الآية الأولى: قال الله -تعالى- في سورة التوبة آية [٥]: (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ).
قال القرطبي: (فَإِن تَابُواْ). أي: من الشرك، (وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ). هذه الآية فيها تأمُّل وذلك أن الله -تعالى- علق القتل على الشرك، ثم قال: (فَإِن تَابُواْ) والأصل أن القتل متى كان للشرك يزول بزواله، وذلك يقتضي زوال القتل بمجرد التوبة، من غير اعتبار إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ولذلك سقط القتل بمجرد التوبة قبل وقت الصلاة والزكاة وهذا بيّن في هذا المعنى. غير أن الله -تعالى- ذكر التوبة وذكر معها شرطين آخرين فلا سبيل إلى إلغائهما نظيره قوله ﷺ: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" وقال ابن العربي فانتظم القرآن والسنة واطردا. اهـ.
انظر -رحمني الله وإياك- إلى كلام الإمام القرطبي: أن التوبة تكون: من الشرك. وأن القتل لا يسقط إلا بالانتهاء عنه، وقول الإمام ابن العربي: أن الآية والحديث قد انتظم واتحد معناهما. فينص القرآن أن الانتهاء عن القتل والأسر وتخلية سبيل المشركين شرطه: التوبة من الشرك، وأن الآية والحديث: "أمرت أن أقاتل الناس". معناهما واحد.
وقال الإمام البغوي فيها: (فَإِن تَابُواْ). من الشرك، (وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ). يقول: دعوهم فليتصرفوا في أمصارهم ويدخلوا مكة اهـ.
وقال ابن كثير: (وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ). أي لا تكتفوا بمجرد وجدانكم لهم، بل اقصدوهم بالحصار في معاقلهم وحصونهم والرصد في طرقهم ومسالكهم حتى تضيقوا عليهم الواسع وتضطروهم إلى القتل، أو الإسلام. ولهذا قال: (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ). ولهذا اعتمد الصديق -﵁- في قتال مانعي الزكاة على هذه الآية الكريمة، وأمثالها حيث حرمت قتالهم بشرط هذه الأفعال وهي: الدخول في
[ ٦١ ]
الإسلام والقيام بأداء واجباته ونبه بأعلاها على أدناها ولهذا كثيرًا ما يقرن بين الصلاة والزكاة وقد جاء في الصحيحين أن رسول الله -ﷺ- قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة". الحديث. وقال أبو إسحاق عن ابن مسعود -﵁- قال: أمرت بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ومن لم يزك فلا صلاة له. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أبى الله أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة وقال: يرحم الله أبا بكر ما كان أفقهه وقال الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري .. عن الربيع بن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده وعبادته لا يشرك به شيئًا فارقها والله عنه راض". قال: وقال أنس: هو دين الله الذي جاءت به الرسل، وبلغوه عن ربهم قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء، وتصديق ذلك في كتاب الله في آخر ما أنزل الله، قال الله -تعالى-: (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ). قال: توبتهم خلع الأوثان وعبادة ربهم وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. ثم قال في آية أخرى: (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ). ورواه ابن مردويه ورواه محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة اهـ.
وقال الإمام الطبري: "فإن تابوا" يقول فإن رجعوا عما هم عليه من الشرك بالله، وجحود نبوة نبيه محمد إلى: توحيد الله وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأنداد والإقرار بنبوة محمد ﷺ، اهـ.
قلت: وكذلك أيضًا قوله -تعالى-: (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) (١). قال القرطبي قوله تعالى: (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ). أي عن الشرك والتزام أحكام الإسلام (فَإِخْوَانُكُمْ) أي: فهم إخوانكم (فِي الدِّينِ) قال ابن عباس: حرمت هذه (الآية) دماء أهل القبلة. اهـ.
وقال الإمام البغوي: (فَإِن تَابُواْ). من الشرك (.. فَإِخْوَانُكُمْ) فهم إخوانكم (فِي الدِّينِ) لهم ما لكم وعليهم ما عليكم اهـ.
قلت: فهذه الآية نص في أن القتال لا يرتفع عن المشركين كافة إلا بالتوبة وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، واتفق السلف على أن المراد بالتوبة: البراءة من الشرك، وخلع
_________________
(١) التوبة: ١١.
