الدليل الثاني: قوله تعالى: (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ) [التوبة: ٦٥، ٦٦].
قال القاضي أبو بكر بن العربي: لا يخلو أن يكون ما قالوه من ذلك جد أو هزلًا، وهو كيفما كان كفر، فإن الهزل بالكفر كفر لا خلاف فيه بين الأمة، فإن التحقيق أخو الحق والعلم والهزل أخو الباطل والجهل (١) ا. هـ.
وقال القرطبي: قوله تعالى: (لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ). على جهة التوبيخ كأنه يقول: لا تفعلوا ما لا ينفع ثم حكم عليهم بالكفر وعدم والاعتذار من الذنب. ا. هـ.
وقال البغوي: (لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) فإن قيل: كيف قال: كفرتم بعد إيمانكم وهم لم يكونوا مؤمنين؟ قبل: معناه أظهرتم الكفر بعد ما أظهرتهم الإيمان. ا. هـ.
وقال ابن كثير: قال أبو معشر المديني عن محمد بن كعب القرطبي وغيره قالوا: قال رجل من المنافقين: ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونا وأكذبنا ألسنة وأجبنا عند اللقاء. فرفع ذلك إلى رسول الله -ﷺ- فجاء إلى رسول الله -ﷺ- وقد ارتحل وركب ناقته فقال:
_________________
(١) أحكام القرآن جـ: ٢ ص: ٩٧٦، ٩٧٧.
[ ١٥٠ ]
يا رسول الله -ﷺ- إنا كنا نخوض ونلعب فقال: (أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) إلى قوله: (مُجْرِمِينَ)
وقوله: (لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) أي: بهذا المقال الذي استهزأتم به. ا. هـ.
وقال الطبري: (لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) يقول -تعالى ذكره - لنبيه محمد ﷺ. قل لهؤلاء الذي وصفت لك صفتهم لا تعتذروا بالباطل فتقولوا: كنا نخوض ونلعب "قَدْ كَفَرْتُم" يقول: قد جحدتم الحق بقولكم ما قلتم في رسول الله ﷺ والمؤمنين به "بَعْدَ إِيمَانِكُمْ" يقول: بعد تصديقكم به وإقراركم به ا. هـ.
رسوخ النفاق بدون قصد وشعور:
وقال ابن تيمية: (قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ). فقد أمره أن يقول لهم: قد كفرتم بعد إيمانكم وقول من يقول عن مثل هذه الآيات: أنهم كفروا بعد إبمانهم بلسانهم مع كفرهم أولًا بقلوبهم لا يصح لأن الإيمان باللسان مع كفر القلب قد قارنه الكفر فلا يقال: قد كفرتم بعد إيمانكم فإنهم لم يزالوا كافرين في نفس الأمر، وإن أريد أنكم أظهرتم الكفر بعد إظهاركم الإيمان فهم لم يظهروا للناس إلا لخواصهم، وهم مع خواصهم ما زالوا هكذا
(وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ). فاعترفوا واعتذروا، ولهذا قيل: (لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ) فدل على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفرًا بل ظنوا أن ذلك ليس بكفر، فبين أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر يكفر به صاحبه بعد إيمانه، فدل على أنه كان عندهم إيمان ضعيف ففعلوا هذا المحرم الذي عرفوا أنه محرم، ولكن لم يظنوه كفرًا وكان كفرًا كفروا به فإنهم لم يعتقدوا جوازه، وهكذا قال غير واحد من السلف: في صفة المنافقين الذين ضرب لهم المثل في سورة البقرة أنهم أبصروا ثم عموا وعرفوا ثم أنكروا وآمنوا ثم كفروا. وكذلك قال قتادة ومجاهد: ضرب المثل لإقبالهم على المؤمنين وسماعهم ما جاء به الرسول وذهاب نورهم (١) ا. هـ.
_________________
(١) جـ: ٧ ص: ٢٧١: ٢٧٤ لمجموع الفتاوى.
[ ١٥١ ]
وقال أيضًا: (.. وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ..) فقد أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم: إنا تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له، بل كنا نخوض ونلعب، وبين أن الاستهزاء بآيات الله كفر. ولا يكون هذا إلا ممن شرح صدره بهذا الكلام ولو كان الإيمان في قلبه منعه من أن يتكلم بهذا الكلام (١). ا. هـ.
قلت: انظر -رحمك الله- إلى هذا النص القرآني القطعي الدلالة على كفر هذه الطائفة ومن المعلوم بالاضطرار من النصوص أن هذا الحكم عام في كل من اقترف ما فعلوه أو ما هو من جنسه وليس بمقصور على هؤلاء. لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وهذا باتفاق المفسرين، وإلا -والعياذ بالله من ذلك- انتفت حجية القرآن لأنه ما من آية من آي القرآن هذا في جله ومعظمه إلا ولها سب اقتضى نزولها فلو قصر حكمها على سببها لم تبق آيات يلزمنا حكمها.
