أقول وبالله التوفيق: إن الذين طلبوا كانوا حدثاء عهد بالكفر، وطلبوا ولم يفعلوا، وقد نص العلماء على أنهم طلبوا مجرد المشابهة في أن تكون لهم شجرة ينوطون بها السلاح يستمدون بها وليس منها النصر بسبب ما ينزل من البركة عليها من قبل الله. ولذلك سألوا النبي، ﷺ، ذلك فقالوا: اجعل لنا ذات أنواط. فهم لم يدّعوا فيها هذا من قبل نفوسهم ولكن أرادوا أن يكون ذلك من الله عن طريق نبيه ومصطفاه، ﷺ، وكما قلت من قبل: يستمدون بها النصر وليس منها كما في الحديث الصحيح "مطرنا بنوء كذا". أي: بسبب الكوكب لا به.
لأن القول مطرنا بسبب الكوكب فهذا يكون ابتداع وشرك أصغر.
ومن قال: إن الكوكب هو الذي أنزل المطر فهذا شرك بالله في ربوبيته.
فهم طلبوا النصر بها ولكن المحذور الذي وقعوا فيه هو مشابهتهم للمشركين فقطع النبي، ﷺ، مادة المشابهة من جذرها، وقال: قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل (اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة).
ومن المعلوم أن المشبه يشبه المشبه به في وجه أو في بعض الأوجه دون بقيتها لا يماثله تمامًا وإلا كان فردًا من جنسه وهذا كقول النبي، ﷺ،: "مدمن الخمر كعابد وثن" (١). وقوله ﷺ: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته" (٢).
_________________
(١) سنن ابن ماجه وحسنه الألباني -راجع صحيح سنن ابن ماجه جـ: ٢ "كتاب الأشربة".
(٢) صحيح البخاري -كتاب التوحيد- باب قول الله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ).
[ ٢٤٤ ]
ومن المعلوم أن التشبيه هنا في الرؤية والوضوح لا في الشكل والاستدارة (والعياذ بالله من ذلك) وكذلك هنا أن بني إسرائيل طلبوا مشابهة المشركين ولكن في الشرك الأكبر وأنتم طلبتم مشابهة المشركين إلا أنه في الشرك الأصغر، أو أن طلبهم هذا قد يؤول إلى الشرك الأكبر مع طول الزمان لأن البدع يريد الشرك الأكبر، فأول شرك وقع على وجه الأرض كان بدايته تصوير الأصنام على صور الصالحين، ثم لما تنسخ العلم عبدت، فكان تصوير الأصنام ذريعة إلى الشرك فيما بعد مع أن مجرد الوقوف عليه ليس بشرك، وكما حرم في شريعتنا بناء المساجد على القبور أيضًا لهذا المعنى: لأنها تؤول بأصحابها إلى الشرك الأكبر.
فإن قيل فإن كان سؤالهم مجرد المشابهة فلم قال ﷺ: "قلتم كما قالت بنو إسرائيل"؟ قيل: هذا من باب ما يؤول إليه الأمر ومن باب التغليظ كما غلظ النبي -ﷺ- على من قال له "ما شاء الله وشئت، فقال أجعلتني لله ندًا".
قال الشاطبي: - في معرض اتباع الأمم السابقة خاصة أهل الكتاب في بدعهم -قال فقوله، ﷺ: "حتى تأخذ أمتي بما أخذ القرون من قبلها". يدل على أنها تأخذ بمثل ما أخذوا به إلا أنه لا يتعين في الاتباع لهم أعيان بدعهم، بل قد تتبعها في أعيانها وتتبعها في أشباهها، فالذي يدل على الأول قوله "لتتبعن سنن من كان قبلكم". الحديث فإنه قال فيه: "حتى لو دخلوا في جحر ضب حرب لاتبعتموهم". والذي يدل على الثاني قوله: "فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط، فقال ﵇ هذا كما قالت بنو إسرائيل: اجعل لنا إلها" الحديث.