[ ٦٢ ]
عبادة الأوثان والأنداد والطواغيت، وكل ما يعبد من دون الله مع التزام أحكام الإسلام. وأن هذه الآية مع الحديث: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة". قد اتحد معناهما وانتظما واتفقا المفسرين عند تفسير هذه الآية بإتيان هذا الحديث وأمثاله لهو أدل الدليل على أن الحديث أيضًا يثبت نفس المعنى، وهو أن القتال لا يرفع إلا بالانتهاء عن الشرك والتزام أحكام الإسلام، وهو مراد قوله -ﷺ- إلا بحقها.
ويؤكّد هذا أيضًا الحديث الصحيح الصريح: "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله". ولهذا قال ابن العربي في كتابه أحكام القرآن فانتظم القرآن والسنة واطردا ولذلك بوّب إمام المحدثين البخاري بابًا في صحيحه: (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ). ثم ساق بسنده عن ابن عمر أن رسول الله، ﷺ، قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله".
قال الحافظ: "وإنما جعل الحديث تفسيرًا للآية لأن المراد بالتوبة في الآية الرجوع عن الكفر إلى التوحيد ففسره قوله ﷺ: "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله". وبين الآية والحديث مناسبة أخرى لأن التخلية في الآية والعصمة في الحديث بمعنى واحدة" (١) اهـ.
قلت: فمن هذا يعلم أن عصمة الدم والمال تكون: بالتلفظ بالشهادتين والعمل بمقتضاهما وهو إفراد الله بالتأله، والبراءة من عبادة الآلهة التي تعبد من دون الله، وإلا لو قالها العبد: ولم يعمل بها لم يعصم دمه وماله إذا كان متلبسًا بالشرك ساعة نطقه بالشهادتين. وأما إذا قالها العبد متشهدًا بها شهادة الإسلام فالواجب حمله على الإسلام عملًا بما أقر به لسانه مع افتراض أنه عالم بمعناها عامل بمقتضاها، فإذا ظهر منه خلاف هذا حكم ردته.
قال الإمام الشوكاني: وليس مجرد قول: لا إله إلا الله، من دون عمل بمعناها مثبتًا
_________________
(١) فتح الباري جـ: ١ ص: ٩٤: ٩٥ - كتاب الإيمان.
[ ٦٣ ]
للإسلام، فإنه لو قالها أحد من أهل الجاهلية وعكف على صنمه يعبده لم يكن ذلك إسلامًا (١) اهـ.
وقال أيضًا لا شك أن من قال: لا إله إلا الله، ولم يتبين من أفعاله ما يخالف معنى التوحيد، فهو مسلم محقون الدم والمال إذا جاء بأركان الإسلام المذكورة في حديث: "أمرت أن أقاتل الناس ".
وهكذا من قال: لا إله إلا الله متشهدًا بها شهادة الإسلام ولم يكن قد مضى عليه من الوقت ما يجب فيه شيء من أركان الإسلام، فالواجب حمله على الإسلام عملًا بما أقر به لسانه وأخبر به من أراد قتاله، ولهذا قال ﷺ: لأسامة بن زيد ما قال، وأما من تكلم بكلمة التوحيد وفعل أفعالًا تخالف التوحيد، كاعتقاد هؤلاء المعتقدين في الأموات، فلا ريب أنه قد تبين من حالهم خلاف ما حكته ألسنتهم من إقرارهم بالتوحيد، ولو كان مجرد التكلم بكلمة التوحيد موجبًا للدخول في الإسلام والخروج من الكفر، سواء فعل المتكلم بها ما يطابق التوحيد أو ما يخالفه، لكانت نافعة لليهود مع أنهم يقولون: عزير ابن الله، وللنصارى مع أنهم يقولون: المسيح ابن الله، وللمنافقين مع أنهم يكذبون بالدين، ويقولون: بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وجميع هذه الطوائف الثلاث يتكلمون بكلمة التوحيد (٢) اهـ.
