الآية الثالثة: قوله -تعالى-: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: ٢٥٦].
قال القرطبي: يقول -تعالى-: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ). جزم بالشرط. والطاغوت مؤنثه من طغى يطغى -وحكى الطبري- يطغو إذا جاوز الحد بزيادة عليه .. (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ). جواب الشرط .. فقال
_________________
(١) مفتاح دار السعادة جـ: ١ ص: ٨٧.
(٢) مدارج السالكين جـ: ١ ص: ٣٥١: ٣٥٢.
[ ٦٧ ]
مجاهد: العروة: الإيمان، وقال السدي: الإسلام، وقال ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك: لا إله إلا الله. وهذه عبارات ترجع إلى معنى واحد اهـ.
وقال البغوي: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ). يعني: الشيطان، وقيل: كل ما عبد من دون الله -تعالى- فهو طاغوت (وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ). أي: تمسك واعتصم بالعقد الوثيق المحكم في الدين (لاَ انفِصَامَ لَهَا). لا انقطاع لها اهـ.
وقال الشنقيطي في قوله -تعالى-: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ) (١) ولا تنفع عبادة الله إلا بشرط اجتناب عبادة ما سواه كما بينه -تعالى- بقوله: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ). وقوله: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ). إلى غير ذلك من الآيات اهـ.
وقال ابن كثير: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ ) أي: من خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون الله، ووحد الله فعبده وحده وشهد: أن لا إله إلا هو. (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ). أي: فقد ثبت في أمره واستقام على الطريقة المثلى والصراط المستقيم ومعنى قوله: (أي الفاروق) في الطاغوت: أنه الشيطان قوي جدًا، فإنه يشمل كل شر كان عليه أهل الجاهلية من عبادة الأوثان، والتحاكم إليها، والاستنصار بها
قال مجاهد: "فقد استمسك بالعروة الوثقى" يعني: الإيمان. وقال السدي: هو الإسلام، وقال سعيد ابن جبير والضحاك: لا إله إلا الله وهذه الأقوال صحيحة ولا تنافي بينها اهـ.
وقال الإمام الطبري: والصواب من القول عندي في الطاغوت: أنه كل ذي طغيان على الله فعبد من دونه، إما بقهر منه لمن عبده وإما بطاعة ممن عبده له. إنسانًا كان ذلك المعبود أو شيطانًا أو وثنًا أو صنمًا أو كائنًا ما كان من شيء فتأويل الكلام إذًا فمن يجحد: ربوبية كل معبود من دون الله فيكفر به "ويؤمن بالله" يقول: ويصدق بالله أنه إلهه وربه ومعبوده "فقد استمسك بالعروة الوثقى". يقول: فقد تمسك بأوثق ما يتمسك به من طلب الخلاص لنفسه من عذاب الله وعقابه (وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). يعني: -تعالى ذكره- والله سميع إيمان
_________________
(١) النحل: ٣٦.
[ ٦٨ ]
المؤمن بالله وحده الكافر بالطاغوت عند إقراره بوحدانية الله وتبرئه من الأنداد والأوثان التي تعبد من دون الله. (عَلِيمٌ) بما عزم عليه من توحيد الله وإخلاص ربوبيته قلبه وما انطوى عليه -من البراءة من الآلهة والأصنام والطواغيت- ضميره، وبغير ذلك مما أخفته نفس كل أحد من خلفه لا ينكتم عنه سر ولا يخفى عليه أمر، حتى يجازى كلًا يوم القيامة بما نطق به لسانه وأضمرته نفسه إن خيرًا فخيرًا وإن شرًا فشرًا اهـ.
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: واعلم أن الإنسان ما يصير مؤمنًا بالله إلا بالكفر بالطاغوت والدليل قوله -تعالى-: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ).
الرشد: دين محمد، ﷺ، والغي: دين أبي جهل. والعروة الوثقى: شهادة أن لا إله إلا الله وهي متضمنة للنفي والإثبات تنفي جميع أنواع العبادة من غير الله وتثبت جميع أنواع العبادة كلها لله وحده لا شريك له (١) اهـ.
قلت: انظر رحمك الله -تعالى- إلى هذه الآية ما أحكم معناها، وقوة بيانها. إذ أنها توقف الاستمساك بالعروة الوثقى التي هي الإسلام باتفاق المفسرين على شرط -كما قاله: القرطبي والشنقيطي ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهم- وهو: الكفر بالطاغوت والإيمان بالله وحده ومن المعلوم أن فقدان الشرط ينفي مشروطه. فالإسلام لا بد فيه من: الكفر والبراءة والجحد وخلع كل ما يعبد من دون الله وإفراد الله بالتأله وحده لا شريك له، وإلا انفصمت العروة الوثقى في يد مدعيها. لأن الإيمان بالله، والإيمان بالطاغوت متضادان لا يجتمعان ولا يرتفعان، فلا يجتمع في قلب عبد الإيمان بالله والإيمان بالطاغوت، لأنه أيما حل واحد منهما في قلب امرئ طرد الآخر. فإما إيمان بالله وحده. وإما إيمان بالطاغوت أيًا كان نوعه. فمن المحال أن يقال: فلان هذا من شيعة الرحمن ومن شيعة الطاغوت، أو فلان هذا موحد مشرك أو مسلم كافر. فهذا هو الإسلام الذي أمّرنا أن نبلغه للناس وأن لا نرفع السيف عنهم حتى يقروا ويدينوا به، فمن شك أو توقف لم يحرم دمه وماله.
ويبقى سؤال أريد من أخي القارئ الإجابة عليه وهو من لم يخلع الأنداد أو الأوثان أو عبادة الطواغيت أو ارتضى طاغوتًا يسوس العباد ويحكم فيها بما شاء من تشريعات وأحكام
_________________
(١) كتاب مجموعة التوحيد ص: ١٥ - دار الفكر.
[ ٦٩ ]
دون الله ورسوله -ﷺ- فهذا هذا كفر بالطاغوت أم آمن به؟
ثم بعد هذا هل هو مستمسك بالعروة الوثقى أم انفصمت من بين يديه؟