فصل
ثم ذكر العراقي محاربة آل سعود الشريف غالبًا، وعجزه عن مناوأتهم، ودخولهم مكة بالصلح إلى قوله: (ثم جهزت الدولة العلية) إلى آخره.
فأقول: قد ذكرنا فيما تقدم١ ما أوقع الله بمن عادى المسلمين من العقوبات، وأن آخر أمرهم صار إلى تباب كما ذكره شيخنا ﵀ في المقامات، ثم قال شيخنا رحمه الله تعالى:
"وأما الدولة التركية المصرية فابتلى الله بهم جميع المسلمين لما ردوا حاج الشامي عن الحج بسبب أمور كانوا يفعلونها في المشاعر، فطلبوا منهم أن يتركوها، وأن يقيموا الصلاة جماعة، فما حصل منهم أن ذلك، فردهم سعود ﵀ تدينًا، فغضبت تلك الدولة التركية، وجرى عندهم أمور يطول عدها، ولا فائدة في ذكرها، فأمروا محمد علي صحاب مصر أن يسير إليهم بعسكره، وبكل ما يقدر عليه من القوة والكيد، فبلغ سعود ذلك، فأمر ابنه عبد الله أن يسير
_________________
(١) ١ ص (٤٧-٥٤) ها هنا.
[ ٩٦ ]
لقتالهم، وأمره أن ينزل دون المدينة، فاجتمعت عساكر الحجاز على عثمان بن عبد الرحمن المضايفي وأهل بيشة١ وقحطان وجميع العربان، فنزلوا بالجديدة، فاختار عبد الله بن سعود القدوم عليهم، والاجتماع بهم، وذلك أن العسكر المصري في ينبع، فاجتمع المسلمون في بلد حرب، وحفروا في مضيق الوادي خندقًا، وعبئوا الجموع، وصار في الخندق من المسلمين أهل نجد، وصار عثمان ومن معه من أهل الحجاز في الجبل فوق الخندق، فحين نزل العسكر ارتدت خيولهم، وعلموا أنه لا طريق لها إلى المسلمين، فأخذوا يضربون بالقبوس فدفع الله شر تلك القبوس الهائلة عن المسلمين إن رفعوها مرّت ولا ضرت، وإن خفضوها اندفنت في التراب، فهذه عبرة، وذلك أن أعظم ما معهم من الكيد أبطله الله في الحال، ثم مشوا على عثمان ومن معه في الجبل، فتركهم حتى قربوا منه، فرموهم بما احتسبوهم به وما أعدوه لهم حين أقبلوا عليهم فما أخطأ لهم بندق، فقتلوا العسكر قتلًا ذريعًا، وهذه أيضًا من العبر، لأن العسكر الذي جاءهم أكثر منهم بأضعاف، ومع كل واحد من الفرود والمزندات، فما أصابوا رجلًا من المسلمين، وصار القتل فيهم، وهذه أيضًا عيرة عظيمة، هذا كله وأنا أشاهده، ثم مالوا إلى الجانب الأيمن
_________________
(١) ١ في ط المنار والرياض: "بيته".
[ ٩٧ ]
من الجبال بجميع عسكرهم من الرجال، وأما الخيل فليس لها فيه مجال، فانهزم كل من على الجبل من أهل بيشة وقحطان وسائر العربان إلا ما كان من حرب فلم يحضروا، واشتدوا على المسلمين لما صاروا في أعلى الجبل، فصاروا يرامون المسلمين من فوقهم، فحمي الوطيس آخر ذلك اليوم، ثم من الغد، فاستنصر أهل الإسلام ربهم الناصر لمن ينصره، فلما قرب الزوال من اليوم الثاني نظرت فإذا برجلين قد أتيا فصعدا طرف ذلك الجبل، فما سمعنا لهم بندقًا ثارت، إلا أن الله كسر ذلك البيرق ونحن ننظر، فتتابعت الهزيمة على جميع العسكر فولوا مدبرين، وجنبوا الخيل والمطرح، وقصدوا طريقهم الذي جاءوا معه، فتبعهم المسلمون يقتلون ويسلبون، هذا ونحن ننظر إلى تلك الخيول قد حارت وخارت، وظهر عليهم عسكر من الفرسان من جانب الخندق ومعهم بعض الرجال فولت تلك الخيول مدبرة، فتبعتهم خيول المسلمين في أثرهم، وليس معهم زاد ولا مزاد، فانظر إلى هذا النصر العظيم من الإله الحق رب العباد، لأن الله هزم تلك العساكر العظيمة برجلين، فهذه ثلاث عبر لكن أين من يعتبر، فأخذوا بعد ذلك مدة من السنين.
