(١) تعريفهم وتوصيفهم للإسلام يوضح بجلاء إخراج المشرك عن مسمى المسلمين ويراجع ما نقلته عنهم. في هذا الشأن واكتفي بذكر بعض النقول هنا عنهم.
قال ابن تيمية: وأيضًا فإن التوحيد أصل الإيمان وهو الكلام الفارق بين أهل الجنة وأهل النار وهو ثمن الجنة ولا يصح إسلام أحد إلا به-.
وقال أيضًا ودين الإسلام الذي ارتضاه الله وبعث به رسله هو الاستسلام لله وحده فأصله في القلب وهو الخضوع لله وحده بعبادته وحده دون سواه. فمن عبده وعبد معه إلهًا آخر لم يكن مسلمًا ومن لم يعبده بل واستكبر عن عبادته لم يكن مسلمًا والإسلام هو الاستسلام لله وحده.
وقال ابن القيم: إن الإسلام: ليس هو المعرفة فقط ولا المعرفة والإقرار فقط بل المعرفة والإقرار والانقياد والتزام طاعته ودينه ظاهرًا وباطنًا.
وقال: والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له والإيمان برسوله واتباعه فيما جاء به فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم وإن لم يكن كافرا معاندًا فهو كافر جاهل.
وقال محمد بن عبد الوهاب: اعلم -رحمك الله- أن هذه الكلمة هي الفارقة بين الكفر والإسلام وهي كلمة التقوى وهي العروة الوثقى وهي التي جعلها إبراهيم (كلمة باقية في عقبه
[ ٢٦٧ ]
لعلهم يرجعون).
وليس المراد قولها باللسان مع الجهل بمعناها فإن المنافقين يقولونها -وهم تحت الكفار في الدرك الأسفل من النار مع كونهم يصلون ويتصدقون.
ولكن المراد قولها مع معرفتها بالقلب ومحبتها ومحبة أهلها وبغض ما خالفها ومعاداته كما قال النبي، ﷺ،: "من قال لا إله إلا الله مخلصا". وفي رواية "خالصًا من قلبه" وفي رواية "صادقًا من قلبه" وفي حديث آخر "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله" إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على جهالة أكثر الناس بهذه الشهادة.
وقال تعليقًا على حديث "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله" وهذا من أعظم ما يبين معنى: لا إله إلا الله فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصمًا للدم والمال بل ولا معرفة معناها مع لفظها بل ولا الإقرار بذلك بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له بل لا يحرم دمه وماله حتى يضيف بذلك الكفر بما يعبد من دون الله فإن شك أو توقف لم يحرم ماله ودمه فيالها من مسألة ما أعظمها وأجلها ويا له من بيان ما أوضحه وحجة ما أقطعها للمنازع.
وقد سبق نقل هذه النقول من مصادرها ولقد أعدت ذكرها مرة أخرى ليتبين لك أخي القاري. بيقين أن عباد القبور والمشركين غير داخلين في مسمى المسلمين عند هؤلاء الأئمة فهذه واحدة:
لا يخرج العباد عن الشرك أو التوحيد:
(٢) فقد نص هؤلاء العلماء أن الناس صنفان لا ثالث لهما إما موحد لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له وإما مشرك يعبد غير الله.
ومن المعلوم أن عباد القبور وكل من قدم شيئًا لغير الله مما لا يكون إلا لله من خصائص الإلهية ليسوا ممن عبدوا الله مخلصين له الدين وإذا كان ذلك كذلك فهؤلاء ليسوا بموحدين وبالتالي فهم مشركون إذ لا ثالث لهما.
قال ابن تيمية: ولهذا كان كل من لم يعبد الله وحده، فلا بد أن يكون عابدًا لغيره. يعبد غيره فيكون مشركًا. وليس في بني آدم قسم ثالث.
بل إما موحد أو مشرك أو من خلط هذا بهذا كالمبدلين من أهل الملل: النصارى ومن أشبههم من الضلال المنتسبين إلى الإسلام.
