الآية الأولى قوله -تعالى-: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). [المائدة: ١٩].
[ ١٩ ]
قال القرطبي: (يُبَيِّنُ لَكُمْ). انقطاع حجتهم حتى لا يقولوا: غدًا ما جاءنا رسول (عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ) أي سكون يقال: فتر الشيء: سكن، وقيل "عَلَى فَتْرَةٍ" على انقطاع ما بين النبيين عن أبي عليّ وجماعة أهل العلم وحكاه: الرماني اهـ.
وقال ابن كثير: والمقصود أن الله بعث محمدًا، ﷺ، على فترة من الرسل، وطموس من السبل، وتغير الأديان، وكثرة عبادة الأوثان والنيران والصلبان فكانت النعمة به أتم النعمة والحاجة إليه أمر عمم، فإن الفساد قد عم جميع البلاد والطغيان والجهل قد ظهر في سائر العباد إلا قليلًا من المتمسكين ببقايا من دين الأنبياء " ثم إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من بني إسرائيل ". ثم رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي من غير وجه
فكان الذين قد التبس على أهل الأرض كلهم حتى بعث الله محمدًا، ﷺ، فهدى الخلائق وأخرجهم الله به من الظلمات إلى النور وتركهم على المحجة البيضاء والشريعة الغراء، ولهذا قال -تعالى-: (أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ). أي: لئلا تحتجوا وتقولوا يا أيها الذين بدلوا دينهم وغيروه ما جاءنا من رسول يبشر بالخير وينذر من الشر، فقد جاءكم بشير ونذير يعني محمدًا، ﷺ، اهـ.
وقال الطبري: على فترة من الرسل يقول: على انقطاع من الرسل، والفترة في هذا الموضع الإنقطاع يقول: قد جاءكم رسولنا يبين لكم الحق والهدى على انقطاع من الرسل (أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ) فمعنى الكلام: قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل كي لا تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير يعلمهم -عزّ ذكره- أنه قد قطع عذرهم برسوله ﷺ، وأبلغ إليهم في الحجة اهـ.
وقال الشوكاني: (أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ). تعليل: لمجيء الرسول بالبيان على حين فترة: أي كراهة أن تقولوا هذا القول معتذرين عن تفريطكم "أي لا تعتذروا فقد جاءكم بشير ونذير وهو محمد، ﷺ اهـ.
الآية الثانية: قوله -تعالى-: (وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ). [القصص: ٤٧].
قال الطبري يقول -تعالى ذكره-: ولولا أن يقول هؤلاء الذين: أرسلتك يا محمد، ﷺ، إليهم لو حلّ بهم بأسنا أو أتاهم عذابنا من قبل أن نرسلك إليهم على كفرهم بربهم
[ ٢٠ ]
واكتسابهم الآثام واجترامهم المعاصي: ربنا هلاّ أرسلت إلينا رسولًا من قبل أن يحل بنا سخطك وينزل بنا عذابك فنتبع أدلتك وآي كتابك الذي تنزلُه على رسولك وتكون من المؤمنين بألوهيتك المصدقين رسولك فيما أمرتنا ونهيتنا. لعاجلناهم العقوبة على شركهم من قبل ما أرسلناك إليهم، ولكنا بعثناك إليهم نذيرًا بأسنا على كفرهم لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل اهـ.
قال الشوكاني: قال الزجاج: وتقدير ما أرسلنا إليهم رسلًا: يعني أن الحامل على إرسال الرسل هو إزاحة عللهم فهو كقوله -سبحانه-: (لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) ومعنى الآية: أنا لو عذبناهم لقالوا: طال العهد بالرسل ولم يرسل الله إلينا رسولًا ويظنون أن ذلك عذر لهم ولا عذر لهم بعد أن بلغتهم أخبار الرسل، ولكنا أكملنا الحجة وأزحنا العلة وأتمننا البيان بإرسالك يا محمد إليهم اهـ.
وقال القرطبي: (فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا). أي هلاّ: (أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا).
لما بعثنا الرسل وقيل: لعاجلناهم بالعقوبة. وبعث الرسل أزاحة لعذر الكفار
فال القشيري: والصحيح أن المحذوف لولا كذا لما احتيج إلى تجديد الرسل أي: هؤلاء الكفار غير معذورين إذ بلغتهم الشرائع السابقة والدعاء إلى التوحيد، ولكن تطاول العهد فلو عذبناهم فقد يقول قائل منهم: طال العهد بالرسل ويظن أن ذلك عذر، ولا عذر لهم بعد أن بلغهم خبر الرسل، ولكن أكملنا إزاحة العذر وأكملنا البيان فبعثناك يا محمد، ﷺ، إليهم وقد حكم الله بأنه لا يعاقب عبدًا إلا بعد إكمال البيان والحجة وبعثة الرسل اهـ.
وقال ابن كثير: أي وأرسلناك إليهم لتقيم عليهم الحجة ولينقطع عذرهم إذا جاءهم
[ ٢١ ]
عذاب من الله بكفرهم فيحتجوا بأنهم لم يأتهم رسول ولا نذير اهـ.