ثم بعد ذلك سار "طوسون" كبير ذلك العسكر الذي هزمه الله فقصد المدينة فورًا، وأمر سعود على عبد الله ومن معه من
[ ٩٨ ]
المسلمين أن ينهضوا لقتالهم، فوجدوهم قد هجموا على المدينة، ودخلوها، وأخرجوا من كان بها من أهل نجد وعسير، فحج المسلمون تلك السنة، فأقبل ذلك العسكر ونزل رابغ، ونزل المسلمون وادي فاطمة، فخان لهم شريف مكة، وضمهم إليه، وجاءوا مع الخبيث على غفلة من المسلمين، فعلم المسلمون أنه لا مقام لهم مع ما جرى من الخيانة، فرجعوا إلى أوطانهم، فخاف عثمان وهو بالطائف أن يكون الحرب منهم ومن الشريف عليه لما يعلم من شدة عداوتهم فخرج بأهله وترك لهم الطائف أيضًا مخافة أن يجتمعوا على حربه، وليس معه إلا القليل من عشيرته، ولا يأمن أهل الطائف أيضًا، فنزل المسلمون بتربة بعد ذلك نحوا من شهر، ثم رجعوا حين أكلوا ما معهم من الزاد، فجرى بعد ذلك وقعات بينهم وبين المسلمين، ولا فائدة في الإطالة بذكرها، والمقصود أن استيلاءهم على المدينة ومكة والطائف كان بأسباب قدّرها الملك الغلاب.
فيريك عزته ويبدي لطفه والعبد في الغفلات عن ذا الشان
وفيها من العبر أن الله أبطل كيد العدو، وحمى الحوزة، وعافى المسلمين من شرهم، وصار المسلمون يغزونهم فيما قرب من المدينة ومكة في نحو من ثلاث سنين أو أربع
[ ٩٩ ]
فتوفى الله سعود ﵀ وهم غزاة على من كان معينًا لهذا العسكر من البوادي، فأخذوا وغنموا، فبقي لهم من الولاية ما كانوا عليه أولًا، إلا ما كان من مكة والطائف وبعض الحجاز، وبعد وفاة سعود ﵀ تجهزوا للجهاد على اختلاف كان من أولئك الأولاد، فصار المسلمون جانبين جانبًا مع عبد الله وجانبًا مع فيصل أخيه، فنزل الحناكية عبد الله، ونزل فيصل تربة باختيار وأمر من أخيه له، فوافق أن محمد علي حج تلك السنة فواجه فيصل هناك فطلب منه أن يصالحه على الحرمين، فأبى فيصل، وأغلظ له الجواب، وفيما قال:
لا أصلح الله منا من يصالحكم
حتى يصالح ذئب المعز راعيها
فأخذت محمد علي العزة والأنفة فصار إلى بسل، والظاهر أنه كان حريصًا على الصلح فاستعجل فيصل بمن معه فساروا إليه في بسل، وقد استعد لحربهم خوفًا مما جرى منهم، فأقبلوا وهم في منازلهم فصارت عليهم العساكر والخيول فولوا مدبرين، لكن الله أعز المسلمين فحبس عنهم تلك الدول والخيول، حتى وقفوا على التلول، فسلم أكثر المسلمين من شرهم، واستشهد منهم القليل، ولا بد في القتال أن ينال المسلم أو يُنال منه، قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] الآيات، وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّه﴾
[ ١٠٠ ]
إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦] الآيات.
وقد قال هرقل لأبي سفيان فما الحرب بينكم وبينه؟ قال: سجال، ينال منا، وننال منه. فهذه سنة الله في العباد زيادة للمؤمنين في الثواب، وتغليظًا على الكافرين في العقاب.
