قلت: انظر -رحمك الله- إلى تنزيل الشيخ محمد بن عبد الوهاب للآيات التي جاءت في ذكر الكفار الأصليين على من فعل فعلهم من المسلمين. لأنه عند الاحتجاج بمثل هذه الآيات يرد فريق من الناس: أن هذه الآيات في الكفار الأصليين لا في المسلمين مستدلين خطأ بأقوال السلف في ذمهم للخوارج على أنهم أخذوا آيات نزلت في الكفار وحملوها على المسلمين وهذا صحيح. والفرق بين المسألتين أن الآيات التي احتج بها الخوارج وهي آيات الحاكمية نزلت في أناس من أهل الكتاب امتدت يدهم الخبيثة إلى تبديل الحدود
_________________
(١) المسألة (١٦) ص: ٤٤٧: ٤٥٢ من كتاب تاريخ نجد.
[ ١٥٧ ]
فجعلوا حدًا للزنا مكان حد الله سبحانه فنصبوا أنفسهم شركاء لله بنص القرآن (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ). فحكم عليهم القرآن بكفرهم لفعلهم الخبيث، لا لأنهم أهل كتاب -لأن هذا الوصف لا يوصف بذم ولا يبني عليه أحكام بل كما أخبر القرآن أن منهم أمة مقتصدة في كثير من الآيات فلو حكم القرآن بكفرهم لأنهم أهل كتاب لكان التناقض (والعياذ بالله من ذلك). ولكن كان مناط كفرهم هو: فعلتهم الخبيثة، فجاءت الخوارج فأنزلت هذه النصوص على أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص -﵄- عندما حكما في دماء المسلمين بالقرآن من قبل علي ومعاوية ﵄ وقالوا: حكموا الرجال والله يقول: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ). فحكموا بكفر علي ومعاوية ﵄ ومن والاهما فأنكر السلف عليهم هذا وقالوا: إنهم عمدوا لآيات نزلت في الكفار فأنزلوها على المسلمين، وحق لهم هذا الإنكار لأن الخوارج أنزلوا الآيات التي جاءت في ذكر الكفار على أفعال ليست هي من جنس أفعالهم.
ولكن من أنزل الآيات التي جاءت في ذكر الكفار على من فعل فعلهم من المسلمين فأين هذا من هذا؟ بل هذا متواتر في كتب العلماء.
قال ابن القيم في قوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ، وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) [سبأ: ٢٢، ٢٣].
والقرآن: مملوء من أمثالها ونظائرها ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته وتضمنه له ويظنونه في نوع، وفي قوم قد خلوا من قبل ولم يعقبوا وارثًا. وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن.
ولعمر الله: إن كان أولئك قد خلوا فقد ورثهم من هو مثلهم أو شر منهم أو دونهم، وتناول القرآن لهم: كتناوله لأولئك.
ولكن الأمر كما قال عمر بن الخطاب "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية" (١). ا. هـ.
_________________
(١) مدارج السالكين جـ: ١ ص: ٣٥١.
[ ١٥٨ ]
وقال ابن كثير في قوله تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤] قال البخاري عن عمرو بن مصعب قال سألت أبي -يعني سعد بن أبي وقاص- عن قول الله: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا). أهم الحرورية؟ قال: لا هم اليهود والنصارى، أما اليهود فكذبوا محمدًا -ﷺ- وأما النصارى فكفروا بالجنة وقالوا لا طعام فيها ولا شراب. والحرورية- الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه. وكان سعد ﵁ يسميهم الفاسقين، وقال علي بن أبي طالب والضحاك وغير واحد. هم الحرورية.
ومعنى هذا عن علي ﵁: أن الآية تشمل الحرورية كما تشمل اليهود والنصارى وغيرهم لا أنها نزلت في هؤلاء على الخصوص ولا هؤلاء. بل هي أعم من هذا، فإن هذه الآية مكية قبل خطاب اليهود والنصارى وقبل وجود الخوارج بالكلية. وإنما هي عامة في كل من عبد الله على غير طريقة مرضية يحسب أنه مصيب فيها وأن عمله مقبول وهو مخطئ وعمله مردود كما قال تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ، عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ، تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً) [الغاشية: ٢ - ٤]. وقال تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا) [الفرقان: ٢٣]. وقال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ ) [النور: ٣٩].
وقال في هذه الآية الكريمة: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ) أي: نخبركم (بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا) ثم فسرهم فقال: (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أي: عملوا أعمالًا باطلة على غير شريعة مشروعة مرضية مقبولة (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) أي: يعتقدون أنهم على شيء وأنهم مقبولون محبوبون ا. هـ.
وقال الطبري فيها: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله -﷿- عنى بقوله: (هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا). كل عامل عملًا يحسبه فيه مصيبًا وأنه لله بفعله ذلك مطيع مرض وهو بفعله ذلك لله مسخط وعن طريق الإيمان به جائر: كالرهابنة والشمامسة وأمثالهم من أهل الاجتهاد في ضلالهم وهم مع ذلك من فعلهم واجتهادهم بالله كفرة من أهل أي دين كانوا
وقوله (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) يقول: هم الذين لم يكن عملهم الذي عملوه في حياتهم الدنيا على هدى واستقامة بل كان
[ ١٥٩ ]
على جور وضلالة، وذلك أنهم عملوا بغير ما أمرهم الله به بل على كفر منهم به "وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا" يقول: وهم يظنون أنهم بفعلهم ذلك لله مطيعون وفيما ندب عباده إليه مجتهدون. وهذا من أدل الدلائل على خطأ قول من زعم أنه: لا يكفر بالله أحد إلا من حيث يقصد إلى الكفر بعد العلم بوحدانيته، وذلك أن الله -تعالى- ذكره- أخبر عن هؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآية أن سعيهم الذي سعوا في الدنيا ذهب ضلالًا وقد كانوا يحسبون أنهم محسنون في صنعهم ذلك، وأخبر عنهم أنهم هم الذين كفروا بآيات ربهم. ولو كان القول كما قال: الذين زعموا أنه لا يكفر بالله أحد إلا من حيث يعلم لوجب أن يكون هؤلاء القوم في عملهم الذي أخبر الله عنهم أنهم كانوا يحسبون فيه أنهم يحسنون صنعه كانوا مثابين مأجورين عليها ولكن القول بخلاف ما قالوا. فأخبر -جل ثناؤه- عنهم أنهم بالله كفرة وأن أعمالهم حابطة. ا. هـ.
وقال القرطبي: الأولى -قوله تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا). الآية.
فيه دلالة على أن: من الناس من يعمل العمل وهو يظن أن محسن وقد حبط سعيه، والذي يوجب إحباط السعي: إما فساد الاعتقاد أو المراءاة والمراد هنا الكفر. ا. هـ.
قلت: فهذه نصوص العلماء في غاية الوضوح والبيان في تنزيل الآيات التي جاءت في الكفار الأصليين على من فعل فعلهم من المسلمين، ولولا خشية الإطالة لسردت منها الكثير وقبل الانتقال من هذه المسألة يجب الإشارة إلى مسألة تنقيح المناط والبحث عن العلة التي هي الوصف المناسب المؤثر في الحكم، لأن العلة تدور مع الحكم وجودًا وعدمًا فكثير من الناس قد يستنبطون وصفًا يظنونه هو العلة ولا يكون مؤثرًا في الحكم وهذا كما فعلت الخوارج والضابط في هذا الرجوع إلى أهل الاجتهاد الموثوق بهم من السلف الصالح عند عامة الأمة حتى يتجنب الزلل في هذا.
* * *
[ ١٦٠ ]