فصل
قال العراقي الملحد: (الوهابية وتكفيرها من زار القبور: لو سأل سائل عما تمذهبت به الوهابية، ما هو؟ وعن غايته ما هي؟ فقلنا في جواب كلا السؤالين: هو تكفير كافة المسلمين. لكان جوابًا على اختصاره تعريفًا كافيًا لمذهبها، فإن من أنعم النظر فيما جاءت به رآها تتحرى في كل مسألة تكفير كافة المسلمين، الذي رضي الله لهم الإسلام دينًا، فقد كفرتهم لتنزيههم الله تعالى عن الجسمية، وكفرتهم لأخذهم بالإجماع، وكفرتهم لتقليدهم الأئمة المجتهدين في الدين، وكفرتهم لاستشفاعهم بنبيهم ﷺ بعد موته، وتوسلهم به إلى الله تعالى، وكفرتهم لزيارتهم القبور) .
والجواب أن نقول: الله أكبر على هؤلاء الملاحدة، الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجًا ويفسدون في الأرض، والله لا يحب المفسدين، فلو سأل سائل عما تمذهبت به هؤلاء الغلاة النافون لعلو الله على عرشه،
[ ٥٩٢ ]
المعطلون لأسمائه وصفاته، الجاحدون لصفات كماله، ونعوت جلاله، المشركون بالله في عبادتهم غيره من مخلوقاته، وعن غاية ما تريد بذلك؟ قلنا: هو الكفر الذي أجمع المسلمون على كفر من قام به ذلك، ونطق القرآن والسنة بكفر من فعل ذلك واعتقده، كما قدمناه بأدلته من الكتاب والسنة وإجماع العلماء.
وأما الوهابية: فيعتقدون أن الدين الذين رضيه الله للمسلمين هو دين الإسلام، ومنه أن الله تعالى على عرشه بائن من خلقه، ويعتقدون أن الله تعالى له وجه ويدان، وأن الله تعالى يرى في الآخرة، كما يرى القمر ليلة البدر، وكما ترى الشمس صحوًا ليس من دونها سحاب، وأن الله ينزل إلى السماء الدنيا كل آخر ليلة، فينادي: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داع فأجيبه؟ حتى ينفجر الفجر، وأن الله يشار إليه بالإصبع إشارة حسية، كما أشار إليه أعرف الخلق به من أعظم مجمع وجد على ظهر الأرض، وأن الله تعالى يوم القيامة يجعل السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء على إصبع، والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك. كما صحت بذلك الأحاديث عن رسول الله ﷺ، إلى غيره مما جاء في الكتاب والسنة، مما وصف الله به
[ ٥٩٣ ]
نفسه، ووصفه به رسوله، من غير تشبيه ولا تمثيل، ومن غير تكييف ولا تعطيل.
وأما الجسمية فلا يقولون بها نفيًا ولا إثباتًا، لأنه يراد بها معنى صحيح، ومعنى باطل، ولأنه لم يرد بذلك قرآن ولا سنة، ولا نطق بذلك الصحابة، ولا التابعون، ولا الأئمة المهتدون.
وأما زعمه أنهم كفروا من أخذ بالإجماع، وكفروا من قلد الأئمة بالمجتهدين، فمن الكذب الواضح، والإفك الفاضح.
وأما تكفيرهم من دعا الأنبياء والأولياء والصالحين، والتجأ إليهم، واستغاث بهم، في مهماته وملماته، وسمى ذلك تشفعًا وتوسلًا، فلكون ذلك هو الشرك الصريح المخرج من الملة، بدلائل الكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة، من أئمة السلف، ومن تبعهم بإحسان، بعد قيام الحجة على من فعل ذلك.
[ ٥٩٤ ]