الدليل الثاني: حديث الخوارج قال ابن تيمية قال الإمام أحمد: صح الحديث في الخوارج من عشرة، أوجه وهذه العشرة أخرجها مسلم في صحيحه موافقة لأحمد وروى البخاري منها عدة أوجه وروى أحاديثهم أهل السنن والمسانيد من وجوه أخر (٢). ا. هـ.
أخرج مسلم في صحيحه عن أبي سلمة وعطاء بن يسار أنهما أتيا أبا سعيد الخدري فسألاه عن الحرورية هل سمعت رسول الله، ﷺ، يذكرها؟ قال: لا أدري من الحرورية ولكني سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: يخرج في هذه الأمة "ولم يقل منها" قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم فيقرءون القرآن لا يجاوز حلوقهم أو حناجرهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية فينظر الرامي إلى سهمه إلى نصله إلى رصافه فيتمارى في الفوقة هل علق بها من الدم شيء
وعن أبي سعيد الخدري قال: بينا نحن عند رسول الله، ﷺ، وهو يقسم قسمًا. أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول الله، ﷺ، اعدل قال رسول الله، ﷺ، "ويلك من يعدل إن لم أعدل قد خبت وخسرت إن لم أعدل". فقال عمر بن
_________________
(١) كتاب الأحاديث القدسية جـ: ١ ص: ٥١: ٥٢.
(٢) جـ: ٧ ص: ٤٧٩ لمجموع الفتاوى.
[ ١٧٣ ]
الخطاب -﵁- يا رسول اللهﷺ- ائذن لي فيه أضرب عنقه قال رسول الله ﷺ: "دعه فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته في صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى نضيه فلا يوجد فيه شيء "وهو القدح" ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء سبق الفرث والدم .. " وفي رواية "يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" وفي رواية "يخرج قوم من أمتي يقرءون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم لا تجاوز صلاتهم تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية". وفي رواية "يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه هم شر الخلق والخليقة" (١).
"يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم". قال النووي: قال القاضي فيه تأويلان أحدهما معناه: لا تفقهه قلوبهم ولا ينتفعون بما تلوا منه ولا لهم حظ سوى تلاوة الفم والحنجرة والحلق إذ بهما تقطيع الحروف. والثاني معناه: لا يصعد لهم عمل ولا تلاوة ولا يتقبل (٢) ا. هـ.
وفي صحيح البخاري: باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم وقول الله -تعالى: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ). وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله وقال: إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين.
عن علي -﵁- قال: إذا حدثتكم عن رسول الله، ﷺ، حديثًا فو الله لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة وإني سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: "سيخرج قوم في آخر الزمان أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي جـ: ٧ ص: ١٦٤: ١٧٤.
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي جـ: ٧ ص: ١٥٩.
[ ١٧٤ ]
كما يمرق السهم من الرمية فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة" (١). ا. هـ.
آفة الخوارج والتأويل الفاسد:
قال الحافظ (٢): وكان يقال لهم القراء لشدة اجتهادهم في التلاوة والعبادة إلا أنهم كانوا يتأولون القرآن على غير المراد منه ويستمدون برأيهم ويتنطعون في الزهد والخشوع وغير ذلك
وقال في ص: ٢٩٨: وقال الغزالي في الوسيط تبعًا لغيره في حكم الخوارج وجهان: أحدهما أنه كحكم أهل الردة، والثاني: أنه كحكم أهل البغي، ورجح الرافعي الأول قوله (وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله الخ) وصله الطبري في مسند علي من تهذيب الآثار من طريق بكير بن عبد الله بن الأشج أنه سأل نافعًا كيف كان رأي ابن عمر في الحرورية؟ قال: كان يراهم شرار خلق الله انطلقوا إلى آيات الكفار فجعلوها في المؤمنين، قلت وسنده صحيح، وقد ثبت في الحديث الصحيح المرفوع عند مسلم من حديث أبي ذر في وصف الخوارج: "هم شرار الخلق والخليقة". وعند أحمد بسند جيد عن أنس مرفوعًا مثله وعند البزار من طريق الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت: ذكر رسول الله، ﷺ، الخوارج فقال: هم شرار أمتي يقتلهم خيار أمتي". وسنده حسن وعند الطبراني من هذا الوجه مرفوعًا "هم شر الخلق والخليقة يقتلهم خير الخلق والخليقة" وفي حديث أبي سعيد عند أحمد "هم شر البرية". وفي رواية عبيد الله بن أبي رافع عن علي عند مسلم "من أبغض خلق الله إليه" وفي حديث عبد الله بن خباب يعني عن أبيه عند الطبراني "شر قتلى أظلتهم السماء وأقلتهم الأرض". وفي حديث أبي أمامة نحوه وعند أحمد وابن أبي شيبة من حديث أبي برزة مرفوعًا في ذكر الخوارج "شر الخلق والخليقة يقولها ثلاثا" وعبد ابن أبي شيبة من طريق عمير بن إسحاق عن أبي هريرة" هم شر الخلق" وهذا مما يؤيد قول من قال بكفرهم.
