الحديث الأول: أخرج مسلم في صحيحه: أن أبا هريرة أخبره -أي سعيد بن المسيب- أن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله".
. . . عن أبي هريرة -﵁- عن رسول الله -ﷺ- قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله".
. . . وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله".
وعن أبي مالك عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله". وفي رواية أنه سمع النبي، ﷺ، يقول: "من وحد الله ثم ذكر مثله" (١). اهـ.
قلت: هذه الروايات تنص على أن القتال مشروع إلى أن "يقولوا"، وفي رواية "يشهدوا"، وفي رواية "من وحد الله"، وفي رواية " وكفر بما يعبد من دون الله"، وفي رواية أضاف "ويؤمنوا بما جئت به"، وهذه الروايات كلها تدل -بفضل الله- على أن: العلم بمعنى الشهادتين شرط في عصمة الدم والمال.
_________________
(١) راجع صحيح مسلم بشرح النووي جـ: ١ ص: ٢١٠: ٢١٢.
[ ٧٧ ]
القول دليل على الاعتقاد:
أولًا معنى القول: قال صاحب لسان العرب معنى كلمة قول-: فأما تجوزهم في تسمية الاعتقادات والآراء قولًا فلأن الاعتقاد يخفى فلا يعرف إلا بالقول، أو بما يقوم مقام القول من شاهد الحال فلما كانت لا تظهر إلا في القول سميت قولًا، إذ كانت سببًا له، وكان القول دليلًا عليها، كما يسمى الشيء باسم غيره إذا كان ملابسًا له وكان القول دليلًا عليه
قال شمر: تقول قوّلني فلان حتى قلت: أي: علمني وأمرني أن أقول قال: قوَّلْتني وأقْولْتني أي: علمتني ما أقول وأنطقتني، وحملتني على القول. وفي حديث سعيد بن المسيب حين قيل له: ما تقول في عثمان وعلي، فقال: أقول فيهما: ما قولّني الله -تعالى- ثم قرأ: (وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ) [الحشر: ١٠] اهـ.
قلت: فهذا القول لا بد فيه من العلم. ومن هذا يعلم: أن المقصود بقول النبي -ﷺ-: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" أي: حتى ينطقوا ويعلموا: لا إله إلا الله.
العلم شرط في صحة الشهادة:
وأما الشهادة: فقال أيضًا في نفس المرجع قال: ابن سيده: الشاهد: العالم الذي يبين ما علمه وقال أبو بكر بن الأنباري: في قول المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله: اعلم أن لا إله إلا الله، وأبين أن لا إله إلا الله، قال: وقوله أشهد أن محمدًا رسول الله، أعلم وأبين أن محمدًا رسول الله: وقوله -﷿-: (شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ). قال أبو عبيدة: معنى شهد الله: قضى الله أنه لا إله إلا هو وحقيقته: علم الله وبين الله، لأن الشاهد: هو العالم الذي يبين ما علمه وشهد الشاهد عند الحاكم: أي بين ما علمه وأظهر وسأل المنذري أحمد بن يحيى عن قول الله -﷿-: (شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ). فقال: كل ما كان "شهد الله" فإنه بمعنى: علم الله، قال وقال ابن الأعرابي: معناه: قال الله ويكون معناه: علم الله ويكون معناه: كتب الله، وقال ابن الأنباري: معناه: بيّن الله أن لا إله إلا هو (١) اهـ.
_________________
(١) لسان العرب لابن منظور.
[ ٧٨ ]
وقال القرطبي في قوله -تعالى-: (وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) والمعنى: ولا يملك هؤلاء الشفاعة إلا لمن شهد بالحق وآمن على علم وبصيرة قاله: سعيد بن جبير وغيره. قال وشهادة الحق لا إله إلا الله .. (وَهُمْ يَعْلَمُونَ). حقيقة ما شهدوا به
الثانية قوله -تعالى-: (إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ). يدل على معنيين.
أحدهما: أن الشهادة بالحق غير نافعة إلا مع العلم وأن التقليد لا يغني مع عدم العلم بصحة المقالة.
والثاني: أن شرط سائر الشهادات في الحقوق وغيرها أن يكون الشاهد عالما بها ونحوه ما روى عن النبي، ﷺ: "إذا رأيت مثل الشمس فاشهد وإلا فادع". اهـ.