فإن اتخاذ ذات أنواط يشبه اتخاذ الآلهة من دون الله لا أنه هو بنفسه، فلذلك لا يلزم الاعتبار بالمنصوص عليه ما لم ينص عليه مثله من كل وجه والله أعلم (١). ا. هـ.
طلب القوم مجرد المشابهة:
فهذا النص من الإمام الأصولي يدل على أن: القوم لم يطلبوا الشرك الأكبر بل مجرد المشابهة وأنه يشبه طلب بني إسرائيل لا أنه هو بنفسه، وأنه لا يلزم التشابه بينهما من كل وجه فلذلك لا يلزم الاعتبار بالمنصوص عليه، ما لم ينص عليه من كل وجه.
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب بعد أن ساق الحديث في باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما -فيه مسائل-.
_________________
(١) الاعتصام جـ: ٢ ص:: ٢٤٥: ٢٤٦.
[ ٢٤٥ ]
المسألة الثالثة -كونهم لم يفعلوا -المسألة الحادية عشر- أن الشرك فيه: أكبر، وأصغر لأنهم لم يرتدوا بهذا" (١). ا. هـ.
قلت: فهذا نص من الشيخ أن القوم طلبوا الشرك الأصغر.
وقال ابن تيمية: ولما كان للمشركين شجرة يعلقون عليها أسلحتهم ويسمونها ذات أنواط فقال بعض الناس: يا رسول الله: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال: الله أكبر قلتم كما قال قوم موسى لموسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة إنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم".
فأنكر النبي، ﷺ، مجرد مشابهتهم الكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها معلقين عليها سلاحهم. فكيف بما هو أطم من ذلك من مشابهتهم المشركين أو هو الشرك بعينه؟
فمن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها ولم تستحب الشريعة ذلك فهو من المنكرات وبعضه أشد من بعض. سواء كانت البقعة شجرة أو غيرها أو قتاة جارية أو جبلًا أو مغارة وسواء قصدها ليصلي عندها، أو ليدعو عندها، أو ليقرأ عندها، أو ليذكر الله -سبحانه- عندها، أو لينسك عندها. بحيث يخص تلك البقعة بنوع من العبادة التي لم يشرع تخصيص تلك البقعة به لا عينًا ولا نوعًا (٢). ا. هـ.
الفرق بين التوحيد والبدعة والشرك:
وهذا كلام شيخ الإسلام ينص على أن: القوم طلبوا مجرد المشابهة للمشركين لا عين الشرك ثم انظر إلى الأمثلة التي ذكرها بعد ذلك فهي كلها في البدع وليست في الشرك الأكبر وهو أن يخص العبد بقعة أو شجرة أو قناة بنوع من البركة بغير برهان من الله، ويعبد الله عندها رجاء عظم الثواب وهذا هو عين البدعة لأن التوحيد هو: عبادة الله وحده بما شرع على ألسن رسله ﵈ والشرك عبادة غير الله معه.
والبدعة (٣) هي: عبادة الله وحده بغير ما شرع على التعيين دون الإجمال.
_________________
(١) كتاب التوحيد -باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما-.
(٢) اقتضاء الصراط المستقيم ص: ٣١٤: ٣١٥.
(٣) هذا تعريف البدعة الغير مكفرة -أي: البدع التي وقع فيها أهل القبلة ولم يخرجوا بها من الإسلام. وقولي على التعيين دون الإجمال أي: أصاب متابعة الشرع على الإجمال دون التعيين في المتابعة لهذه الجزئية من العبادات، وإلا فترك المتابعة كفر لا ريب فيه. وبهذا يظهر الفرق بين الكافر والمبتدع. فالأول ترك الاتباع إجمالًا فضلًا عن التفضيل والثاني متابعته على الإجمال تشفع له خطأه في التفصيل.
[ ٢٤٦ ]
فالذي يعبد الله وحده عند البيت الحرام يجو عظم الثواب فهذا موحد على السنة لأن الله فضل هذا المكان على غيره.