_________________
(١) راجع فتح الباري جـ: ١٢ ص: ٢٩٥.
(٢) راجع فتح الباري جـ: ١٢ ص: ٢٩٦.
[ ١٧٥ ]
قوله: "يمرقون من الدين" في رواية أبي إسحاق عن سويد بن غفلة عند النسائي والطبري "يمرقون من الإسلام" وكذا في حديث ابن عمر في الباب، وفي رواية زيد بن وهب المشار إليها وحديث أبي بكرة في الطبري وعند النسائي من رواية طارق بن زياد عن علي "يمرقون من الحق" وفيه تعقب على من فسر الدين هنا بالطاعة كما تقدمت الإشارة إليه في علامات النبوة
قوله (يخرج في هذه الأمة ولم يقل منها) لم تختلف الطرق الصحيحة على أبي سعيد في ذلك فعند مسلم من رواية أبي نضرة عن أبي سعيد "أن النبي، ﷺ، ذكر قومًا يكونون في أمته، وله من وجه آخر "تمرق عند فرقة مارقة من المسلمين" وله من رواية الضحاك المشرقي عن أبي سعيد نحوه وأما ما أخرجه الطبري من وجه آخر عن أبي سعيد بلفظ "من أمتي" فسنده ضعيف. لكن وقع عند مسلم من حديث أبي ذر بلفظ "سيكون بعدي من أمتي قوم" وله من طريق زيد بن وهب عن علي "يخرج قوم من أمتي" ويجمع بينه وبين حديث أبي سعيد بأن المراد بالأمة في حديث أبي سعيد أمة الإجابة (١) وفي رواية غيره أمة الدعوة (٢). قال النووي: وفيه دلالة على فقه الصحابة وتحريرهم الألفاظ، وفيه إشارة من أبي سعيد إلى تكفير الخوارج وأنهم من غير هذه الأمة
قوله "تحقرون" بفتح أوله أي: تستقلون.
قوله "صلاتكم مع صلاتهم" زاد في رواية الزهري عن أبي سلمة كما في الباب بعده "وصيامكم مع صيامهم" وفي رواية عاصم بن شميخ عن أبي سعيد "تحقرون أعمالكم مع أعمالهم" ووصف عاصم أصحاب نجدة الحروري بأنهم "يصومون النهار ويقومون الليل ويأخذون الصدقات على السنة" أخرجه الطبري ومثله عنده من رواية يحي بن أبي كثير عن أبي سلمة. وفي رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة عنده "يتعبدون يحفر أحدكم صلاته وصيامه مع صلاتهم وصيامهم". ومثله من رواية أنس عن أبي سعيد، وزاد في رواية الأسود ابن العلاء عن أبي سلمة: "وأعمالكم مع أعمالهم". وفي رواية سلمة بن كهيل عن زيد بن وهب عن علي "ليست قراءتكم إلى قراءتهم شيئًا ولا صلاتكم إلى صلاتهم شيئًا".
_________________
(١) أمة الإجابة: أي: من استجاب للنبي ﷺ من قومه وأسلم فقط.
(٢) أمة الدعوة: أي: الأمة التي بُعث فيها النبي ﷺ فهي تشمل المسلمين والكافرين أيضًا.
[ ١٧٦ ]
أخرجه مسلم والطبراني وفي حديث ابن عباس عند الطبراني في قصة مناظرته للخوارج قال: "فأتيتهم فدخلت على قوم لم أر أشد اجتهادًا منهم أيديهم كأنها ثفن الإبل ووجوههم معلمة من آثار السجود" وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس أنه ذكر "عنده الخوارج واجتهادهم في العبادة فقال: ليسوا أشد اجتهادًا من الرهبان".