[ ٢٦٨ ]
فكل من لم يعبد الله مخلصًا له الدين فلا بد أن يكون مشركًا عابدًا لغير الله. وهو في الحقيقة عابد للشيطان.
فكل واحد من بني آدم إما عابد للرحمن وإما عابد للشيطان. قال تعالى: (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ، وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ، حَتَّى إِذَا جَاءنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ، وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ) (١). ا. هـ.
وقال ابن القيم كما أن من غمر قلبه بمحبة الله -تعالى- وذكره وخشيته والتوكل عليه والإنابة إليه أغناه ذلك عن محبة غيره وخشيته والتوكل عليه، وأغناه أيضًا عن عشق الصور. وإذا خلا من ذلك صار عبد هواه أي شيء استحسنه ملكه واستعبده. فالمعرض عن التوحيد مشرك شاء أم أبى، والمعرض عن السنة مبتدع ضال شاء أم أبى (٢). ا. هـ.
وقال: (وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ). فقسم -سبحانه- الخلائق قسمين: سفيها لا أسفه منه، ورشيدًا.
فالسفيه: من رغب عن ملته إلى الشرك. والرشيد: من تبرأ من الشرك قولًا وعملًا وحالًا فكان قوله توحيدًا وعمله توحيدًا وحاله توحيدًا ودعوته إلى التوحيد (٣). ا. هـ وهذه الثانية
العبادة وشروطها وفساد الشرك لها:
(٣) تقرير هؤلاء الأئمة أن العبادة لله وحده لا تقع مع الشرك به، وأن من شروط تحقق العبادة العلم بالمعبود، والمشرك جاهل بالله -﷿-.
فإن الله هو الرب المالك الخالق لكل شيء وبهذا استحق العبادة والتأله ووجب له الشكر وحده لا شريك له والمشرك لا علم له بهذا وأيضًا من شروط العبادة أن تكون: خالصة لله وحده لا شريك له، وأن يكون المتوجه له مسلمًا حال التوجه لا تقع إلا بهذا.
قال تعالى: (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن
_________________
(١) جـ: ١٤ ص: ٢٨٢: ٢٨٥.
(٢) إغاثة اللهفان جـ: ١ ص: ٢١٤.
(٣) مدارج السالكين جـ: ٣ ص: ٤٤٦.
[ ٢٦٩ ]
بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ).
فالمولى ﵎ لم يكن قط إلا إلهًا واحدًا ولم يأذن في أي وقت بتعدد الآلهة فهو واحد في تألهه وهذا وصف لازم له لا ينفك عنه ولا يعبد إلا به ولا يكفي هذا في العبادة، بل يجب على المتوجه لله أن يكون مسلمًا له أي: خاضعًا مستسلمًا له وحده لا شريك له ظاهرًا وباطنًا ساعة التوجه لا تقع العبادة إلا بهذا.
وهذا ملخص تفسير شيخ الإسلام ابن تيمية لقوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ). ومن المعلوم أن المشرك جاهل بهذا كله.
قال ابن تيمية: وأهل النظر والكلام وأهل العقائد من أهل الحديث وغيرهم يتكلمون في العلم والمعرفة والتصديق الذي هو أصل الإرادة: ويقولون: العبادة لا بد فيها من القصد، والقصد لا يصح إلا بعد العلم بالمقصود المعبود، وهذا صحيح فلا بد من معرفة المعبود وما يعبد به.
فالضالون من المشركين والنصارى وأشباههم لهم عبادات وزهادات لكن لغير الله أو بغير أمر الله، وإنما القصد والإرادة النافعة هو إرادة عبادة الله وحده، وهو إنما يعبد بما شرع لا بالبدع وعلى هذين الأصلين يدور دين الإسلام: على أن يعبد الله وحده وأن يعبد بما شرع ولا يعبد بالبدع (١). ا. هـ.
وقال ابن القيم وهل تمكن عبادة الله التي هي حقه على العباد كلهم إلا بالعلم وهل ينال العلم إلا بطلبه (٢) اهـ.