وأما من يعبد الأموات. فهو مشرك لصرفه العبادة لغير الله.
وأما من يعبد الله وحده لا شريك له عند القبور فهذا موحد لم يشرك بالله غيره إلا أنه مبتدع لأنه فضل مكانًا بغير برهان من الشرع، فخرج من السنة إلى البدعة بهذا.
العبد منذ أسلم مكلف بالتوحيد على الفور:
والقوم لم يطلبوا الشرك الأكبر يقينًا لأنه كما ذكرت من قبل أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة بلا نزاع بين العلماء ومن المعلوم أن العبد منذ دخل في الإسلام وهو مطالب بالتوحيد والنهي عن الشرك فكيف يجوز تأخير هذا الأمر؟
فهل يظن ظان أن النبي، ﷺ، لم يحدث أمته عن الشرك ويبينه لهم وينهاهم عنه، وينتظر حتى يقع في الأمة شرك في النسك فيقول عندها: هذا شرك بالله، ثم يقع شرك في الحاكمية فعندها يخبر الأمة: أن هذا شرك بالله، ثم يقع شرك في الولاية فيخبر ساعتها أن هذا شرك ولا تعودوا إليه ولو لم يقع لا ينهى، ﷺ، عنه.
أقول: سبحانك هذا بهتان عظيم وطعن في نبي الله ومصطفاه، ﷺ، إذ كيف يأمر معاذًا عند قدومه لأهل الكتاب أن يدعوهم إلى التوحيد، ولا ينتقل منه إلى الشرائع حتى يعرفوا الله المعرفة التي تفرق بين التوحيد والشرك وأن يعرفهم إلههم الذي يجهلونه، ولا يفعل هو، ﷺ، ذلك -والعياذ بالله- فإنا نبرأ بنينا، ﷺ، من هذا النقص والازدراء ويلزم من هذا القول الخبيث أن كثيرًا من الصحابة ماتوا قبل أن يعلموا ويستكملوا حقيقة التوحيد والشرك.
فعلى من يظن هذا أن يراجع إيمانه ويتقي الله في نفسه قبل أن يسأل في القبر عن نبيه، ﷺ، فلا يستطيع الإجابة ويقول: هاه هاه لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته.
فإني على يقين من أنه لا يدخل عبد في الإسلام إلا ويعلمه النبي، ﷺ، التوحيد وحسنه والشرك وقبحه في ساعتها وإلا فالأمة مجمعة على أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة في فروع الشريعة فكيف الحال بأصل الأصول وهو التوحيد والنهي عن الشرك فهل هذا يجوز تأخير بيانه؟.
[ ٢٤٧ ]
علم قوم النبي ﷺ باللسان العربي:
وقوم النبي، ﷺ، كانوا علماء باللسان العربي الذي نزل به القرآن وهذا بنص التنزيل قال تعالى: (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ). [فصلت: ٣].
قال الإمام البغوي (قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ). اللسان العربي، ولو كان بغير لسانهم ما علموه. ا. هـ.
وقال الشوكاني: (لقوم يعلمون) أي: يعلمون معانيه ويفهمونها وهم أهل اللسان العربي. اهـ.
فهم يعلمون ويفقهون ما دعوا إليهم لأنهم أهل اللسان العربي.
فكان من يكفر منهم يكفر على علم بدعوة القرآن لإفراد الله -جل ثناؤه- بالتأله والكفر بما يعبد من دونه لذلك قالوا: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا). ومن آمن منهم آمن على علم.
فالكفار علموا مراد النبي، ﷺ، من دعوته إليهم فكيف لا يعلم من آمن منهم مراد نبيه، ﷺ،؟!
فمن هذا يعلم أن السؤال منهم لم يكن في الشرك الأكبر ولكن هو مجرد المشابهة للمشركين.