سرعة مروق الخوارج من هذا الدين:
ص: ٣٠٧ قوله: (من الرمية). في رواية معبد بن سيرين عن أبي سعيد الآتية في آخر كتاب التوحيد "لا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فوقه" والرمية: فعيلة من الرمي والمراد: الغزالة المرمية مثلًا. ووقع في حديث عبد الله بن عمرو من رواية مقسم عنه "فإنه سيكون لهذا شيعة يتعمقون في الدين يمرقون منه" الحديث أي: يخرجون من الإسلام بغتة كخروج السهم إذا رماه رام قوي الساعد فأصاب ما رماه فنفذ منه بسرعة بحيث لا يعلق بالسهم ولا بشيء منه من المرمى شيء فإذا التمس الرامي سهمه وجده ولم يجد الذي رماه فينظر في السهم ليعرف هل أصاب أو أخطأ فإذا لم يره علق فيه شيء من الدم ولا غيره ظن أنه لم يصبه والغرض أنه أصابه. وإلى ذلك أشار بقوله "سبق الفرث والدم" أي: جاوزهما ولم يتعلق فيه منهما شيء بل خرجا بعده وقد تقدم شرح القذذ في علامات النبوة. ووقع في رواية أبي نضرة عن أبي سعيد عند مسلم فضرب النبي، ﷺ، لهم مثلًا الرجل يرمي الرمية، الحديث.
وفي رواية أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد عند الطبري "مثلهم كمثل رجل رمى رمية فتوخى السهم حيث وقع فأخذه فنظر إلى فوقه فلم ير به دسمًا ولا دمًا". لم يتعلق به شيء من الدسم والدم، كذلك هؤلاء لم يتعلقوا بشيء من الإسلام. وعنده في رواية عاصم بن شمخ المعجمة وسكون الميم بعدها معجمة بعد قوله من الرمية "يذهب السهم فينظر في النصل فلا يرى شيئًا من الفرث والدم" الحديث وفيه "يتركون الإسلام وراء ظهورهم". وجعل يديه وراء ظهره وفي رواية أبي إسحاق مولى بني هاشم عن أبي سعيد في آخر الحديث "لا يتعلقون من الدين بشيء كما لا يتعلق بذلك السهم". أخرجه الطبري وفي حديث أنس عن أبي سعيد عند أحمد وأبي داود والطبري "لا يرجعون إلى الإسلام حتى يرتد السهم إلى فوقه". وجاء عن ابن عباس عند الطبري وأوله في ابن ماجة بسياق أوضح
[ ١٧٧ ]
من هذا ولفظه "سيخرج قوم من الإسلام خروج السهم من الرمية عرضت للرجال فرموها فانمرق سهم أحدهم منها فخرج فأتاه فنظر إليه فإذا هو لم يتعلق بنصله من الدم شيء ثم نظر إلى القذذ فلم يره تعلق من الدم بشيء فقال: إن كنت أصبت فإن بالريش والفوق شيئًا من الدم فنظر فلم ير شيئًا تعلق بالريش والفوق قال. كذلك يخرجون من الإسلام". وفي رواية بلال بن بقطر عن أبي بكرة "يأتيهم الشيطان من قبل دينهم". وللحميدي وابن أبي عمر في مسنديهما من طريق أبي بكر مولى الأنصار عن علي "إن ناسًا يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه أبدًا".
ص: ٣١٢ قوله (قال فنزلت فيه) في رواية السرخسي (فيهم).