وقال ابن كثير: هذا استثناء منقطع أي: لكن من شهد بالحق على بصيرة وعلم فإنه تنفع شفاعته عنده بإذنه له اهـ.
وقال الإمام الطبري: فقال بعضهم معنى ذلك: ولا يملك عيسى وعزير والملائكة الذين يعبدوهم هؤلاء المشركون بالساعة الشفاعة عند الله لأحد إلا من شهد بالحق فوحد الله وأطاعه بتوحيد علم منه وصحة بما جاءت به رسله قوله: (إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ) قال: كلمة الإخلاص وهم يعلمون: أن الله حق وعيسى وعزير والملائكة يقول: لا يشفع عيسى وعزير والملائكة إلا من شهد بالحق وهو يعلم الحق اهـ.
وقال ابن تيمية والشهادة: لا بد فيها من علم الشاهد وصدقه وبيانه لا يحصل مقصود الشهادة إلا بهذه الأمور (١).
وقال أيضًا ﵀ (٢) قال أبو الفرج في معنى الآية قولان: أحدهما: أنه أراد بـ"الذين يدعون من دونه" آلهتهم ثم استثنى عيسى وعزيرًا والملائكة. فقال: إلا "من شهد بالحق" وهو شهادة: أن لا إله إلا الله "وهم يعلمون" بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم قال: وهذا مذهب الأكثرين. منهم: قتادة، والثاني: أن المراد بـ"الذين يدعون" عيسى وعزيرًا والملائكة الذين عبدهم المشركون. لا يملك هؤلاء الشفاعة لأحد "إلا من شهد بالحق" وهي: كلمة
_________________
(١) جـ: ١٤ ص: ١٨٧ لمجموع الفتاوى.
(٢) جـ: ١٤ ص: ٤٠٠: ٤١١.
[ ٧٩ ]
الإخلاص "وهم يعلمون" أن الله خلق عيسى وعزيرًا والملائكة. وهذا مذهب قوم. منهم: مجاهد -إلى أن قال في ص: ٤٠٩: ٤١١ - وهذا يتناول: الشافع والمشفوع له، فلا يشفع إلا من شهد بالحق وهم يعلمون. فالملائكة والأنبياء والصالحون -وإن كانوا لا يملكون الشفاعة- لكن إذا أذن لهم الرب شفعوا. وهم لا يؤذن لهم إلا في الشفاعة للمؤمنين الذين يشهدون: أن لا إله إلا الله فيشهدون بالحق وهم يعلمون، لا يشفعون لمن قال: هذه الكلمة تقليدًا للآباء والشيوخ كما جاء في الحديث الصحيح: "إن الرجل يُسأل في قبره ما تقول في هذا الرجل؟ فأما المؤمن فيقول: هو عبد الله ورسوله جاءنا بالبينات والهدى وأما المرتاب فيقول هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته". فلهذا قال: "إلا من شهد بالحق وهم يعلمون" وقد تقدم قول ابن عباس: يعني من قال لا إله إلا الله. يعني: خالصًا من قلبه. والأحاديث الصحيحة الواردة في الشفاعة كلها تبين: أن الشفاعة إنما تكون في أهل "لا إله إلا الله" اهـ.
وقال القرطبي: قوله: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له"، أي: أنطق بما أعلمه وأتحققه: وأصل الشهادة للإخبار عما شاهد المخبر بحسه ثم قد يقال: على ما يحققه الإنسان ويتقنه وإن لم يكن شاهدًا للحس لأن المحقق علمًا كالمدرك حسًا ومشاهدة (١). اهـ.
وقال النووي تعليقًا على هذه الروايات: وفيه أن الإيمان شرطه الإقرار بالشهادتين مع اعتقادهما، واعتقاد جميع ما أتى به رسول الله -ﷺ- وقد جمع ذلك -ﷺ- بقوله: "أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به" (٢). اهـ.
قلت: ومن المعلوم أن اعتقاد الشهادتين يسبقه العلم بمدلولهما -لأن الاعتقاد والتصور فرع العلم- إذ كيف يعتقد العبد اعتقادًا صحيحًا لشيء وهو جاهل بحقيقته؟!.
* * *
_________________
(١) المفهم شرح صحيح مسلم جـ: ١، أثناء شرح خطبة الحاجة للإمام مسلم.
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي جـ: ١ ص: ٢١٢.
[ ٨٠ ]