وقال البغوي: (وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم). عقوبة ونقمة (بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ). من الكفر والمعصية. (فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا) هلا (أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ). وجواب لولا محذوف أي: تعاجلناهم بالعقوبة. يعني: لولا أنهم يحتجون بترك الإرسال إليهم لعاجلناهم بالعقوبة على كفرهم، وقيل: معناه لما بعثناك إليهم رسولًا ولكن بعثناك إليهم لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل اهـ.
قلت: فمن هذين النصين يعلم أن القوم قبل بعثة النبي، ﷺ، لو عاجلهم المولى -سبحانه- العقوبة على شركهم واكتسابهم الآثام، لاحتج القوم بأنهم في زمن فترة من الرسل وأنهم ما جاءهم من رسول يبشر بالخير وينذر من الشر، فبعث الله محمدًا ﷺ ليقطع عذرهم في العذاب، ومع هذا فقد اتفق السلف على أنهم مشركون كافرون غير مسلمين إلا أنهم لا يعذبون إلا بعد الحجة الرسالية على خلاف بينهم في هذا الأخير.
فهؤلاء القوم كانوا في زمن فترة من الرسل. وفي جهل شديد ومع هذا كانوا مشركين.
الدليل الثالث: شرك قوم نوح، ﷺ، وهو أول شرك وقع على وجه الأرض، ومن المعلوم بيقين أن آدم، ﵇، قد ترك ذريته على التوحيد الخالص. ثم بدأ يدب الشرك في ذريته بسنن شيطانية التي تحدث عنها حبر الأمة ابن عباس -﵄- فأصبحوا مشركين فبعث الله نوحًا وهو أول رسول إلى أهل الأرض بنص حديث الشفاعة الصحيح.
ومن المعلوم أيضًا أن نوحًا ﵇ كان يخاطب قومه على أنهم: مشركون لا مسلمون.
فأين الرسول الذي أقام الحجة عليهم قبله حتى يثبت لهم وصف الشرك وحكمه؟
قال الله -تعالى-: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ). [البقرة: ٢١٣].
قال ابن كثير: قال ابن جرير عن ابن عباس -﵁- قال: كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين.
قال: وكذلك هي قراءة عبد الله الناس كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام فبعث الله إليهم نوحًا، ﵇، فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض اهـ.
وقال ابن تيمية: وذلك أن الناس كانوا بعد آدم، ﵇، وقبل نوح، ﵇، على التوحيد والإخلاص كما كان عليه أبوهم آدم أبو البشر، ﵇، حتى ابتدعوا الشرك وعبادة الأوثان -بدعة من تلقاء أنفسهم- لم ينزّل الله بها كتابًا ولا أرسل بها رسولًا. بشبهات زينها الشيطان من جهة المقاييس الفاسدة والفلسفة الحائدة. قوم منهم
[ ٢٢ ]
زعموا: أن التماثيل طلاسم الكواكب السماوية والدرجات الفلكية والأرواح العلوية وقوم اتخذوها على صورة من كان فيهم من الأنبياء والصالحين، وقوم جعلوها لأجل الأرواح السفلية من الجن والشياطين وقوم على مذاهب أخر. وأكثرهم لرؤسائهم مقلدون وعن سبيل الهدى ناكبون، فابتعث الله نبيه نوحًا، ﵇، يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وينهاهم عن عبادة ما سواه وإن زعموا أنهم يعبدونهم ليتقربوا بهم إلى الله زلفى ويتخذوهم شفعاء (١). اهـ.
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس -﵄-: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تُعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسّخ العلم عبدت (٢) اهـ.
قلت: انظر رحمني الله وإياك قول ابن عباس -﵄أنها- أي الأصنام- لم تعبد في بادئ الأمر، وأن العلة في عبادتها: تنسخ العلم وانتشار الجهل.
وذلك لأن المشرك أينما كان يظن أن ما هو عليه من الديانة تقربه إلى الله زلفى فكيف يتقرب العبد إلى الله بأمر يعتقد بطلانه؟
وذلك لأن الشرك منبعه ومبعثه: الاعتقاد، بخلاف المعصية فإن منبعها ومبعثها: الشهوة المحضة.
فالزاني والسارق وشارب الخمر يعلم قبح وحرمة معصيته ولكن يحمله على اقترافها الشهوة العارمة بخلاف الذبح والنذر والدعاء والاستغاثة فهذه الحامل على فعلها: الاعتقاد لا الشهوة.
لذلك لن تجد عبدًا يعلم قبح وحرمة الشرك وأنه يسوق صاحبه إلى الخلود في النيران ويحرم عليه دخول الجنة ويحبط عمله بالكلية ثم يفعله بعد هذا قربة إلى الله؟.
_________________
(١) جـ: ٢٨ ص: ٦٠٣، ٦٠٤ لمجموع الفتاوى.
(٢) راجع فتح الباري جـ: ٨ ص: ٥٣٥.
[ ٢٣ ]