قوله: (وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ) وله شاهد من حديث ابن مسعود قال: "لما قسم رسول الله، ﷺ، غنائم حنين سمعت رجلًا يقول إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله". قال فنزلت: (وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ). أخرجه ابن مردويه .. وذلك فيما أخرجه أحمد بسند جيد عن أبي سعيد قال: "جاء أبو بكر إلى رسول الله، ﷺ، فقال: يا رسول الله، ﷺ، إني مررت بواد كذا فإذا رجل حسن الهيئة متخشع يصلي فيه فقال: "إذهب إليه فاقتله قال فذهب إليه أبو بكر فلما رآه يصلي كره أن يقتله فرجع فقال النبي، ﷺ، لعمر إذهب إليه فاقتله فذهب فراه على تلك الحالة فرجع فقال: يا علي إذهب إليه فاقتله، فذهب علي فلم يره فقال النبي، ﷺ، إن هذا وأصحابه يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه فاقتلوهم هم شر البرية". وله شاهد من حديث جابر أخرجه أبو يعلى ورجاله ثقات
حكم الخوارج:
قال (أي الطبري) وفيه أنه لا يجوز قتال الخوارج وقتلهم إلا بعد إقامة الحجة عليهم بدعائهم إلى الرجوع إلى الحق والإعذار إليهم. وإلى ذلك أشار البخاري في الترجمة بالآية المذكورة فيها، واستدل به لمن قال بتكفير الخوارج، وهو مقتضى صنيع البخاري حيث قرنهم بالملحدين وأفرد عنهم المتأولين بترجمة وبذلك صرح القاضي أبو بكر بن العربي في شرح الترمذي فقال: الصحيح أنهم كفار لقول النبي، ﷺ،: "يمرقون من الإسلام" ولقوله: "لأقتلنهم قتل عاد". وفي لفظ "ثمود" وكل منهما إنما هلك بالكفر وبقوله هم "شر
[ ١٧٨ ]
الخلق" ولا يوصف بذلك إلا الكفار ولقوله "إنهم أبغض الخلق إلى الله تعالى" ولحكمهم على كل من خالف معتقدهم بالكفر والتخليد في النار فكانوا هم أحق بالاسم منهم. وممن جنح إلى ذلك من أئمة المتأخرين الشيخ تقي الدين السبكي فقال في فتاويه: احتج من كفر الخوارج وعلاة الروافض بتكفيرهم أعلام الصخابة لتضمنه تكذيب النبي، ﷺ، في شهادته لهم بالجنة، قال: وهو عندي احتجاج صحيح قال: واحتج من لم يكفرهم بأن الحكم بتكفيرهم يستدعي تقدم علمهم بالشهادة المذكورة علمًا قطعيًا، وفيه نظر لأنا نعلم تزكية من كفروه علمًا قطعيًا إلى حين موته وذلك كاف في اعتقادنا تكفير من كفرهم، ويؤيده حديث: "من قال لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما". وفي لفظ مسلم: "من رمى مسلمًا بالكفر أو قال عدو الله إلا حاد عليه".
قال وهؤلاء قد تحقق منهم أنهم يرمون جماعة بالكفر ممن حصل عندنا القطع بإيمانهم فيجب أن يحكم بكفرهم بمقتضى خير الشارع، وهو نحو ما قالوه فيمن سجد للصنم ونحوه ممن لا تصريح بالجحود فيه بعد أن فسروا الكفر بالجحود فإن احتجوا بقيام الإجماع على تكفير فاعل ذلك قلنا وهذه الأخبار الواردة في حق هؤلاء تقتضي كفرهم ولو لم يعتقدوا تزكية من كفروه علمًا قطعيًا، ولا ينجيهم اعتقاد الإسلام إجمالا والعمل بالواجبات عن الحكم بكفرهم كما لا ينجي الساجد للصنم ذلك.
دلالة الحديث على عدم اعتبار القصد في الردة:
قال الحافظ: وممن جنح إلى بعض هذا البحث الطبري في تهذيبه، فقال بعد أن سرد أحاديث الباب: فيه الرد على قول من قال لا يخرج أحد من الإسلام من أهل القبلة بعد استحقاقه حكمه إلا بقصد الخروج منه عالمًا فإنه مبطل لقوله في الحديث "يقولون الحق ويقرءون القرآن ويمرقون من الإسلام ولا يتعلقون منه بشيء". ومن المعلوم أنهم لم يرتكبوا استحلال دماء المسلمين وأموالهم إلا بخطأ منهم فيما تأولوه من آي القرآن على غير المراد منه. ثم أخرج بسند صحيح عن ابن عباس وذكر عنده الخوارج وما يلقون عند قراءة القرآن فقال: يؤمنون بمحكمه ويهلكون عند متشابهه. ويؤيد القول المذكور الأمر بقتلهم مع ما تقدم من حديث ابن مسعود: "لا يحل قتل امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث -وفيه- التارك لدينه، المفارق للجماعة". قال القرطبي في "المفهم" يؤيد القول بتكفيرهم التمثيل المذكور في حديث أبي سعيد يعني الآتي في الباب الذي يليه فإن ظاهر مقصوده أنهم
[ ١٧٩ ]
خرجوا من الإسلام ولم يتعلقوا منه بشيء كما خرج السهم من الرمية لسرعته وقوة راميه بحيث لم يتعلق من الرمية بشيء، وقد أشار إلى ذلك بقوله "سبق الفرث الدم". وقال صاحب الشفاء فيه: وكذا تقطع بكفر كل من قال قولًا يتوصل به إلى تضليل الأمة أو تكفير الصحابة، وحكاه صاحب "الروضة" في كتاب الردة عنه وأقره. وذهب أكثر أهل الأصول من أهل السنة إلى أن الخوارج فساق وأن حكم الإسلام يجري عليهم لتلفظهم بالشهادتين ومواظبتهم على أركان الإسلام، وإنما فسقوا بتكفيرهم المسلمين مستندين إلى تأويل فاسد وجرهم ذلك إلى استباحة دماء مخالفيهم وأموالهم والشهادة عليهم بالكفر والشرك. وقال الخطابي: أجمع علماء المسلمين على أن الخوارج مع ضلالتهم فرقة من فرق المسلمين وأجازوا مناكحتهم وأكل ذبائحهم وأنهم لا يكفرون ما داموا مستمسكين بأصل الإسلام.