وأما عبد الله فرجع بمن معه فلم يلق كيدًا دون المدينة. فتفكر في حماية الله لهذه الطائفة مع كثرة من عاداهم وناوأهم، ومع كثرة من أعان عليهم ممن ارتاب في هذا الدين وكرهه، وقبل الباطل وأحبه، فما أكثر هؤلاء لكن الله قهرهم بالإسلام، ففي هذا المقام عبرة، وهو أن الله أعزهم وحفظهم من شر من عاداهم، فلله الحمد والمنة.
وبعد ذلك رجع محمد علي إلى مصر، وبعث الشريف غالب إلى إسطنبول، وأمر ابنه طوسون أن ينزل الحناكية دون المدينة، وأمر العطاس أن يسعى بالصلح بينهم وبين عبد الله بن سعود ويركب له من مكة، وأراد الله أن أهل الرس يخافون، لأنهم صاروا في طرف العسكر، فاستلحقوا لهم جماعة١ من المغاربة، وطوسون على الحناكية، وصار في أولاد سعود نوع من العجلة في الأمور فأمروا على الرعايا بالمسير
_________________
(١) ١ في الأصل: "ربيع"وهي كلمة عامية.
[ ١٠١ ]
إلى الرس، فنزلوا الرويضة، فتحصن أهل الرس بمن عندهم، فأوجبت تلك العجلى أن استفزعوا أهل الرس أهل الحناكية، فلما جاء الخبر بإقبالهم نصرة لأهل الرس ارتحل المسلمون يلتمسون من أعانهم من حرب ما بينهم وبين المدينة، فصادفوا خزنة العسكر فقتلوهم، وأخذوا ما معهم، فهذا مما يسره الله من النصر من غير قصد ولا دراية، فرجع المسلمون إلى عنيزة، والعسكر نزلوا الشبيبية قريبًا منهم، ويسر الله للمسلمين سببًا آخر، وذلك من توفيق الله ونصره، وجهزوا جيشًا وخيلًا فأغاروا على جانب العسكر فخرجوا عليهم، فهزمهم الله، وقتل المسلمون فيهم قتلًا كثيرًا، فألقى الله الرعب في قلوبهم على كثرة من أعانهم، وقوة أسبابهم، وذلك من نصر الله لهذا الدين، فرجعوا إلى الرس خوفًا من هجوم المسلمين عليهم، فتبعهم المسلمون، ونزلوا الحجناوي، فقدم العطاس على الأمر الذي عمده إليه محمد علي فوجد الحال قد تغير [فقصدهم] ابتداء، فمنعوه مما جاء له، ثم إنهم سعوا في الصلح والمسلمون على الحجناوي، وكل يوم يجري بين الخيل طراد فمل أكثر المسلمين من الإقامة، فلم يبق منهم إلا شرذمة قليلة، فجاء منهم أناس يطلبون الصلح، فأصلحهم عبد الله رحمه الله تعالى، وطلبوا منه أن يبعث معهم رجلًا من أهل بيته خوفًا أن يعرض لهم أحد من المسلمين في طريقهم،
[ ١٠٢ ]
فمشى معهم محمد بن حسن بن مشاري إلى المدينة.
