وقال: ويعلم أنه لو قدر أن قومًا قالوا للنبي ﷺ: نحن نؤمن بما جئتنا به بقلوبنا من غير شك، ونقر بألسنتنا بالشهادتين، إلا أنا لا نطيعك في شيء مما أمرت به ونهيت عنه، فلا نصلي، ولا نصوم، ولا نحج، ولا نصدق الحديث، ولا نؤدي الأمانة، ولا نفي بالعهد، ولا نصل الرحم، ولا نفعل شيئًا من الخير الذي أمرت به، ونشرب الخمر، وننكح ذوات المحارم بالزنا الظاهر، ونقتل من قدرنا عليه من أصحابك وأمتك، ونأخذ أموالهم، بل نقتلك أيضًا ونقاتلك مع أعدائك. هل كان يتوهم عاقل أن النبي، ﷺ، يقول لهم: أنتم مؤمنون كاملوا الإيمان وأنتم من أهل شفاعتي يوم القيامة، ويرجى لكم أن لا يدخل أحد منكم النار، بل كل مسلم يعلم بالاضطرار أنه يقول لهم: أنتم أكفر الناس بما جئت به ويضرب رقابهم إن لم يتوبوا من ذلك (١) اهـ.
وقال: وأيضًا فقد جاء نفر من اليهود إلى النبي فقالوا: نشهد إنك لرسول الله ولم يكونوا مسلمين بذلك، لأنهم قالوا ذلك على سبيل الإخبار عما في أنفسهم أي: نعلم ونجزم أنك رسول الله. قال: فلم لا تتبعوني؟ قالوا: نخاف من يهود.
فعلم أن مجرد العلم والإخبار عنه ليس بإيمان حتى يتكلم بالإيمان على وجه الإنشاء المتضمن للالتزام والانقياد مع تضمن ذلك الإخبار عما في أنفسهم، فالمنافقون قالوا مخبرين كاذبين فكانوا كفارًا في الباطن وهؤلاء قالوا غير ملتزمين ولا منقادين فكانوا كفارًا في الظاهر والباطن (٢). اهـ.
وقال ابن القيم في هذا الحديث وفيها أن إقرار الكاهن الكتابي لرسول الله بأنه نبي لم يدخله في الإسلام ما لم يلتزم طاعته ومتابعته فإذا تمسك بدينه بعد هذا الإقرار لا يكون ردة منه ونظير هذا قول الحبرين قالا نشهد إنك نبي. قال: فما يمنعكما من اتباعي، قالا: نخاف أن تقتلنا اليهود. ولم يلزمهما بذلك الإسلام، ومن تأمل ما في السير والأخبار الثابتة من شهادة كثير من أهل الكتاب والمشركين له ﷺ بالرسالة وأنه صادق فلم تدخلهم هذه الشهادة في الإسلام علم أن الإسلام أُمر وراء ذلك. وأنه ليس هو المعرفة فقط ولا المعرفة والإقرار
_________________
(١) جـ: ٧ ص: ٢٨٧ لمجموع الفتاوى.
(٢) جـ: ٧ ص: ٥٦١ لمجموع الفتاوى.
[ ١٠٩ ]
فقط، بل المعرفة والإقرار والانقياد والتزام طاعته ودينه ظاهرًا وباطنًا (١) اهـ.
وقال أيضًا ﵀: وعلى هذا فإنما لم يحكم لهؤلاء اليهود الذين شهدوا له بالرسالة بحكم الإسلام، لأن مجرد الإقرار والإخبار بصحة رسالته لا يوجب الإسلام إلا أن يلتزم طاعته ومتابعته. وإلا فلو قال: أنا أعلم أنه نبي ولكن لا أتبعه ولا أدين بدينه كان من أكفر الكفار كحال هؤلاء المذكورين وغيرهم. وهذا متفق عليه بين الصحابة والتابعين وأئمة السنة أن الإيمان لا يكفي فيه قول اللسان بمجرده ولا معرفة القلب مع ذلك بل لا بد فيه من عمل القلب وهو حب الله ورسوله وانقياده لدينه والتزام طاعته ومتابعة رسوله وهذا خلاف من زعم أن الإيمان هو مجرد معرفة القلب وإقراره (٢) اهـ.