وقال عياض: كادت هذه المسألة تكون أشد إشكالًا عند المتكلمين من غيرها حتى سأل الفقيه عبد الحق الإمام أبا المعالي عنها فاعتذر بأن إدخال كافر في الملة وإخراج مسلم عنها عظيم في الدين، قال: وقد توقف قبله القاضي أبو بكر الباقلاني وقال: لم يصرح القوم بالكفر وإنما قالوا أقوالًا تؤدي إلى الكفر. وقال الغزالي في كتاب "التفرقة بين الإيمان والزندقة" والذي ينبغي الاحتراز عن التكفير ما وجد إليه سبيلًا فإن استباحة دماء المصلين المقرين بالتوحيد خطأ والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم لمسلم واحد. ومما احتج به من لم يكفرهم قوله في ثالث أحاديث الباب بعد وصفهم بالمروق من الدين (كمروق السهم فينظر الرامي إلى سهمه) إلى أن قال "فيتمارى في الفوقة هل علق بها شيء" قال ابن بطال: ذهب جمهور العلماء إلى أن الخوارج غير خارجين عن جملة المسلمين لقوله (يتمارى في الفوق) لأن التماري من الشك وإذ وقع الشك في ذلك لم يقطع عليهم بالخروج من الإسلام، لأن من ثبت له عقد الإسلام بيقين لم يخرج منه إلا بيقين قال: وقد سئل علي عن أهل النهر هل كفروا؟ فقال: من الكفر فروا. قلت: وهذا إن ثبت عن علي حمل على أنه لم يكن اطلع على معتقدهم الذي أوجب تفكيرهم عند من كفرهم، وفي احتجاجه بقوله "يتمارى في الفوق" نظر فإن في بعض طرق الحديث المذكور كما تقدمت الإشارة إليه وكما سيأتي "لم يعلق منه بشيء" وفي بعضها "سبق الفرث والدم" وطريق الجمع بينهما أنه تردد هل في الفوق شيء أولا ثم تحقق أنه لم يعلق بالسهم ولا بشيء منه
[ ١٨٠ ]
من الرمي بشيء، ويمكن أن يحمل الاختلاف فيه على اختلاف أشخاص منهم، ويكون في قوله "يتمارى" إشارة إلى أن بعضهم قد يبقى معه من الإسلام شيء.
قال القرطبي في "المفهم" والقول بتكفيرهم أظهر في الحديث قال: فعلى القول بتكفيرهم يقاتلون ويقتلون وتسبى أموالهم وهو قول طائفة من أهل الحديث في أموال الخوارج وعلى القول بعدم تكفيرهم يسلك بهم مسلك أهل البغي إذا شقوا العصا ونصبوا الحرب فأما من استسر منهم ببدعة فإذا ظهر عليه هل يقتل بعد الاستتابة أو لا يقتل بل يجتهد في رد بدعته؟ اختلف فيه بحسب الاختلاف في تكفيرهم. قال: وباب التكفير باب خطر ولا نعدل بالسلامة شيئًا
وفيه أن من المسلمين من يخرج من الدين من غير أن يقصد الخروج منه ومن غير أن يختار دينًا على دين الإسلام وأن الخوارج شر الفرق المبتدعة من الأمة المحمدية ومن اليهود والنصارى. قلت: والأخير مبني على القول بتكفيرهم مطلقًا (١). ا. هـ.