حديث القدرة:
الشبهة الرابعة: الاستدلال خطأ بحديث القدرة وهو في الصحيحين أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله، ﷺ، قال "قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله إذا مات فحرقوه ثم اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر فو الله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين فلما مات الرجل فعلوا ما أمرهم فأمر الله البر فجمع ما فيه وأمر البحر فجمع ما فيه ثم قال لم فعلت هذا قال من خشيتك يا رب وأنت أعلم فغفر الله له".
قال النووي: اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث، فقالت طائفة: لا يصح حمل هذا على أنه أراد نفي قدرة الله فإن الشاك في قدرة الله -تعالى- كافر، وقد قال في آخر الحديث: إنه إنما فعل هذا من خشية الله -تعالى- والكافر لا يخشى الله -تعالى- ولا يغفر له، قال هؤلاء فيكون له تأويلان أحدهما: أن معناه لئن قدر على العذاب أي: قضاه يقال عنه قدر بالتخفيف وقدر بالتشديد بمعنى واحد.
[ ٢٤٨ ]
والثاني: أن قدر هنا بمعنى ضيق عليّ. قال الله -تعالى- (فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ) وهو أحد الأقوال في قوله تعالى (فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ).
وقالت طائفة: اللفظ على ظاهره ولكن قاله هذا الرجل وهو غير ضابط لكلامه ولا قاصد لحقيقة معناه ومعتقد لها بل قاله في حالة غلب عليه فيها الدهش والخوف وشدة الجزع بحيث ذهب تيقظه وتدبر ما يقوله فصار في معنى الغافل والناسي وهذه الحالة لا يؤاخذ فيها وهو نحو قول القائل الآخر الذي غلب عليه الفرح حين وجد راحلته "أنت عبدي وأنا ربك" فلم يكفر بذلك الدهش والغلبة والسهو.
وقد جاء في هذا الحديث في غير مسلم "فلعى أضل الله" أي: أغيب عنه وهذا يدل على أن قوله لئن قدر الله على ظاهره.
وقالت طائفة: هذا من مجاز كلام العرب وبديع استعمالها يسمونه مزج الشك باليقين كقوله تعالى: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى). فصورته صورة الشك والمراد به اليقين.
وقالت طائفة: هذا الرجل جهل صفة من صفات الله -تعالى- وقد اختلف العلماء في تكفير جاهل الصفة.
قال القاضي: وممن كفره بذلك ابن جرير الطبري وقاله: أبو الحسن الأشعري أولًا.
وقال آخرون: لا يكفر بجهل الصفة ولا يخرج به عن اسم الإيمان بخلاف جحدها وإليه رجع: أبو الحسن الأشعري وعليه استقر قوله لأنه لم يعتقد ذلك اعتقادًا يقطع بصوابه ويراه دينًا وشرعًا، وإنما يكفر من اعتقد أن مقالته حق. قال هؤلاء: ولو سئل الناس عن الصفات لوجد العالم بها قليلًا.
وقالت طائفة: كان هذا الرجل في زمن فترة حين ينفع مجرد التوحيد ولا تكليف قبل ورود الشرع على المذهب الصحيح لقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا).
وقالت طائفة: يجوز أنه كان في زمن شرعهم فيه جواز العفو عن الكافر بخلاف شرعنا وذلك من مجوزات العقول عند أهل السنة وإنما منعناه في شرعنا بالشرع وهو قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ). وغير ذلك من الأدلة والله أعلم (١). ا. هـ.
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي جـ: ٧ ص: ٧٠: ٧٤.
[ ٢٤٩ ]
ظاهر الحديث مشكل:
وقال الحافظ قال الخطابي: قد يستشكل هذا فيقال: كيف يغفر له وهو منكر للبعث والقدرة على إحياء الموتى؟ والجواب:
إنه لم ينكر البعث وإنما جهل فظن أنه إذا فعل به ذلك لا يعاد فلا يعذب. وقد ظهر إيمانه باعترافه بأنه إنما فعل ذلك من خشية الله.