وقال أيضًا -﵀ منكرًا على من اعتبر التلفظ بالشهادتين دون العمل بمعناهما، قال: وبالجملة فالسيد المذكور -﵀- قد جرد النظر في بحثه السابق إلى الإقرار بالتوحيد الظاهري، واعتبر مجرد التكلم بكلمة التوحيد فقط من دون نظر إلى ما ينافي ذلك من أفعال المتكلم بكلمة التوحيد، ويخالفه من اعتقاده الذي صدرت عنه تلك الأفعال المتعلقة بالأموات، وهذا الاعتبار لا ينبغي التعويل عليه ولا الاشتغال به، فالله سبحانه إنما ينظر إلى القلوب وما صدر من الأفعال عن اعتقاد لا إلى مجرد الألفاظ، وإلا لما كان فرّق بين المؤمن والمنافق (٣) اهـ.
_________________
(١) الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد ص: ٤٠.
(٢) ص: ٤٢ المصدر السابق.
(٣) ص: ٦٧: ٦٨ المصدر السابق.
[ ٦٤ ]
قلت: فهذا المعنى -بفضل الله- مستفيض ذكره في القرآن والسنة وكلام السلف الصالح، أن الانخلاع من الشرك والكفر بما يُعبد من دون الله شرط في تخلية السبيل، وعصمة الدم والمال، وإجراء أحكام الإسلام وأن هذا هو غاية القتال يرتفع بوجوده ويرجع بنقضه. قال الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم الحنبلي النجدي: "ولهما عن ابن عمر" -﵄- مرفوعًا أي: أنه -ﷺ- قال: "أمرت أن أقاتل الناس". أي: المشركين منهم "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله". والمراد: العلم بمعناها والعمل بمقتضاها .. "ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة". فهما ركنان لا يستقيم إسلام العبد إلا بهما. "فإذا فعلوا ذلك". أي: لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، "عصموا مني دماءهم وأموالهم". فلا يحل قتالهم حتى يأتوا بمناف للشهادتين، "إلا بحق الإسلام". وهو التزام شرائعه. قال أبو بكر لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله -ﷺ- لقاتلتهم على ذلك (١) اهـ.
الآية الثانية: قال -تعالى-: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه). في سورتي [البقرة: ١٩٣]، و[الأنفال: ٣٩].
قال ابن كثير في آية الأنفال: وقال: الضحاك عن ابن عباس: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ). يعني: لا يكون شرك. وكذا قال: أبو العالية، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي، ومقاتل بن حيان، وزيد بن أسلم، وقال محمد بن إسحاق بلغني عن الزهري عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا: حتى لا تكون فتنة حتى لا يفتتن مسلم عن دينه. وقوله: (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه). قال: الضحاك عن ابن عباس في هذه الآية، قال: يخلص التوحيد لله، وقال: الحسن وقتادة وابن جريج: (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه). أن يقال: لا إله إلا الله، وقال محمد بن إسحاق: ويكون التوحيد خالصًا لله ليس فيه شرك، ويُخلع ما دون من الأنداد. وقال: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه). لا يكون مع دينكم كفر: ويشهد لهذا ما ثبت في الصحيحين عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ". اهـ.
وقال البغوي في آية البقرة: (وَقَاتِلُوهُمْ). يعني: المشركين (حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ). أي: شرك. يعني: قاتلوهم حتى يسلموا فلا يقبل من الوثني إلا الإسلام، فإن أبى قتل
_________________
(١) الإحكام شرح أصول الأحكام جـ: ٤ ص: ٤٠٠.
[ ٦٥ ]
(وَيَكُونَ الدِّينُ). أي: الطاعة والعبادة (لِلّه) وحده فلا يعبد شيء دونه (فَإِنِ انتَهَوْاْ) عن الكفر وأسلموا (فَلاَ عُدْوَانَ). فلا سبيل (إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ). قاله: ابن عباس اهـ.
وقال أيضًا في (آية الأنفال): (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ). أي: شرك، قال الربيع: حتى لا يفتن مؤمن عن دينه (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه). أي: ويكون الدين خالصًا لله لا شرك فيه (فَإِنِ انتَهَوْاْ). عن الكفر. (فَإِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ). اهـ.