والمقصود أن الله سبحانه أذلهم، وألقى الرعب في قلوبهم، وحفظ المسلمين من شرهم، بل غنمهم مما بأيديهم من حيث بذلهم المال بشرائهم "الهجن"، فاشتروا من المسلمين "الذلول" بضعفي ثمنها- إلى أن قال ﵀:
فلو ساعد القدر وتم هذا الصلح لكان الحال غير الحال، لكن ما أراده الله تعالى وقع على كل حال، لكن جرى من عبد الله بن سعود رحمه الله تعالى ما أوجب نقض ذلك الصلح، وهو أنه بعث عبد الله بن كثير لغامد وزهران بخطوط مضمونها أن يكونوا في طرفه، وفي أمره، فبعثوا بها إلى محمد علي فلم يرض بذلك، وقال: إنهم من جملة من وقع عليهم الصلح، فهذا هو سبب النقض، وأنشأ عسكرًا مع إبراهيم باشا، ونزل الحناكية، ثم ذكر وقعة الماوية، ثم قدومه إلى الدرعية، وأخذ في حصارها قدر ثمانية أشهر، وهو يضربهم بالقنابر والقبوس، ثم انتهى الأمر إلى الصلح فأعطاهم العهد والميثاق على ما في البلد من رجل أو مال حتى الثمرة التي على النخل، لكن لم يف لهم بما صالحهم عليه، وغدر بأناس منهم "سليمان بن عبد الله" وبعد هذا تشتت أهل البلد عنها، وقطع النخيل،
[ ١٠٣ ]
وهدم المساكن إلا القليل، وبعث بعبد الله بن سعود لمصر، وأتبعه عياله وإخوانه وكبار آل الشيخ، وبعد ذلك حج، فسلط الله على عسكره الفناء، ولم يصل إلى مصر إلا القليل، فلما وصل مصر حل بهم عقوبات أهل الإسلام، فمشى على السودان ولا أظفره الله فرجع مريضًا، ثم إن محمد علي بعث ابنه إسماعيل، وتمكن منهم بصلح، فلما رأوا منه الخيانة بأخذ عبيد وجوار، أحرقوه بالنار في بيته ومن معه من العسكر، ثم بعد ذلك بعث لهم دفتردار ولا حصل منهم شيئًا.
فأما عسكر الحجاز التي وصلت مصر قبل إبراهيم باشا حسين بك١ الذي صار في مكة وعابدين بك٢ الذي صار في اليمن فسيرهم محمد علي قبل هذا الحرب إلى "مورة" "وجريد" لما خرجوا على السلطان، فاستمده السلطان على حربهم، فأمده بهذين العسكرين، فهلكوا عن آخرهم، ولم يفلت منهم عين تطرف، وذلك أن "مورة" "وجريد" في الأصل ولاية للسلطان، فخرجوا عليه، فهلك من عسكر السلطان والعساكر المصرية في حربهم ما لا يحصى، وهذه عقوبة أجراها الله عليهم بسبب ما جرى منهم على أهل الإسلام، حتى "العرناووط" في جبلهم عصوا على السلطان قبل حادثة "مورة" "وجريد".
_________________
(١) ١ في الأصل: "بيه". ٢ في الأصل: "بيه".
[ ١٠٤ ]
وبعد هذا الأمر اشتد الأمر على السلطان، وبعث يستنصر محمد علي، فبعث عسكرًا كبيرهم "قارئ علي" فهلكوا في البحر قبل أن يصلوا، ثم إن السلطان بعث "نجيب أفندي" لمحمد علي يطلب منه أن يسير بنفسه، فبعث إليه يعتذر بالمرض، وأن إبراهيم باشا يقوم مقامه، وقبل ذلك بعث "حسين بك"١ الذي سبا أهل نجد، وقتل منهم البعض في ثرمدا، وفزع للسلطان قبل مسير إبراهيم باشا بعسكره الذي كان معه في نجد، وتبعه إبراهيم باشا يمده، ونزلوا "مورة" لحرب أهلها، فأذلهم الله لهم، فقتلوا فيهم قتلًا عظيمًا.
فأما عسكر "حسين بك"٢ فلم يقدم مصر منه إلا صبي.
وأما إبراهيم باشا فاشترى نفسه منهم بالأموال، فانظر إلى هذه العقوبات العاجلة التي أوقعها الله على الآمر والمأمور، وأكثر الناس لا يدري بهذه الأمور.
وهذا الذي ذكرناه فيه عبرة عظيمة، وشاهد لأهل هذا الدين أن الله لما سلط عليهم عدوهم، ونال منهم ما نال، صارت العاقبة السلامة والعافية لمن ثبت على دينه، واستقام على دين الإسلام.
_________________
(١) ١ في الأصل: "بيه". ٢ في الأصل: "بيه".
[ ١٠٥ ]
ثم إن الله تعالى أوقع بعدوهم ما ذكرنا وأعظم، لكن ذكرنا الواقع على سبيل الاختصار لقصد الاعتبار ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢] .
ثم إن الله أجرى على من أعانهم من أهل نجد ممن شك منهم في هذا الدين، وأكثر الطعن على المسلمين، أن الله تعالى أفناهم، وهذه أيضًا من العبر لم يبق أحد ممن أظهر شره وإنكاره وعداوته للمسلمين إلا وعوجل١ بالهلاك والذهاب"اهـ.
ثم ذكر ﵀ ظهور خالد وإسماعيل وذلك بعد أن رد الله الكرة للمسلمين، وجمعهم الله على تركي بن عبد الله، ثم على ابنه فيصل، وذكر ﵀ ما جرى من تسلط العساكر المصرية على أهل هذه الدعوة المحمدية، وما جرى من الملاحم العظيمة مما يطول عده، وتمكنهم من فيصل، وأخذهم له، وإرساله لمصر، ثم صار في هذه العساكر من الذهاب والعذاب والفساد لما أوقع الله الحرب بين السلطان ومحمد علي، وذلك من العقوبات، ثم رد الله الكرة لأهل نجد وجمعهم الله بالإمام فيصل فرجعوا كما كانوا أولًا على ما كانوا عليه قبل حرب هؤلاء الدول.
والمقصود بما ذكرنا الاعتبار بأن الله حفظ هذا
_________________
(١) ١ في ط المنار وط الرياض: "إلا وهو جل".
[ ١٠٦ ]
الدين ومن تمسك به، وأيدهم بالنصر على ضعفهم وقلتهم، وأوقع بأسه بهذه الدولة على قوتهم وكثرتهم، وأسباب كيدهم، ثم إن الله تعالى أهلك تلك الدول بما أجرى عليهم من حرب النصارى في بلاد الروم، فكل دولة مشت على نجد والحجاز لم يبق منهم اليوم عين تطرف، وكانوا لا يحصي عددهم إلا الله، فهلكوا في حرب النصارى، فصارت العاقبة العافية والظهور لمن جاهدهم في الله من الموحدين، فجمع الله لهم بعد تلك الحوادث العظيمة من النعم والعز والنصر ما لا يخطر بالبال، ولا يدور في الخيال.
ومن عجيب ما اتفق لأهل الدعوة أن محمد بن سعود عفا الله عنه لما وفقه الله لقبول هذا الدين ابتدأ بعد تخلف الأسباب، وعدم الناصر شمر في نصرته ولم يبال بمن خالفه من قريب أو بعيد، حتى إن بعض أناس ممن له قرابة به عذله عن هذا المقام الذي شمر إليه، فلم يلتفت إلى عذل عاذل، ولا لوم لائم، ولا رأي مرتاب، بل جد في نصرة هذا الدين، فملكه الله تعالى في حياته كل من استولى عليه من القرى، ثم بعد وفاته صار الأمر في ذريته يسوسون الناس بهذا الدين ويجاهدون فيه كما جاهدوا في الابتداء، فزادت دولتهم وعظمت صولتهم على الناس بهذا الدين الذي لا شك فيه ولا التباس، فصار
[ ١٠٧ ]
الأمر في ذريته لا ينازعهم فيه منازع، ولا يدافعهم عنه مدافع، وأعطاهم الله القبول والمهابة، وجمع الله عليهم من أهل نجد وغيرهم ممن لا يمكن اجتماعهم على إمام واحد إلا بهذا الدين، وظهرت آثار الإسلام في كثير من الأقاليم النجدية وغيرها مما تقدم ذكره، وأصلح الله بهم ما أفسدت تلك الدول التي حاربتهم، ودافعتهم عن هذا الدين ليطفئوه، فأبى الله ذلك، وجعل لهم العز والظهور- انتهى ما ذكره الشيخ.
والمقصود أن هذا العراقي ذكر أن الدولة المصرية أفنت المسلمين وأبادتهم، ولم يبق منهم أحد، وقد أبقى الله – وله الحمد والمنة- من آل سعود من أقام هذا الدين، وجاهد فيه، وأحيا ما اندرس من معالمه، بعد تلك الدول، ونسأل الله أن يديم ذلك، وأن يجعلهم أئمة هدى، وأن يوفقهم لما وفق له الخلفاء الراشدين الذين لهم التقدم في نصرة هذا الدين، والحمد لله رب العالمين.
[ ١٠٨ ]