قلت: فهذا النص القطعي الثبوت القوي الدلالة في أناس من الأمة شديدي الاجتهاد في العبادة وصلوا لدرجة إذا صلى الصحابي بجوار أحدهم حقر صلاته مع صلاته وقراءته مع قراءته وصيامه مع صيامه. يقولون: من خير قول البرية بل هم القراء المجاهدون الذين كانوا يجاهدون مع علي -﵁- في سبيل الله وهم مع هذه الحالة العظيمة من العبادة يقرءون القرآن يحسبونه لهم وهو عليهم بل وقعوا في أمر جلل جد خطير وآفتهم الجهل والتأويل الفاسد غير المستساغ.
قال ابن كثير في حقهم: "قلت: وهذا الضرب من الناس من أغرب أشكال بني آدم فسبحان من نوع خلقه كما أراد وسبق في قدره العظيم. وما أحسن ما قال بعض السلف في الخوارج: أنهم المذكورون في قوله تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا -إلى قوله- فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا).
والمقصود أن هؤلاء الجهلة الضلال والأشقياء في الأقوال والأفعال
فخرجوا (أي لمحاربة المسلمين) من بين الآباء والأمهات والأخوال والخالات وفارقوا
_________________
(١) فتح الباري جـ: ١٢ ص: ٢٩٥: ٣١٣ - باب الردة.
[ ١٨١ ]
سائر القرابات يعتقدون بجهلهم وقلة علمهم وعقلهم أن هذا الأمر يرضي رب الأرض والسموات، ولم يعلموا أنه من أكبر الكبائر الموبقات والعظائم والخطيئات وأنه مما زينه لهم إبليس الشيطان الرجيم المطرود عن السموات الذي نصب العداوة لأبينا آدم ثم لذريته ما دامت أرواحهم في أجسادهم مترددات والله المسئول أن يعصمنا منه بحوله وقوته إنه مجيب الدعوات. وقد تدارك جماعة من الناس بعض أولادهم وإخوانهم فردوهم وأنبوهم ووبخوهم فمنهم من استمر على الاستقامة ومنهم من فر بعد ذلك فلحق بالخوارج، فخسر إلى يوم القيامة، وذهب الباقون إلى ذلك الموضع ووافى إليه من كانوا كتبوا إليه من أهل البصرة وغيرها واجتمع الجميع بالنهروان وصارت لهم شوكة ومنعة وهم جند مستقلون وفيهم شجاعة وعندهم أنهم متقربون بذلك، فهم لا يصطلى لهم بنار، ولا يطمع في أن يؤخذ منهم بثأر، والله المستعان (١). ا. هـ
قلت: فتلك نصوص العلماء تقرر: أن ما أوقعهم في هذه الموبقات إلا الجهل والخطأ في تأويل آي القرآن على غير المراد منه وهم مع هذا يظنون أنهم حملته ورافعوا لواءه ويقاتلون في زعمهم: الخارجين المرتدين عن حاكمية القرآن وقدموا أرواحهم ودماءهم وأموالهم فدية وقربانًا لهذا الاعتقاد وصدق رسول الله، ﷺ، في وصفهم: "يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم". وجاءت الروايات الصحيحة الصريحة في خروجهم من الإسلام مع عدم تعلقهم بشيء منه كخروج السهم المنطلق لسرعة راميه من الرمية لم يتعلق منها بشيء، سبق الفرث والدم، فالأمة قاطبة اجتمعت على ضلالهم وذمهم واختلفوا في تكفيرهم.
قال ابن تيمية: فإن الأمة متفقون على ذم الخوارج وتضليلهم، وإنما تنازعوا في تكفيرهم على قولين مشهورين: في مذهب مالك وأحمد وفي مذهب الشافعي أيضًا نزاع في كفرهم (٢). ا. هـ.
_________________
(١) البداية والنهاية جـ: ٧ ص: ٢٨٦: ٢٨٧.
(٢) جـ: ٢٨ ص: ٥١٨ لمجموع الفتاوى.
[ ١٨٢ ]
الأدلة على كفر الخوارج:
قلت: وقد قطع كثير من أئمة المحققين بكفرهم كأمثال إمام المحدثين البخاري وشيخ المفسرين الطبري والسبكي وأبي بكر بن العربي والرافعي وقال القرطبي: إن القول بتكفيرهم أظهر في الحديث وظاهر الرواية عن أبي سعيد أنه يرى كفرهم، وهو قول مشهور في مذهب مالك وأحمد والشافعي ودلالة النصوص تؤيد هذا القول وتنصره والفريق الآخر من العلماء لا حجة له إلا تأويل النصوص وما من حجة لهم في هذا التأويل إلا وظواهر النصوص تأباها وتردها ويلاحظ أن هذا الفريق من العلماء علل عدم كفرهم لأنهم مستمسكون: بأصل الإسلام كأبي سليمان الخطابي لأن نقض أصل الدين لا خلاف في خروج صاحبه من الدين لأن حكم الإسلام ثبت له بافتراض وجوده "أي: أصل الدين" لديه فإذا نقضه حكم بردته بلا خلاف وقد تقدم هذا من قبل -بفضل الله وعونه-.