قال ابن قتيبة: قد يغلط في بعض الصفات قوم من المسلمين فلا يكفرون بذلك. ورده ابن الجوزي وقال: جحده صفة القدرة كفر اتفاقًا وإنما قيل: إن معنى قوله: (لئن قدر الله عليّ). أي: ضيق وهي كقوله (وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ). أي: ضيق.
وأما قوله (لعلي أضل الله) فمعناه: لعلي أفوته يقال: ضل الشيء إذا فات وذهب وهو كقوله (لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى). ولعل هذا الرجل قال ذلك من شدة جزعه وخوفه كما غلط ذلك الآخر فقال: "أنت عبدي وأنا ربك" أو يكون قوله "لئن قدّر علي" بتشديد الدال أي: قدر علي أن يعذبني ليعذبني أو على أنه كان مثبتا للصانع وكان في زمن الفترة فلم تبلغه شرائط الإيمان.
وأظهر الأقوال أنه قال ذلك: في حال دهشته وغلبة الخوف عليه حتى ذهب بعقله لما يقول ولم يقله قاصدًا لحقيقة معناه بل في حالة كان فيها كالغافل والذاهل والناسي الذي لا يؤاخذ بما يصدر منه وأبعد الأقوال قول من قال: إنه كان في شرعهم جواز المغفرة للكافر (١). ا. هـ.
قيام هذا الرجل بالتوحيد:
قلت: فهذه أقوال العلماء في تأويل هذا الحديث هل قال أحد منهم أنه جهل قدرة الله بالكلية في الإجمال والتفصيل وكان جاهلًا فعذر بجهله؟ هذه واحدة-.
الثانية أن هذا الحديث ليس في التوحيد وترك الشرك الذي هو أصل الدين ولكن في جهل الصفات لذلك أخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ وغير واحد عن الحسن وابن سيرين عن النبي ﷺ قال: كان رجل ممن قبلكم لم يعمل خيرًا قط إلا التوحيد فلما احتضر
_________________
(١) فتح الباري -كتاب أحاديث الأنبياء- جـ: ٦ ص: ٦٠٤.
[ ٢٥٠ ]
قال لأهله انظروا إذا أنا مت أن يحرقوه حتى يدعوه حمما ثم اطحنوه ثم أذروه في يوم ريح فلما مات فعلوا ذلك به فإذا هو في قبضة الله فقال الله ﷿ يا ابن دم ما حملك على ما فعلت قال: أي ربي من مخافتك قال فغفر له بها ولم يعمل خيرًا قط إلا التوحيد (١).
قال صاحب الأحاديث القدسية نقلًا عن القسطلاني في شرح الصحيح لم (يقدم عند الله خيرًا) ليس: المراد نفي كل خير على العموم، بل نفي ما عدا: التوحيد ولذلك غفر له، وإلا فلو كان التوحيد منتفيًا عنه، لتحتم عقابه سمعًا ولم يغفر له وليس ذلك شكًا منه في قدرة الله على إحيائه ولا إنكارًا للبعث وإلا لم يكن موقنًا، وقد أظهر إيمانه بأنه إنما فعل ذلك من خشية الله -تعالى (٢) -. ا. هـ.
(١) فهذا الحديث خرج عن محل النزاع فهو ليس في قضية التوحيد التي هي أصل الأصول.
(٢) تأويل العلماء لهذا الحديث وصرفه عن معناه الظاهري لخير بيان أن ظاهر هذا الحديث غير مراد وأنه معارض لأصولهم الكلية، وهم ينزلون قضايا الأعيان على مقتضى القواعد الكلية.
فإن كان من أصوالهم: إعذار الجاهل لقالوا جميعًا: أن هذا الرجل جهل قدرة الله وكان جاهلًا وعذر بجهله وكفوا أنفسهم مؤنة التأويل! لأن التأويل عندهم شر لا يذهبون له إلا في حالة الضرورة عندما تصطدم قضية من قضايا الأعيان أو دليل جزئي مع القواعد والأصول الكلية.