وقال الحافظ وفي قصة أهل نجران من الفوائد أن إقرار الكافر بالنبوة لا يدخله في الإسلام حتى يلتزم أحكام الإسلام (٣) اهـ.
وقال ابن تيمية وقد ذكرت فيما تقدم من القواعد أن الإسلام الذي هو دين الله الذي أنزل به كتبه وأرسل به رسله وهو: أن يسلم العبد لله رب العالمين فيستسلم لله وحده لا شريك له ويكون سالمًا بحيث يكون متألهًا له غير متأله لما سواه كما بينته أفضل الكلام ورأس الإسلام: وهو شهادة أن لا إله إلا الله. وله ضدان: الكبر، والشرك ولهذا روى أن نوحا، ﵇، أمر بنيه بلا إله إلا الله وسبحان الله ونهاهم عن الكبر والشرك في حديث قد ذكرته في غير هذا الموضع فإن المستكبر عن عبادة الله لا بعبده فلا يكون مستسلمًا له والذي يعبده ويعبد غيره يكون مشركًا به فلا يكون سالمًا له بل يكون له في شرك (٤) اهـ.
وقال: وهذا (أي: توحيد الإلهية) من أعظم ما تجب رعايته على أهل الإرادة والسلوك، فإن كثيرًا من المتأخرين زاغ عنه فضل سواء السبيل. وإنما يعرف هذا من توجه بقلبه وانكشفت له حقائق الأمور وصار يشهد الربوبية العامة والقيومية الشاملة فإن لم يكن معه نور الإيمان
_________________
(١) زاد المعاد جـ: ٣ ص: ٤٢ "في أثناء التعليق على ما في قصة وفد نجران من الفقه.
(٢) مفتاح دار السعادة جـ: ١ ص: ٩٤.
(٣) فتح الباري جـ: ٧ ص: ٦٩٧.
(٤) جـ: ٧ ص: ٦٢٣ لمجموع الفتاوى.
[ ١١٠ ]
والقرآن الذي يحصل به الفرقان حتى يشهد الإلهية التي تميِّز بين أهل التوحيد والشرك وبين ما يحبه الله وما يبغضه وبين ما أمر به الرسول وبين ما نهى عنه وإلا خرج عن دين الإسلام بحسب خروجه عن هذا، فإن الربوبية العامة قد أقر بها المشركون الذين قال الله فيهم: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ).
وإنما يصير الرجل مسلمًا حنيفًا موحدًا إذا شهد: أن لا إله إلا الله. فعبد الله وحده بحيث لا يشرك معه أحدًا في تألهه ومحبته له وعبوديته وإنابته إليه وإسلامه له ودعائه له والتوكل عليه وموالاته فيه، ومعاداته فيه ومحبته ما يحب وبغضه ما يبغض ويفنى بحق التوحيد عن باطل الشرك وهذا فناء يقارنه البقاء فيفنى عن تأله ما سوى الله بتأله الله تحقيقًا لقول: لا إله إلا الله فينفي ويفنى من قلبه تأله ما سواه ويثبت ويبقى في قلبه تأله الله وحده، وقد قال النبي، ﷺ، في الحديث الصحيح: "من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة". وفي الحديث الآخر: "من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله دخل الجنة". وقال في الصحيح: "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله". فإنها حقيقة دين الإسلام فمن مات عليها مات مسلمًا (١) اهـ.
قلت: انظر: رحمك الله إلى قول الشيخ: وإنما يصير الرجل مسلمًا حنيفًا موحدًا إذا شهد أن لا إله إلا الله فعبده وحده بحيث لا يشرك معه أحدًا في تألهه وهذا التعريف الجامع لحقيقة الإسلام متواتر ذكره في كتبه منها ما ذكر من قبل ومنها ما سيأتي ذكره بمشيئة الله -تعالى-.
وهذا من أدل الدلائل على عدم إعذار الشيخ بالجهل في أصل الأصول وهو التوحيد وترك الشرك لأن المشركين لا يدخلون عنده في مسمى المسلمين وأن الحنيف هو: الموحد التارك للشرك على عمد وبصيرة واستقام على الشريعة.
وهذا المعنى متواتر في نصوص الشريعة ومعلوم بالإضطرار من نصوص المفسرين وإليك الأدلة والبراهين على ذلك.