وقد اتفق المفسرون عند تأويل هذه الآية على أنهم كفروا بعد إيمانهم بهذا المقال الخبيث الذي قالوه، واختلفوا هل الإيمان السابق هو الإيمان باللسان دون القلب أم بالقلب واللسان جميعًا؟ وعلى الاحتمالين يتم الاستدلال -بفضل الله وحده-.
فعلى القول الأول: أن القوم كانت تجري عليهم أحكام الإسلام بالنطق بالكلمة العاصمة مع افتراض وجود الإيمان في الباطن بهذه الكلمة من الانقياد والمحبة والتوقير لله ولدينه ولرسوله لأنه كما ذكرت سابقًا أنه لا إيمان لمن لا إسلام له ولا إسلام لمن لا إيمان له. وبهذا النطق جرت عليهم أحكام الإسلام حتى قالوا: هذه المقالة الخبيثة، فبها ولأجلها جرت عليهم أحكام الكفر، وانتقلوا من الإيمان في الظاهر إلى الكفر في الظاهر والباطن بيقين لأنهم قالوها اختيارًا ولم يكرهوا عليها فعلم بهذا انشراح الصدر بها في الباطن لقوله تعالى: (مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا). الآية ولو كان الإيمان في قلوبهم لمنعهم من التكلم بهذا.
ومن ظن أن هذا حكم خاص بأعيان المنافقين أي: قد علمنا نفاقهم بهذا السب ولم يكفروا به وبالتالي فهذه الدلالة ليست مؤثرة ولا مطردة في الكفر.
_________________
(١) جـ: ٧ ص: ٢٢٠ لمجموع الفتاوى.
[ ١٥٢ ]
فالجواب:
(١) أن هذا يعني: أن المقالة لم تؤثر في الحكم بالكفر عليهم وهذا خلاف نص القرآن "لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ".
(٢) أن القرآن (والعياذ بالله من ذلك) ربط الحكم بغير مؤثر وغفل عن ذكر المؤثر الحقيقي.
(٣) من المعلوم بالاضطرار من الشريعة أن الوحي لا دخل له في إجراء الأحكام حتى لا يشوش على الخواطر، وإنما أساس هذا هو الظاهر من الأقوال والأعمال.
(٤) وقوله تعالى: (قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ). فهذا الإيمان إما أن يكون الإيمان في الباطن وإما أن يكون الإيمان في الظاهر فقط. وعلى الاحتمالين يتم الاستدلال فإن القوم كانوا من قبل يعاملون معاملة المسلمين ثم كفروا بعد إيمانهم بهذا المقال الخبيث. فإن كان القوم كفارًا من قبل هذا فلم أخّر الشرع الحكم عليهم بالكفر إلى هذا الوقت؟ ولم رتب الحكم على وصف غير مؤثر فيه؟ ولم اعتذر القوم من هذا المقال وهم لم يكفروا بسببه؟
ولا خروج من هذا إلا بفهم السلف الصالح أنهم كفروا بعد إيمانهم بهذا المقال الخبيث ويكون هذا الحكم عامًا مطردًا في كل من اقترف فعلهم سواء أكان الإيمان المذكور في الآية هو الإيمان الظاهري مع خلو القلب منه، أو أنه الإيمان في الظاهر والباطن وهذا الذي يحمل لواءه الإمام ابن تيمية: أن القوم كان لديهم من قبل هذا إيمان ضعيف وقالوا هذا المقالة من غير اعتقاد لها، جاهلين بأنها تكفرهم، عالمين بحرمتها، ظانين أن الخوض واللعب لا يقع به الكفر ولا يكون إلا مع الجد من القول، وأن الخوض واللعب عارض يمنع وقوع الكفر كالإكراه. والشرع لم يكذبهم في ادعائهم الخوض واللعب كما كذب المنافقين في كل ادعاءاتهم الكاذبة فعلم صدق ادعائهم الخوض واللعب دون الجد والقصد.
ولكن أخبرهم الشرع أنهم -بهذه الحالة من القول مع الخوض واللعب- كفروا به بعد إيمانهم ولم يعتبر جهلهم وعدم قصدهم الكفر فانتبه.
وفي هذا الحذر كل الحذر الشديد للمسلم الجاد في دينه أن يقول الكلمة لا يلقى لها بالًا فتهوى به في جهنم والعياذ بالله من ذلك، وصدق رسول الله -ﷺ- المبلغ الأمين الحريص على الأمة حينما حذرها في الحديث الصحيح "هل يكب الناس على وجوههم
[ ١٥٣ ]
في النار إلا حصائد ألسنتهم" (١).
