قلت: فانظر -رحمك الله تعالى- عندما تكلم القاضي -﵀- عن: الشرك الأكبر فحكم على صاحبه بالكفر والردة، وإن كان صاحبها مصرحًا بالإسلام، ولم يذكر العلم بتحريمه.
وعندما تحدث: عن كفر من استحل القتل أو الزنا أو الخمر وقفه على علمه بتحريمه.
لأن الأول نقض للتوحيد ولعقد الإسلام الذي جرت أحكامه عليه بافتراض أنه متوفر لديه وأنه منخلع من الشرك فمتى بان عدم انخلاعه من الشرك أو رجوعه إليه رجع القتال وارتفعت عصمة الدم والمال مرة أخرى، بخلاف فرعيات الشريعة لأنه لم يدخل في الإسلام وجرت عليه أحكامه بالإقرار بها على التعيين بل بإقراره بالتوحيد.
فلذلك فهو أصل الدين الذي من تركه لا تنفعه جميع أنواع الطاعة وإن أتى بها فهي غير مقبولة بل حابطة. ويُغفر لمن أتى به كل ما هو دونه (أي: التوحيد) إن شاء الله -تعالى- لقوله تعالى: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ). ولقوله تعالى: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).
لذلك حكى إجماع المسلمين على أن عبادة غير الله لا توجد إلا من كافر أي: لا تصدر إلا من كافر، وإن كان صاحبه مصرحًا: بالإسلام مع فعله هذا الفعل أي كفر بمجرد
_________________
(١) كتاب الشفاء بشرح نور الدين القاري جـ: ٥ ص: ٤٠١: ٤٣١.
[ ٢٠٤ ]
التلبس بالشرك الأكبر ومعلوم أن هذا من أبلغ صيغ العموم إذ هو أسلوب حصر وقصر أي: عبادة غير الله لا تكون إلا من كافر، ولا توجد مع الإسلام البتة، بخلاف استحلال المحرمات فقد يكون صاحبها مسلمًا إذا كان نشأ ببادية بعيدة، أو حديث عهد بالإسلام، أو لم يكن المحرم: معلومًا بالاضطرار من الدين في وقته.
ففي هذه الأحوال يعذر بجهله استحلال المحرمات لأن الخبريات لا يكفر جاهلها إلا بعد النص والبلاغ، بخلاف التوحيد فنقضه كفر قبل الخبر وبعده.
تعريف الردة وأنواعها:
قال صاحب كفاية الأخيار أبو بكر بن محمد: الردة في اللغة: الرجوع عن الشيء إلى غيره ومنه قوله تعالى: (وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ). وفي الشرع: الرجوع عن الإسلام إلى الكفر وقطع الإسلام.
ويحصل تارة بالقول، وتارة بالفعل، وتارة بالاعتقاد وكل واحد من هذه الأنواع الثلاثة فيه مسائل لا تكاد تحصر فتذكر كل نبذة ما يعرف بها غيره.
أما القول: فكما إذا قال شخص عن عدوه لو كان ربي ما عبدته فإنه يكفر، وكذا لو قال لو كان نبيًا ما آمنت به، أو قال عن ولده أو زوجته هو أحب إلي من الله أو من رسوله، وكذا لو قال مريض بعد ما شفي: لقيت في مرضي هذا ما لو قتلت أبا بكر وعمر لم استوجبه فإنه يكفر، وذهب طائفة من العلماء: إلى أنه يتحتم قتله لأن يتضمن قوله نسبة الله تعالى إلى الجور
وكذا لو ادعى: أنه أوحى إليه وإن لم يدع النبوة أو ادعى أنه يدخل الجنة ويأكل من ثمارها وأنه يعانق الحور العين فهو كفر بالإجماع، ومثل هذا وأشباهه كما يقوله: زنادقة المتصوفة قاتلهم الله ما أجهلهم وأكفرهم وأبلم من اعتقدهم، ولو سب نبيًا من الأنبياء أو استخف به فإنه يكفر بالإجماع
وأما الكفر بالفعل: كالسجود للصنم والشمس والقمر وإلقاء المصحف في القاذورات والسحر الذي فيه عبادة الشمس وكذا الذبح للأصنام والسخرية باسم من أسماء الله تعالى أو بأمره أو وعيده أو قراءة القرآن على ضرب الدف
ولو فعل فعلًا أجمع المسلمون على أنه لا يصدر إلا من كافر وإن كان مصرحًا
[ ٢٠٥ ]
بالإسلام مع فعله كالسجود للصليب، أو المشي إلى الكنائس مع أهلها بزيهم من الزنانير وغيرها فإنه يكفر
وأما الكفر بالاعتقاد فكثيرة جدًا فمن اعتقد: قدم العالم، أو حدوث الصانع، أو اعتقد نفي ما هو ثابت لله تعالى بالإجماع أو أثبت ما هو منفي عنه بالإجماع كالألوان والاتصال والانفصال كان كافرًا
والرضى بالكفر كفر، والعزم على الكفر كفر في الحال، وكذا لو تردد هل يكفر كفر في الحال، وكذا تعليق الكفر بأمر مستقبل كفر في الحال
إذا عرفت هذا فمن تثبت ردته فهو مهدور الدم لأنه أتى بأفحش أنواع الكفر وأغلظها حكمًا. قال الله تعالى: (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ). إلى قوله: (خَالِدُونَ) وهل تستحب توبته أو تجب قولان: أحدهما تستحب لقوله ﵇: "من بدل دينه فاقتلوه" والصحيح أنها تجب
لأن الغالب في الردة أن تكون: عن شبهة عرضت فلم يجز القتل قبل كشفها، والاستتابة منها كأهل الحرب فإنا لا نقتلهم إلا بعد بلوغ الدعوة وإظهار المعجزة (١). ا. هـ.