وقال القرطبي في آية البقرة: فيه مسألتان:
الأولى: قوله -تعالى-: (وَقَاتِلُوهُمْ). أمر بالقتال لكل مشرك في كل موضع على من رآها ناسخة. ومن رآها غير ناسخة. قال: المعنى: قاتلوا هؤلاء الذين قال الله فيهم: (فَإِن قَاتَلُوكُمْ). والأول أظهر، وهو أمر بقتال مطلق لا بشرط أن يبدأ الكفار. دليل ذلك قوله -تعالى-: (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه). وقال ﵇: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله). فدلت الآية والحديث على أن سبب القتال هو الكفر؛ لأنه قال: (حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ). أي كفر. فجعل الغاية عدم الكفر وهذا ظاهر. قال: ابن عباس وقتادة والربيع والسدي وغيرهم. الفتنة هناك الشرك وما تابعه من أذى المؤمنين
الثانية: (فَإِنِ انتَهَوْاْ). أي عن الكفر إما بالإسلام كما تقدم في الآية قبل أو بأداء الجزية في حق أهل الكتاب اهـ.
قلت: فهل بعد هذا البيان من بيان؟ وهل بعد هذا البرهان من برهان؟ أن القرآن ينص على أن: القتال لا يرفع عن رؤوس المشركين إلا بانتهائهم وإقلاعهم وتبرئهم من كل ما يعبد من دون الله مع إخلاص العبادة لله الواحد القهار، وأن الآية والحديث "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله". بنص السلف الصالح يدلان: على هذا المعنى لا كما فهم كثير من المتأخرين أن المقصد والغاية هو مجرد التلفظ بالشهادتين وإن لم تخرجهم من الشرك إلى التوحيد، ومن الكفر إلى: الإيمان بالله وحده فيا لها من حجة ما أقطعها للمنازع.
العلم بقبح وحرمة الشرك شرط في التوبة منه:
ومن المعلوم بيقين أن الانخلاع من الشرك الذي نصت عليه الآيات أنه شرط في تخلية السبيل يسبقه العلم به وبقبحه حتى يتم البراءة منه.
قال ابن القيم: وعلى هذا الأمر العظيم (محبة الله) أسست الملة، ونصبت القبلة، وهو
[ ٦٦ ]
قطب رحى الخلق، والأمر الذي مدارهما عليه. ولا سبيل إلى الدخول إلى ذلك إلا من باب العلم فإن محبة الشيء فرع عن الشعور به ..
ولا بعثت الرسل وأنزلت الكتب إلا بالعلم ولا عُبد الله وحده وأُثنى عليه ومجد إلا بالعلم، ولا عرف الحلال من الحرام إلا بالعلم، ولا عرف فضل الإسلام على غيره إلا بالعلم (١) اهـ.
وقال أيضًا: ولكن الأمر كما قال عمر بن الخطاب: "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية". وهذا لأنه إذا لم يعرف الجاهلية والشرك، وما عابه القرآن وذمه وقع فيه وأقره ودعا إليه وصوبه وحسنه وهو لا يعرف: أنه الذي كان عليه أهل الجاهلية أو نظيره أو شر منهم أو دونه. فينقض بذلك عرى الإسلام عن قلبه. ويعود المعروف: منكرًا، والمنكر: معروفًا، والبدعة: سنة، والسنة: بدعة، ويكفّر الرجل: بمحض الإيمان، وتجريد التوحيد، ويبدع: بتجريد متابعة الرسول ﷺ ومفارقة الأهواء والبدع (٢) اهـ.
قلت: هذا كلام -بفضل الله- خبير بالشريعة ومقاصدها فكيف يتوب من الشرك من لا يعرفه ولا يعلم قبحه؟! وكيف يعبد الله من لا يعرف حد العبادة والتوحيد والطاعة له وحده لا شريك له؟! وهذا كما قال الشيخ -رحمه الله تعالى-: وما عبد الله وحده وأثنى عليه ومجد إلا بالعلم.
نخلص من هاتين الآيتين السابقتين: أن القتل والقتال يرفع عن رؤوس المشركين ويخلي سبيلهم ساعة توبتهم وبراءتهم وانخلاعهم من الشرك والتزام التوحيد.