قال ابن تيمية، وأيضًا فهؤلاء القائلون: بقول جهم والصالحي قد صرحوا بأن سب الله ورسوله والتكلم بالتثليث وكل كلمة من كلام الكفر ليس هو كفرًا في الباطن ولكنه دليل في الظاهر على الكفر، ويجوز مع هذا أن يكون هذا الساب الشتم في الباطن عارفًا بالله موحدًا له مؤمنًا به، فإذا أقيمت عليهم حجة بنص أو إجماع أن هذا كافر باطنًا وظاهرًا. قالوا: هذا يقتضي أن ذلك مستلزم للتكذيب في الباطن وأن الإيمان يستلزم عدم ذلك.
فيقال لهم: معنا أمران معلومان (أحدهما) معلوم بالاضطرار من الدين و(الثاني) معلوم بالاضطرار من أنفسنا عند التأمل.
من تكلم بالكفر طائعًا غير مكره فهو كافر في الظاهر والباطن:
أما "الأول": فإنا نعلم أن من سب الله ورسوله طوعًا بغيره كره. بل من تكلم بكلمات الكفر طائعًا غير مكره، ومن استهزأ بالله وآياته ورسوله فهو كافر باطنًا وظاهرًا وأن من قال: أن مثل هذا قد يكون في الباطن مؤمنًا بالله وإنما هو كافر في الظاهر فإنه قال قولًا معلوم الفساد بالضرورة من الدين. وقد ذكر الله كلمات الكفار في القرآن وحكم بكفرهم واستحقاقهم الوعيد بها ولو كانت أقوالهم الكفرية بمنزلة شهادة الشهود عليهم، أو بمنزلة الإقرار الذي يغلط فيه المقر لم يجعلهم الله من أهل الوعيد بالشهادة التي قد تكون صدقًا وقد تكون كذبًا، بل كان ينبغي أن لا يعذبهم إلا بشرط صدق الشهادة وهذا كقوله تعالى: (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ) (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) وأمثال ذلك.
وأما الثاني: فالقلب إذا كان معتقدًا صدق الرسول، وأنه رسول الله وكان محبًا للرسول معظمًا له. امتنع مع هذا أن يلعنه ويسبه فلا يتصور ذلك منه إلا مع نوع من الاستخفاف به وبحرمته فعلم بذلك أن مجرد اعتقاد أنه صادق لا يكون إيمانًا إلا مع محبته وتعظيمه بالقلب (٢). ا. هـ.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد والترمذي (باب الإيمان) وابن ماجة- باب كف اللسان في الفتنة وصححه الألباني راجع صحيح سنن ابن ماجه جـ: ٢ ص: ٣٥٩ - باب كف اللسان في الفتنة.
(٢) جـ: ٧ ص: ٥٥٧ لمجموع الفتاوى.
[ ١٥٤ ]
وقال ابن تيمية: قوله سبحانه: (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ).
وهذا نص في أن الاستهزاء بالله وبآياته وبرسوله كفر فالسب المقصود بطريق الأولى، وقد دلت هذه الآية على أن كل من تنقص رسول الله -ﷺ- جادًا أو هازلًا فقد كفر (١). ا. هـ.
قلت: انظر -رحمك الله- إلى إنكار ابن تيمية على من يقول: بأن من تكلم بكلمات الكفر طائعًا غير مكره أنه كافر في الظاهر دون الباطن أنه قال: قولًا معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام فكيف بمن يقول: ليس بكافر في الظاهر والباطن.
قال ابن تيمية: أن من سب النبي -ﷺ- من مسلم أو كافر فإنه يجب قتله. هذا مذهب عليه عامة أهل العلم. قال ابن المنذر أجمع عوام أهل العلم على أن حد من سب النبي -ﷺ- القتل، وممن قاله مالك والليث وأحمد وإسحاق وهو مذهب الشافعي قال: وحكي عن النعمان لا يقتل يعني الذي هم عليه من الشرك أعظم. وقد حكى أبو بكر الفارسي من أصحاب الشافعي إجماع المسلمين على أن حد من سب النبي ﷺ القتل كما أن حد من سب غيره الجلد. وهذا الإجماع الذي حكاه هذا محمول على إجماع الصدر الأول من الصحابة والتابعين، أو أنه أراد به إجماعهم على أن ساب النبي -ﷺ- يجب قتله إذا كان مسلمًا- وكذلك قيده القاضي عياض فقال: أجمعت الأمة على قتل متنقصه من المسلمين وسابه، وكذلك حكى عن غير واحد الإجماع على قتله وتكفيره، وقال الإمام إسحاق بن راهويه أحد الأئمة الأعلام: أجمع المسلمون على أن من سب الله أو سب رسوله -ﷺ- أو دفع شيئًا مما أنزل الله -﷿- أو قتل نبيًا من أنبياء الله -﷿- أنه كافر بذلك وإن كان مقرًا بكل ما أنزل الله. قال الخطابي: لا أعلم أحدًا من المسلمين اختلف في وجوب قتله. وقال محمد بن سحنون: أجمع العلماء على أن شاتم النبي -ﷺ- والمتنقص له كافر والوعيد جاء عليه بعذاب الله له وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر.