وقال ابن تيمية عند تفسير سورة (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) فقوله (وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) يتناول شركهم فإذا أشركوا به لم يكونوا عابدين له وإن دعوه وصلوا له وقال: فكل من عبد الله مخلصًا له الدين فهو مسلم في كل وقت.
قلت: وقرر الشيخ أنه لا يعبد إله إبراهيم إلا من كان على ملته. والمشرك ليس على ملة إبراهيم لأن ملته، ﷺ، التوحيد والطاعة لله وحده لا شريك له وترك الشرك عن قصد وعلم كما قال يوسف (إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ، وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ
_________________
(١) جـ: ١٩ ص: ١٧٢: ١٧٣ لمجموع الفتاوى.
(٢) هذه النقول قد مرت من قبل فلتراجع مصادرها.
[ ٢٧٠ ]
آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللهِ مِن شَيْءٍ). الآية.
وقال: فالمشرك الذي جعل مع الله إلهًا آخر لا يدخل في مسمى الإيمان عند الإطلاق
وقال: فمن عبد إلهين لم يكن عابدًا لإلهه (أي يعقوب ﵇) وإله آبائه وإنما يعبد إلهه من عبد إلهًا واحدًا.
ولو كان من عبد الله وعبد معه غيره عابدًا له لكانت عبادته نوعين -عبادة إشراك وعبادة إخلاص.
وقال: فمن عبد معه غيره فما عبده إلهًا واحدًا ومن أشرك به فما عبده وهو لا يكون إلا إلهًا واحدًا فإذا لم يعبده في الحال اللازمة له لم تكن له حال أخرى يعبده فيها فما عبده (١). اهـ. فهذه الثالثة.
ثبوت وصف الشرك قبل الرسالة والحجة عليه العقل والفطرة:
(٤) إثبات هؤلاء الأئمة أن وصف الشرك ثابت قبل الرسالة والحجة عليه العقل والفطرة ولا يحتاج ذلك إلى رسول إلا أن العذاب لا يكون إلا بعد الحجة الرسالية لقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا).
قال ابن تيمية (وقد مر في بحث التحسين والتقبيح) والجمهور من السلف والخلف على أن: ما كانوا فيه قبل مجيء الرسول من الشرك والجاهلية كان سيئًا قبيحًا لكن لا يستحقون العذاب إلا بعد مجيء الرسول.
وقال أيضًا فهذا كله يبين قبح ما كانوا عليه قبل النهي وقبل إنكاره عليهم.
وقال أيضًا -فلولا أن حسن التوحيد وعبادة الله -تعالى- وحده لا شريك له وقبح الشرك ثابت في نفس الأمر معلوم بالعقل لم يخاطبهم بهذا.
وقال -﵀-: فاسم المشرك ثبت قبل الرسالة فإنه يشرك بربه ويعدل به ويجعل معه آلهة أخرى ويجعل له أندادًا قبل الرسول.
وقال ابن القيم تعليقًا على آية الميثاق: وهذا يقتضي أن نفس العقل الذي به يعرفون التوحيد حجة في بطلان الشرك لا يحتاج ذلك إلى رسول فإنه جعل ما تقدم حجة
_________________
(١) هذه النقول قد مرت من قبل فلتراجع مصادرها.
[ ٢٧١ ]
عليهم بدون هذا وهذا لا يناقض قوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا).
وقال أيضًا فكون ذلك فاحشة وإثمًا وبغيًا بمنزلة كون: الشرك شركًا فهو شرك في نفسه قبل النهي وبعده.
فمن قال: إن الفاحشة والقبائح والآثام إنما صارت كذلك بعد النهي فهو بمنزلة من يقول: الشرك إنما صار شركًا بعد النهي وليس شركًا قبل ذلك. ا. هـ.
قلت: فاسم المشرك ثابت قبل الرسالة والحجة على ذلك العقل والفطرة فما الحكم إذًا بعد الرسالة؟ فهذه الرابعة.