق به. ورواه القضاعي في مسند الشهاب ٢/٢٩٤ من طريق قتادة عن الحسن عن عمرو به. ٣ سقطت "و" من الأصل.
[ ١٧ ]
وطالت إقامة الشيخ ورحلته بالبصرة، وقرأ بها كثيرًا من الحديث والفقه والعربية، وكتب من الفقه والحديث واللغة ما شاء الله في تلك الأوقات.
وكان يدعو١ إلى التوحيد ويظهره لكثير ممن يخالطه ويجالسه، ويستدل عليه، ويظهر ما عنده من العلم، وما لديه، وكان يقول: إن الدعوة كلها لله، لا يجوز صرف شيء منها إلى سواه، وربما ذكروا بمجلسه إشارة٢ الطواغيت، أو
_________________
(١) ١ في الأصل: "يدعوا". ٢ في الأصل: "إشارات".
[ ١٨ ]
شيئًا من كرامات الصالحين الذين كانوا يدعونهم ويستغيثون بهم، ويلجئون إليهم في المهمات، فكان ينهى عن ذلك ويزجر، ويورد الأدلة من الكتاب والسنة ويحذر، ويخبر أن محبة الأولياء والصالحين إنما هي متابعتهم فيما كانوا عليه من الهدى والدين، وتكثير أجورهم بمتابعتهم على ما جاء به سيد المرسلين، وأما دعوى المحبة والمودة والمخالفة في السنة والطريقة فهي دعوى مردودة غير مسلمة عند أهل النظر والحقيقة.
ولم يزل على ذلك ﵀، ثم رجع إلى وطنه، فوجد والده قد انتقل إلى بلدة حريملاء١، فاستقر فيها يدعو٢ إلى السنة المحمدية، ويبديها ويناصح من خرج عنها ويفشيها، حتى رفع الله شأنه، ورفع ذكره، ووضع له القبول، وشهد له بالفضل ذووه من المعقول والمنقول، وصنف كتابه المشهور في التوحيد، وأعلن بالدعوة إلى الله العزيز الحميد، وقرئ عليه هذا الكتاب المفيد، وسمعه كثير ممن لدية من طالب ومستفيد، وشاعت نسخه في البلاد، وطار ذكره في الغور٣ والأنجاد، وفاز بصحبته واستفاد من جرد القصد
_________________
(١) ١ في النسخ "حريملا" والمثبت هو الأشهر. ينظر معجم اليمامة ١/٣١٧. ٢ في الأصل: "يدعوا". ٣ غور كل شيء: قعره. يقال: فلان بعيد الغور. ولعل المراد هنا: غور تهامة: وهي ما بين ذات عرق والبحر، وقيل تهامة وما يلي اليمن. أو المراد بالغور ما انخفض من الأرض. قال الأعشى: نبي يرى ما لا ترون وذكره أغار لعمري في البلاد وأنجدا (ينظر اللسان ٥/٣٣١٢ ط المعارف بمصر) يعني في كل محل.
[ ١٩ ]
وسلم من الأشر١ والبغي والفساد، وكثر بحمد الله محبوه وجنده، وصار معه عصابة من فحول الرجال، وأهل السمت الحسن والكمال، يسلكون معه الطريق ويجاهدون كل فاسق وزنديق.
_________________
(١) ١ في ط المنار والرياض: "الأسر". والأشر: الكبر عن قبول الحق.
[ ٢٠ ]