وقد استدل العلماء في هذا المقام بقول النبي، ﷺ،: "يتمارون في الفوق". وأجاب الحافظ على هذا: بأنه جاءت روايات أخرى تقول لم يتعلق منه بشيء، و"سبق الفرث والدم" ويجمع بينهما أنه كان في بادئ الأمر وجد التماري لكن بعد تدقيق النظر تيقن الناظر بأنه لم يعلق بشيء.
وكذلك استدلوا ببعض الروايات التي جاء فيها "من هذه الأمة" وأجاب الحافظ: أن رواية (في هذه الأمة) يقصد بها: أمة الإجابة ورواية (من هذه الأمة) المقصود بها: أمة الدعوة أو أن يكون (من هذه الأمة) باعتبار ما سبق.
وكذلك تأويل العلماء لقول النبي، ﷺ، "يمرقون من الإسلام" أن المقصود به الطاعة للإمام. فهذا التأويل ترده رواية (يمرقون من الدين).
وكذلك احتجاجهم بقول علي -﵁- عندما سُئل عن الخوارج فقال هم من الكفر فروا.
فالجواب كما قال الحافظ: إنه إن ثبت هذا عن علي فيحمل على أنه لم يطلع على كفرهم. أو أنه قال هذا في بادئ أمرهم وقبل أن يكفروا الأمة بأسرها.
والتأويل لا يصح إلا بصارف أو قرينة تخرجنا عن المعنى الظاهري للنص وليس ثمّ صارف في الروايات بل قد جاءت تثبت وتؤكد المعنى الظاهر كقوله، ﷺ،: "يخرج في
[ ١٨٣ ]
هذه الأمة، و"يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية" و"سبق الفرث الدم" و"يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم لا تجاوز صلاتهم تراقيهم". ومعلوم أن القرآن حجة للمسلمين لا عليهم، والصلاة لا تقبل من الكفار، أو لتخلف شرط من شروطها، أو ركن، أو فعل ناقض وليس ثم من ذلك شيء فلم يبق إلا الكفر وقوله، ﷺ، "يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه". ومعلوم أنهم لو كانوا فيه فما المقصود بقوله، ﷺ، ثم لا يعودون فيه؟! وقوله: "لا يجاوز إيمانهم حناجرهم". فهذا نص في أن القلب عري عن الإيمان ومعلوم أن إيمان القلب شرط في صحة الإسلام لا يُنتفع إلا به للنجاة من عذاب الدنيا والآخرة. وقوله، ﷺ،: "هم شر الخلق والخليقة" و"شرار أمتي يقتلهم خيار أمتي" و"شر البرية" و"من أبغض خلق الله إليه" و"شر قتلى أظلتهم السماء وأقلتهم الأرض".
فإن هذه الروايات ظاهرة بينة في كفرهم فكونهم شر خلق الله ومن أبغض خلق الله إليه وشر قتلى أظلتهم السماء وأقلتهم الأرض فمن المعلوم بيقين أن هذه الصفة لا تكون إلا للكافرين.
فإن قيل إن هذه الروايات مطلقة وتحمل على مقيداتها من الروايات التي تقول "شرار أمتي" فتحمل على أنهم شرار المسلمين أقول وبالله التوفيق.
إنه من المعلوم بالاضطرار من الشريعة أن جماعات من الأمة وقعت في الشرك والردة والرجوع إلى دين الآباء وهم المعنيون بقوله تعالى: (أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ). وقوله تعالى: (لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ). وقوله: (لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ). وكذلك الحديث الذي في البخاري "لا تقوم الساعة حتى تضطرب إليات نساء دوس على ذي الخلصة" (١). قال الحافظ والمسلم وأحمد من حديث ثوبان: ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان" (٢) ا. هـ.