وتحرير القول فيه: أن الساب إن كان مسلمًا فإنه يكفر ويقتل بغير خلاف وهو مذهب
_________________
(١) الصارم المسلول ص: ٢٨.
[ ١٥٥ ]
الأئمة الأربعة وغيرهم، وقد تقدم ممن حكى الإجماع على ذلك إسحاق بن راهويه وغيره (١) ا. هـ.
وقال -﵀ أيضًا-: إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهرًا وباطنًا سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم أو كان مستحلًا له أو كان ذاهلًا عن اعتقاده. هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل (٢) ا. هـ.
قلت: فهذا حكم من سب الله أو آياته أو رسوله -والعياذ بالله-.
وقبل الانتقال من هذه النقطة أود الإشارة إلى أمر دقيق -حتى لا يأتي التناقض في هذه المسألة-.
أن النطق: بكلمة الكفر كفر في الظاهر والباطن وإن لم يقصد صاحبها الكفر. لكن إن جهل معنى الكلمة وتلفظ بها فهذا لم يقصد المعني المقتضى للكفر فلا يكفر لأنه لم يقصد الكفر بمعنى لم يقصد المعنى الكفري للفظه كمثل رجل يقول: نحن نريد الديمقراطية ظنًا من أنها تعني: الشورى. فهذا لا يكفر. بخلاف من يقولها وهو يعلم أن معناها هو: حكم الشعب نفسه بنفسه. فهذا يكفر وإن لم يقصد الكفر. وكمن يقول للنبي ﷺ راعنا بمعنى: إرعاء السمع فهذا لا يكفر. بخلاف من يقول له: راعنا من باب الدعاء والتنقص (والعياذ بالله) فهذا يكفر كفرًا ظاهرًا وباطنًا وإن لم يعلم أن هذا كفر ولم يقصده.
لذلك أحيانًا يأتي في كلام العلماء أن من قال أو فعل الكفر يكفر وإن لم يقصده.
قال ابن تيمية: وبالجملة فمن قال أو فعل ما هو كفر كفر بذلك وإن لم يقصد أن يكون كافرًا إذ لا يقصد الكفر أحد إلا ما شاء الله ا. هـ.
وأحيانًا يقولون: لا يكفر إلا إذا قصد الكفر فيكون مقصودهم المعنى المترتب الكفر عليه، لا الكفر ذاته. لأنه كما قال الشيخ: لا يقصد الكفر أحد إلا ما شاء الله (٣).
وسئل محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- عن مسائل: الأولى قوله في باب حكم المرتد أو استهزأ بالله وكتبه أو رسله كفر وما وصف هذا الاستهزاء المكفر؟
_________________
(١) الصارم المسلول ص: ٥.
(٢) الصارم المسلول ص: ٤٥١.
(٣) الصارم المسلول ص: ١٥٤.
[ ١٥٦ ]
الرابعة: قوله أو نطق بكلمة كفر ولم يعلم معناها فلا يكفر ذلك. هل المعنى: نطق بها ولم يعرف شرحها أو نطق بها ولم يعلم أنه تكفره؟
فأجاب. فالمسألة الأولى: قد استدل العلماء عليها بقوله تعالى في حق بعض المسلمين المهاجرين في غزوة تبوك: (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ). وذكر السلف والخلف: أن معناها عام إلى يوم القيامة فيمن استهزأ بالله أو القرآن أو الرسول وصفة كلامهم أنهم قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب ألسنًا ولا أجبن عند اللقاء. يعنون بذلك: رسول الله والعلماء من أصحابه، فلما نقل الكلام عوف بن مالك أتى القائل يعتذر أنه قاله على وجه اللعب كما يفعل المسافرون. فنزل الوحي أن هذا كفر بعد الإيمان ولو كان على وجه المزح. والذي يعتذر يظن أن الكفر إذا قاله جدًا لا لاعبًا ..
الرابعة: إذا نطق بكلمة الكفر ولم يعلم معناها صريح واضح أنه يكون نطق بما لا يعرف معناه، وأما كونه أنه لا يعرف أنها تكفره فيكفي فيه قوله: (لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ). فهم يعتذرون للنبي -ﷺ- ظانين أنها لا تكفرهم، والعجب ممن يحملها على هذا وهو يسمع قوله تعالى: (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) (إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ) (وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ). أيظن أن هؤلاء ليسوا كفارًا؟ لكن لا تستنكر الجهل الواضح لهذه المسائل لأجل غربتها. (١) ا. هـ.