وهذا الحديث مما يؤكد صحة جمع الحافظ -﵀- بين روايتين "من هذه الأمة" و"في هذه الأمة" أن رواية "من هذه الأمة" تطلق وإما يراد بها باعتبار ما قد سلف أو أنهم من
_________________
(١) راجع فتح الباري جـ: ١٣ ص: ٨٢.
(٢) راجع فتح الباري جـ: ١٣ ص: ٩١
[ ١٨٤ ]
أمة الدعوة وليسوا من أمة الإجابة لأن النبي، ﷺ، قال: "حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين". فهم من الأمة أي: "أمة الإجابة" قبل لحوقهم وليسوا منها بعد اللحوق، وهم من: أمة الدعوة قبل وبعد اللحوق، وكذلك أيضًا ما وقع من ردة في العرب بعد موت النبي -ﷺ-.
فمما تقدم نعلم بيقين أن من الأمة من ارتكست وارتدت عن دينها ولحقت بالمشركين، فكون الخوارج شرار الأمة وأبغضهم إلى الله يدل أيضًا على كفرهم.
وقوله، ﷺ، "لأقتلنهم قتل عاد" وفي رواية "ثمود" وكل منهما مات وهلك على الكفر ومن أجله، وقوله -ﷺ-: "لا يرجعون إلى الإسلام حتى يرتد السهم إلى فوقه".
وقول راوي الحديث فنزلت "فيه" وفي رواية السرخسي "فيهم" (وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ). ومن المعلوم أن هذا المعترض المأبون على قسمة النبي، ﷺ، ارتد بذلك والآية نزلت فيه عينًا وفي شيعته لأنهم من جنسه في الكفر ولذلك جاءت الرواية التي رواها السرخسي "فيهم" فيا له من فقه أبي سعيد -﵁- وهذا مما يؤكد أنه كان يرى كفرهم لإدخاله إياهم تحت حكم الآية لإستواءهم مع أصل خروجهم ذي الخويصرة في الكفر والردة.
ويدل على هذا ما رواه الإمام أحمد وأبو داود عنه (١) " فرأيت (٢) أبا سعيد بعد ما كبر ويديه ترتعش، ويقول: قتالهم عندي أحل من قتال عدتهم من الترك" (٣).
وكذلك أيضًا يؤيد كفرهم المثل المضروب لهم من مروق السهم من الرمية لسرعة راميه دون التعلق منها بشيء في أي جزء من أجزائه بل سبق الفرث والدم وكذلك هم يمرقون من الدين دون التعلق منه بشيء ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فوقه.
علة تكفير الخوارج:
وآفة القوم التي أوقعتهم في الكفر وعلة ذلك هي: -والله تعالى أعلم- تكفيرهم للصحابة
_________________
(١) أي: عن أحمد بن حنبل.
(٢) أي: عاصم بن شميخ راوي هذا الأثر.
(٣) راجع البداية والنهاية جـ: ٧ ص: ٢٩٩.
[ ١٨٥ ]
لأن هذا يقتضي الطعن فيما نقلوه من القرآن والسنة فإن الفاسق شهادته مردودة فما بالنا بالكافر.
قال أبو بكر بن العربي في قوله تعالى: ( إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا ) المسألة الثانية: -من ثبت فسقه بطل قوله في الأخبار إجماعًا لأن الخبر أمانة والفسق قرينة تبطلها (١). ا. هـ.
وكذلك أيضًا يستلزم تكفيرهم للصحابة تكذيب القرآن الذي أخبر بعدالتهم وخبرتهم في أكثر من آية، وكذلك تواتر ثناء النبي، ﷺ، عليهم والشهادة لأعيان منهم بالجنة، والأخبار لا يدخلها النسخ بخلاف الأوامر وأخطر ذلك على الإطلاق أم تكفيرهم للصحابة يستلزم الطعن فيما نقلوه من القرآن والسنة.
قال القاضي عياض. وكذلك نقطع بتكفير كل قائل قال قولا: يتوصل به إلى تضليل الأمة وتكفير جميع الصحابة كقول الكميلية من الرافضة بتكفير جميع الأمة بعد النبي، ﷺ، إذ لم تقدم عليًا وكفرت عليًا إذ لم يتقدم ويطلب حقه في التقديم فهؤلاء قد كفروا من وجوه لأنهم أبطلوا الشريعة بأمرها إذ قد انقطع نقلها ونقل القرآن إذ ناقلوه كفرة في زعمهم وإلى هذا والله أعلم أشار مالك في أحد قوليه بقتل من كفر الصحابة (٢). ا. هـ.